الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ} (54)

{ وَمَكَرُواْ } : يعني كبار بني إسرائيل الذين أحسّ عيسى منهم الكفر ودبّروا في قتل عيسى . والمكر ألطف التدبير . وذلك أنّ عيسى بعد إخراج قومه إيّاه وأُمّه من بين أظهرهم عاد إليهم مع الحواريين وصاح فيهم بالدعوة فهمّوا بقتله وتواطأوا على القتل . فذلك مكرهم به .

وقال أهل المعاني : المكر السعي في الفساد في ستر ومداجاة ، وأصله من قول العرب : مكر الليل .

{ وَمَكَرَ اللَّهُ } : قال الفرّاء : المكر من المخلوقين الخبث والخديعة والحيلة ، وهو من اللّه استدراجه العباد . قال اللّه تعالى

{ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } [ الأعراف : 182 ] قال ابن عباس : معناه كلّما أحدثوا خطيئة جدّدنا لهم نعمة .

قال الزجاج : مكر اللّه مجازاتهم على مكرهم فسمّى باسم الابتداء كقوله :

{ اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ } [ البقرة : 15 ] ، وقوله : { وَهُوَ خَادِعُهُمْ } [ النساء : 142 ] .

وقال عمرو بن كلثوم :

ألا لا يجهلن أحدٌ علينا *** فنجهل فوق جهل الجاهلينا

قال الثعلبي : سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول : سمعت أبا عبد اللّه محمد بن عبدالله البغدادي يقول : سأل رجل جُنيداً كيف رضي المكر لنفسه ، وقد عاب به غيره ؟ فقال : لا أدري ما يقول ولكن لسيد بني [ . . . . . . ] الطبرانية :

فديتك قد جعلت على هواكا *** فنفسي لا تنازعني سواكا

أحبُك لا ببعضي بل بكلي *** وإن لم يُبق حبك لي حراكا

ويقبح [ من ] سواك الفعل عندي *** وتفعله فيحسن منك ذاكا

فقال الرجل : أسألك عن آية من كتاب اللّه وتجيبني بشعر الطبرانية فقال : ويحك قد أجبتك إن كنت تعقل .

إن تخليته إيّاهم مع المكر به . مكر منه بهم ، ومكر اللّه تعالى خاص بهم في هذه الآية إلقاء الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى حتى قتل وصلب ورفع عيسى إلى السماء .

قال ابن عباس : إنّ ملك بني إسرائيل أراد قتل عيسى ، وقصده أعوانه . فدخل خوخة فيها كوّة ، فرفعه جبرئيل من الكوّة إلى السماء . فقال الملك لرجل منهم خبيث : ادخل عليه فاقتله ، فدخل الخوخة فألقى اللّه عليه شبه عيسى فخرج إلى النّاس فخبرّهم أنّه ليس في البيت فقتلوه وصلبوه وظنّوا أنّه عيسى .

وقال وهب : طرقوا عيسى في بعض الليل فأسروه ونصبوا خشبة ليصلبوه ؛ فلمّا أرادوا صلبه أظلمت الأرض وأرسل اللّه الملائكة فحالوا بينهم وبينه وصلبوا مكانه رجلاً يقال له يهودا وهو الذي دلّهم عليه . وذلك أنّ عيسى جمع الحواريين تلك الليلة وأوصاهم ، ثم قال : ليكفرنّ أحدكم قبل أن يصيح الديك ويبيعني بدراهم يسيرة . فخرجوا وتفرّقوا ، وكانت اليهود تطلبه . فأتى أحد الحواريين إلى الجنود فقال لهم : ماتجعلون لي إن دللتكم على المسيح ؟ فجعلوا له مائتين درهماً فأخذها ودلّهم عليه فألقى اللّه عليه شبه عيسى لمّا دخل البيت . فرُفع عيسى ، وأُخذ الذي دلّهم عليه فقال : أنا الذي دللتكم عليه ، فلم يلتفتوا إلى قوله وقتلوه وصلبوه ، وهم يظنّون أنّه عيسى . فلمّا صُلب شبه عيسى جاءت أُم عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأ لها ابنة من الجنون تبكيان عند المصلوب فجاءهما عيسى فقال لهما : علام تبكيان ؟ فقالتا : عليك . فقال : إنّ اللّه قد رفعني ولم يصبني إلاّ خير وأنّ هذا الصبّي شُبّه لهم . فلما كان بعد سبعة أيّام . قال اللّه عز وجّل لعيسى : اهبط على مريم في المحراب موضع لأمّه في خبائها فإنّها لم يبك عليك أحد بكاها ، ولم يحزن عليك أحد حزنها .

ثم لتجمع لك الحواريين حيث هم في الأرض . دعاه اللّه تعالى فأهبط اللّه عليها فاشتعل الجبل حين هبط نوراً فجمعت له الحواريين حيث هم في الأرض دعاه اللّه تعالى ثم رفعه إليه . وتلك الليلة هي الليلة التي يدخن فيها النّصارى ، فلمّا أصبح الحواريون حدّث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى إليهم فذلك قوله : { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } .

{ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } أي أفضل المعاقبين . قال أهل التواريخ : حملت مريم بعيسى ولها ثلاثة عشر سنة ودارت بعيسى بيت اللحم من أرض أورشليم لمضي خمسة وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل . ولإحدى وخمسين سنة مضت من ملك الكلدانيين وأوحى اللّه عز وجّل لأُمّه على رأس ثلاثين سنة ، ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاثين سنة وكانت نبوّته ثلاث سنين ، وعاشت أُمّه مريم بعد رفعه ستّ سنين .