فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ} (54)

{ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } المكر قد يراد به الاحتيال والخداع والسعي بالفساد في خفية ومداجاة ، وإحكام الأمر توصلا إلى الشر ؛ والضمير في { مكروا } يعود على الذين { أحس عيسى منهم الكفر } وهم بنو إسرائيل الذين دعاهم إلى الحق فأعرضوا وعاندوا وصدوا . عن السدي : بما أن عيسى سار بهم -يعني بالحواريين الذين يصطادون السمك- فآمنوا به واتبعوه إذ دعاهم حتى أتى بنو إسرائيل ليلا فصاح فيهم فذلك قوله { . . فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة . . }{[979]} الآية ، أما مكر الله بهم فإنه فيما ذكر السدي : إلقاؤه شبه عيسى على بعض أتباعه حتى قتله الماكرون بعيسى وهم يحسبونه عيسى وقد رفع الله عز وجل عيسى قبل ذلك . نقل أسباط عن السدي : ثم إن بني إسرائيل حصروا عيسى وتسعة عشر رجلا من الحواريين في بيت فقال عيسى لأصحابه من يأخذ صورتي يقتل وله الجنة ؟ فأخذها رجل منهم وصعد بعيسى إلى السماء فذلك قوله { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } فلما خرج الحواريون أبصروهم تسعة عشر فأخبروهم أن عيسى قد صعد به إلى السماء فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلا من العدة ويرون صورة عيسى فيهم فشكوا فيه وعلى ذلك قتلوا الرجل وهم يرون أنه عيسى وصلبوه ، فذلك قول الله عز وجل { . . وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم }{[980]} قال الزجاج : يقال مكر الليل وأمكر إذا أظلم وقيل أصله من إجماع الأمر وإحكامه فلما كان المكر رأيا محكما قويا مصونا عن جهات النقض والفتور لا جرم سمي مكرا .

مما أورد صاحب تفسير غرائب القرآن روى أن ملك اليهود أراد قتل عيسى عليه السلام وكان جبريل لا يفارقه ساعة فأمره جبريل أن يدخل بيتا فيه روزنة ، فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل من تلك الروزنة وكان قد ألقى شبهه على غيره ممن وكل ليقتله غيلة فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق : فرقة قالت كان الله فينا فذهب ، وأخرى قالت كان ابن الله وأخرى قالت كان عبد الله ورسوله . . وقيل إنهم مكروا في إخفاء أمره وإبطال دينه ، ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل أعداءه ، وهم اليهود { والله خير الماكرين } أقواهم مكرا ، وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب ، واعلم أن المكر إن كان عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر فهو في حق الله تعالى محال فاللفظ إذن من المتشابهات فيجب أن يؤول بأن جزاء المكر يسمى مكرا لقوله { وجزاء سيئة سيئة مثلها . . }{[981]} ، أو بأنه تعالى عاملهم معاملة من يمكر وهو عذابهم على سبيل الاستدراج وإن كان المكر عبارة عن التدبير المحكم الكامل لم يكن اللفظ متشابها لأنه غير ممتنع{[982]} في حق الله تعالى إلا أنه قد اختص في العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى غيره . 1ه .

عن الفراء وغيره : مكر الله استدراجه لعباده من حيث لا يعلمون ، وقال ابن عباس : كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة وذلك هو الاستدراج ليملي الله تعالى لهم ، وقال الزجاج : مكر الله مجازاتهم على مكرهم فسمي الجزاء باسم الابتداء كقوله { الله يستهزئ بهم . . }{[983]}

{ وهوخادعهم . . }{[984]} .


[979]:من سورة الصف من الآية 14.
[980]:من سورة النساء من الآية 157.
[981]:من سورة الشورى من الآية 40.
[982]:يقول صاحب الجامع لأحكام القرآن: هو اسم فاعل من مكر وقد عده بعض العلماء في أسماء الله تعالى... وكان عليه السلام يقول في دعائه (اللهم امكر لي ولا تمكر علي).
[983]:من سورة البقرة من الآية 15.
[984]:من سورة النساء من الآية 142.