الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ} (61)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " فمن حاجك فيه " أي جادلك وخاصمك يا محمد " فيه " ، أي في عيسى " من بعد ما جاءك من العلم " بأنه عبد الله ورسوله . " فقل تعالوا " أي أقبلوا . وضع لمن له جلالة ورفعة ثم صار في الاستعمال لكل داع إلى الإقبال ، وسيأتي له مزيد بيان في " الأنعام " {[3136]} .

" ندع " في موضع جزم . " أبناءنا " دليل على أن أبناء البنات يسمون أبناء ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالحسن والحسين وفاطمة تمشي خلفه وعليّ خلفها وهو يقول لهم : ( إن أنا دعوت فأمّنوا ) . وهو معنى قوله : " ثم نبتهل " أي نتضرع في الدعاء ، عن ابن عباس . أبو عبيدة والكسائي : نلتعن . وأصل الابتهال الاجتهاد في الدعاء باللعن وغيره . قال لبيد :

في كهول سادة من قومه *** نظر الدهر إليهم فابْتَهَل

أي اجتهد في إهلاكهم . يقال : بهله الله أي لعنه . والبهل : اللعن . والبهل : الماء القليل . وأبهلته إذا خليته وإرادته . وبهلته أيضا . وحكى أبو عبيدة : بهله الله يبهله بهلة أي لعنه . قال ابن عباس : هم أهل نجران : السيد والعاقب وابن الحارث رؤساؤهم . " فنجعل لعنة الله على الكاذبين " .

الثانية : هذه الآية من أعلام نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه دعاهم إلى المباهلة فأبوا منها ورضوا بالجزية بعد أن أعلمهم كبيرهم العاقب أنهم إن باهلوه اضطرم عليهم الوادي نارا فإن محمدا نبي مرسل ، ولقد تعلمون أنه جاءكم بالفصل في أمر عيسى ، فتركوا المباهلة وانصرفوا إلى بلادهم على أن يؤدوا في كل عام ألف حُلَّة في صَفَر وألف حلة في رجب فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك بدلا من الإسلام .

الثالثة : قال كثير من العلماء : إن قوله عليه السلام في الحسن والحسين لما باهل " ندع أبناءنا وأبناءكم " وقوله في الحسن : ( إن ابني هذا سيد ) مخصوص بالحسن والحسين أن يسميا ابنيْ النبي صلى الله عليه وسلم دون غيرهما ؛ لقوله عليه السلام : ( كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي ) ولهذا قال بعض أصحاب الشافعي فيمن أوصى لولد فلان ولم يكن له ولد لصلبه وله ولد ابن وولد ابنة : إن الوصية لولد الابن دون ولد الابنة ، وهو قول الشافعي . وسيأتي لهذا مزيد بيان في " الأنعام{[3137]} والزخرف " إن شاء الله تعالى .


[3136]:- راجع 7 ص 130.
[3137]:- راجع جـ7 ص 32 وجـ16 ص 77 فما بعد.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ} (61)

ولما أتاهم سبحانه وتعالى من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام بالفصل في البيان الذي ليس بعده إلا العناد ، فبين أولاً ما تفضل{[17726]} فيه عيسى عليه الصلاة والسلام {[17727]}من أطوار الخلق الموجبة للحاجة المنافية للإلهية ، ثم فضح بتمثيله بآدم عليه الصلاة والسلام شبهتَهم ، ألزمهم على تقديره بالفيصل{[17728]} الأعظم للمعاند الموجب للعذاب المستأصل أهل{[17729]} الفساد فقال سبحانه وتعالى : { فمن } أي فتسبب عما آتيناك به من الحق في أمره أنا{[17730]} نقول لك{[17731]} : من{[17732]} { حآجك فيه } أي خاصمك بإيراد حجة ، أي كلام يجعله{[17733]} في عداد ما يقصد .

ولما كان الملوم إنما هو من بلغته هذه الآيات وعرف معناها دون من حاج{[17734]} في الزمان الذي هو بعد نزولها دون اطلاعه عليها قال : { من } أي مبتدئاً{[17735]} المحاجة{[17736]} من{[17737]} ، ويجوز أن يكون{[17738]} الإتيان بمن لئلا يفهم أن المباهلة تختص بمن استغرق زمان البعد بالمجادلة { بعدما جآءك من العلم } أي الذي أنزلناْْ إليك وقصصناه عليك في أمره { فقل تعالوا } أي أقبلوا أيها المجادلون إلى{[17739]} أمر نعرف فيه علو المحق{[17740]} وسفول المبطل { ندع أبنآءنا وأبناءكم } أي الذين هم أعز ما عند الإنسان لكونهم بعضه { ونساءنا ونساءكم } أي اللاتي هن أولى ما يدافع عنه أولو الهمم العوالي{[17741]} { وأنفسنا وأنفسكم } فقدم ما يدافع{[17742]} عنه ذوو{[17743]} {[17744]}الأحساب ويفدونه بنفوسهم{[17745]} ، وقدم منه الأعز الألصق بالأكباد{[17746]} وختم بالمدافع ، وهذا الترتيب على سبيل الترقي إذا اعتبرت أنه قدم{[17747]} الفرع ثم الأصل وبدأ بالأدنى وختم بالأعلى ، وفائدة الجمع الإشارة إلى القطع بالوثوق بالكون {[17748]}على الحق{[17749]} . ثم ذكر ما له هذا الجمع مشيراً بحرف التراخي إلى خطر الأمر وأنه مما ينبغي الاهتمام به والتروي له وإمعان النظر فيه لوخامة العاقبة وسوء المنقلب للكاذب فقال : { ثم نبتهل } أي نتضرع - قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما نقله الإمام أبو حيان في نهره . وقال الحرالي : الابتهال طلب البهل ، والبهل أصل معناه التخلي{[17750]} والضراعة في مهم مقصود - انتهى . { فنجعل لعنت الله } أي{[17751]} الملك{[17752]} الذي له العظمة كلها فهو يجير ولا يجار عليه{[17753]} ، أي إبعاده{[17754]} وطرده { على الكاذبين * } و{[17755]}قال ابن الزبير بعد ما تقدم من كلامه : ثم لما أتبعت{[17756]} قصة آدم عليه الصلاة والسلام - يعني في البقرة - بذكر بني إسرائيل لوقوفهم من تلك القصص على ما لم تكن العرب تعرفه ، وأنذروا وحذروا ؛ أتبعت{[17757]} قصة عيسى عليه الصلاة والسلام - يعني هنا - بذكر الحواريين وأمر النصارى إلى آية المباهلة - انتهى .


[17726]:في ظ: ينقل، وفي مد: تنقل.
[17727]:العبارة من هنا إلى "والسلام" الآتي سقطت من ظ.
[17728]:في ظ: الفصل.
[17729]:في ظ: أصل.
[17730]:من ظ ومد، وفي الأصل: لافا.
[17731]:من ظ ومد، وفي الأصل: ذلك.
[17732]:زيد من ظ ومد.
[17733]:في ظ: يجهله.
[17734]:في النسخ: حاجج.
[17735]:زيد في الأصل "من".
[17736]:من ظ، وفي الأصل: المحاججة، وفي مد: المحاحجة.
[17737]:سقط من ظ.
[17738]:في ظ: تكون.
[17739]:من مد، وفي الأصل وظ: أي.
[17740]:في ظ: الحق.
[17741]:في النسخ: العوال.
[17742]:في ظ: يدفع.
[17743]:من ظ ومد، وفي الأصل: ذوا.
[17744]:في ظ: الاجتناب و يعدونه لنفرسهم. وفي مد: الاحتساب ويعدونه بنفوسهم.
[17745]:في ظ: الاجتناب و يعدونه لنفرسهم. وفي مد: الاحتساب ويعدونه بنفوسهم.
[17746]:من مد، وفي الأصل: بالالياد، وفي ظ: باكباد.
[17747]:من ظ ومد، وفي الأصل: مذموم ـ كذا.
[17748]:سقط من ظ.
[17749]:سقط من ظ.
[17750]:في ظ: النحل.
[17751]:زيد من مد.
[17752]:تأخرت في ظ عن "إبعاده".
[17753]:تأخرت من ظ عن "إبعاده".
[17754]:في ظ: إبعاد.
[17755]:زيد من مد.
[17756]:في ظ: انتفت.
[17757]:في ظ: أتبعة.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ} (61)

قوله تعالى : ( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين ) ( فمن حاجك ) أي جادلك وخاصمك يا محمد ( فيه ) أي في المسيح عيسى ابن مريم ، أو في الحق الوارد في الآية ( الحق من ربك ) . من بعد أن أوحى الله إليك في ذلك من الخبر اليقين والعلم الصادق الساطع ، فقل لهم هلموا ( ندع أبناءنا وأبناءكم . . ثم نبتهل ) أي نلتعن . من البهل بفتح الباء وهو اللعن . باهل بعضكم بعضا وتبهلوا أي تلاعنوا . والابتهال الاجتهاد في الدعاء . بهله الله أي لهنه الله{[482]} واللعن معناه الطرد والإبعاد من الرحمة{[483]} .

وسبب نزول هذه الآية أنه جاء راهبا نجران إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال لهما : " أسلما تسلما " فقالا : قد أسلمنا قبلك . فقال : " كذبتما- يمنعكما من الإسلام سجودكما للصليب ، وقولكما اتخذ الله ولدا ، وشربكما الخمر " فقالا : ما نقول في عيسى ؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن ( ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم ) إلى قوله : ( تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ) الآية . فدعاهما رسول الله صلى الله عليه

وسلم إلى الملاعنة . وجاء بالحسن والحسين وفاطمة وأهله وولده عليهم السلام ، فلما خرج من عنده قال أحدهما لصاحبه : أقرر بالجزية ولا تلاعنه ، فأقر بالجزية ، فرجعا فقالا : نقر بالجزية ولا نلاعنك .

وجملة القول أن المباهلة ضرب من الاجتهاد في الدعاء يجعل اللعن على الكاذبين ، لكن المشركين أبوا أن يطوقوا أنفسهم بمغبة هذا الدعاء الخطير لما يعرفونه في أعماق أنفسهم وهو أن محمدا صلى الله عليه و سلم صادق ، وأنه يأتيه الوحي من السماء ، وأن ما جاء به من أنباء المسيح وأمه مريم غاية في اليقين وقطع الثبوت .

ولقد استيقن هؤلاء المشركون أن قبولهم بالمباهلة سيفضي بالضرورة إلى أن تحيق بهم نقمة الله فيبوءوا بالسخط والاصطلام ؛ من أجل ذلك أحجموا عن المباهلة . وتلك حجة ظاهرة تضاف إلى الدلائل الكاثرة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم .


[482]:- القاموس المحيط جـ 3 ص 350 ومختار الصحاح ص 67 وتفسير الرازي جـ 8 ص 90.
[483]:-أسباب النزول للنيسابوري ص 67.