الثانية : فقال تعالى : " إلا الذين يصلون " استثناء أي يتصلون بهم ويدخلون فيما بينهم من الجوار والحلف ، المعنى : فلا تقتلوا قوما بينهم وبين من بينكم وبينهم عهد فإنهم على عهدهم ، ثم انتسخت العهود فانتسخ هذا . هذا قول مجاهد وابن زيد وغيرهم ، وهو أصح ما قيل في معنى الآية . قال أبو عبيد : يصلون ينتسبون ، ومنه قول الأعشى :
إذا اتصلت قالت لبكر بن وائل *** وبكرٌ سَبَتْهَا والأنوف رواغم
يريد إذا انتسبت . قال المهدوي : وأنكره العلماء ؛ لأن النسب لا يمنع من قتال الكفار وقتلهم . وقال النحاس : وهذا غلط عظيم ؛ لأنه يذهب إلى أن الله تعالى حظر أن يقاتل أحد بينه وبين المسلمين نسب ، والمشركون قد كان بينهم وبين السابقين الأولين أنساب ، وأشد من هذا الجهل بأنه كان ثم نسخ ؛ لأن أهل التأويل مجمعون على أن الناسخ له " براءة " وإنما نزلت " براءة " بعد الفتح وبعد أن انقطعت الحروب . وقال معناه الطبري . قلت : حمل بعض العلماء معنى ينتسبون على الأمان ؛ أي إن المنتسب إلى أهل الأمان آمن إذا أمن الكل منهم ، لا على معنى النسب الذي هو بمعنى القرابة . واختلف في هؤلاء الذين كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق ؛ فقيل : بنو مدلج . عن الحسن : كان بينهم وبين قريش عقد ، وكان بين قريش وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد . وقال عكرمة : نزلت في هلال بن عويمر وسراقة بن جعشم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد . وقيل : خزاعة . وقال الضحاك عن ابن عباس : أنه أراد بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق بني بكر بن زيد بن مناة ، كانوا في الصلح والهدنة .
الثالثة : في هذه الآية دليل على إثبات الموادعة بين أهل الحرب وأهل الإسلام إذا كان في الموادعة مصلحة للمسلمين ، على ما يأتي بيانه في " الأنفال{[4712]} وبراءة{[4713]} " إن شاء الله تعالى .
الرابعة : قوله تعالى : " أو جاؤوكم حصرت صدورهم " أي ضاقت . وقال لبيد :
أسهلْت وانتصبت كجذع مُنِيفة *** جرداءَ يحصًُر دونها جُرَّامُها{[4714]}
أي تضيق صدورهم من طول هذه النخلة ، ومنه الحصر في القول وهو ضيق الكلام على المتكلم . والحصر الكتوم للسر ، قال جرير :
ولقد تَسَقَّطَنِي الوشاةُ فصادفوا *** حَصِرًا بسرِّك يا أميم ضَنينا
ومعنى " حصرت " قد حصرت فأضمرت قد ؛ قال الفراء : وهو حال من المضمر المرفوع في " جاؤوكم " كما تقول : جاء فلان ذهب عقله ، أي قد ذهب عقله . وقيل : هو خبر بعد خبر قاله الزجاج . أي جاؤوكم ثم أخبر فقال : " حصرت صدورهم " فعلى هذا يكون " حصرت " بدلا من " جاؤوكم " كما قيل : " حصرت " في موضع خفض على النعت لقوم . وفي حرف أبي " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق حصرت صدورهم " ليس فيه " أو جاؤوكم " {[4715]} . وقيل : تقديره أو جاؤوكم رجالا أو قوما حصرت صدورهم ، فهي صفة موصوف منصوب على الحال . وقرأ الحسن " أو جاؤوكم حصرة صدورهم " نصب على الحال ، ويجوز رفعه على الابتداء والخبر . وحكى " أو جاؤوكم حصرت صدورهم " ، ويجوز الرفع . وقال محمد بن يزيد : " حصرت صدورهم " هو دعاء عليهم ، كما تقول : لعن الله الكافر ، وقاله المبرد{[4716]} . وضعفه بعض المفسرين وقال : هذا يقتضي ألا يقاتلوا قومهم ، وذلك فاسد ؛ لأنهم كفار وقومهم كفار . وأجيب بأن معناه صحيح ، فيكون عدم القتال في حق المسلمين تعجيزا لهم ، وفي حق قومهم تحقيرا لهم . وقيل : " أو " بمعنى الواو ، كأنه يقول : إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق وجاؤوكم ضيقة صدورهم عن قتالكم والقتال معكم فكرهوا قتال الفريقين . ويحتمل أن يكونوا معاهدين على ذلك فهو نوع من العهد ، أو قالوا نسلم ولا نقاتل ؛ فيحتمل أن يقبل ذلك منهم في أول الإسلام حتى يفتح الله قلوبهم للتقوى ويشرحها للإسلام . والأول أظهر . والله أعلم . " أو يقاتلوا{[4717]} " في موضع نصب ؛ أي عن أن يقاتلوكم .
الخامسة : قوله تعالى : " ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم " تسليط الله تعالى المشركين على المؤمنين هو بأن يقدرهم على ذلك ويقويهم إما عقوبة ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصي ، وإما ابتلاء واختبارا كما قال تعالى : " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم " {[4718]} [ محمد :31 ] ، وإما تمحيصا للذنوب كما قال تعالى : " وليمحص الله الذين آمنوا{[4719]} " [ آل عمران : 141 ] ولله أن يفعل ما يشاء ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء . ووجه النظم والاتصال بما قبل أي اقتلوا المنافقين الذين اختلفتم فيهم إلا أن يهاجروا{[4720]} ، وإلا أن يتصلوا بمن بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون فيما دخلوا فيه فلهم حكمهم ، وإلا الذين جاؤوكم قد حصرت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم فدخلوا فيكم فلا تقتلوهم .
ولما كان سبحانه وتعالى قد أمر فيهم على تقدير توليهم بما أمر ، استثنى منه فقال : { إلا الذين يصلون } فراراً منكم ، وهم من الكفار عند الجمهور { إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق } أي عهد وثيق بأن لا تقاتلوهم ولا تقاتلوا من لجأ{[22263]} إليهم أو دخل فيما دخلوا فيه ، فكفوا حينئذ عن أخذهم وقتلهم { أو } الذين { جاءوكم } حال كونهم{[22264]} { حصرت } أي ضاقت وهابت وأحجمت{[22265]}
{ صدورهم أن{[22266]} } أي عن أن { يقاتلوكم } أي لأجل دينهم وقومهم { أو يقاتلوا قومهم } أي لأجلكم فراراً أن{[22267]} يكفوا عن قتالكم وقتال قومهم فلا تأخذوهم ولا تقاتلوهم ، لأنهم كالمسالمين{[22268]} بترك القتال ، ولعله عبر بالماضي في " جاء " إشارة إلى أن شرط مساواتهم للواصلين إلى المعاهدين عدم التكرر ، فإن{[22269]} تكرر ذلك منهم فهم الآخرون الآتي حكمهم .
{[22270]}ولما كان{[22271]} التقدير : فلو شاء الله لجعلهم مع قومهم إلباً{[22272]} واحداً عليكم{[22273]} ، عطف عليه قوله : { ولو } أي{[22274]} يكون المعنى : والحال أنه لو { شاء الله } أي وهو المتصف بكل كمال { لسلطهم } أي هؤلاء الواصلين والجائين{[22275]} على تلك{[22276]} الحال من الكفار { عليكم } بنوع من أنواع التسليط ، تسليطاًَ جارياً على الأسباب ومقتضى العوائد ، لأن بهم{[22277]} قوة على قتالكم { فلقاتلوكم } أي فتسبب عن هذا التسليط أنهم قاتولكم منفردين أو مع{[22278]} غيرهم من أعدائكم ، واللام فيه جواب " لو " على التكرير ، أو البدل من سلط{[22279]} .
ولما كان المغيّي على النهي عن قتالهم{[22280]} حينئذ ، صرح به في قوله : { فإن اعتزلوكم } أي هؤلاء الذين أمرتكم بالكف عنهم من المنافقين ، فكفوا عنكم { فلم يقاتلوكم } منفردين ولا مجتمعين مع غيرهم { وألقوا إليكم السلم } أي الانقياد { فما جعل الله } أي الذي لا{[22281]} أمر لأحد معه بجهة من الجهات { لكم عليهم سبيلاً * } أي إلى شيء من أخذهم ولا قتلهم .
وقوله : ( إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ) ذلك استثناء من أولئك الذين وجب أخذهم وقتلهم . والمستثنون هم الذين يلوذون – من خلال جوار أو حلف- بأناس يربطهم بهم ميثاق أو عهد ، فأولئك المستثنون لا يؤخذون ولا يقتلون بالنظر لرباطهم الموثوق . وقد ذكر أن هذا الحكم منسوخ بالتحلل من العهود الواردة في سورة " براءة " حيث النبذ لعهود المشركين والشروع في محاربتهم أينما كانوا .
قوله : ( أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ) وذلك استثناء آخر فهو معطوف على المستثنى الآنف ذكره وهو متعلق بفريق من المشركين المسالمين الموادعين الذين ( حصرت صدورهم أن يقاتلوكم ) أي ضاقت صدورهم عن قتالكم وهم مبغضون لذلك ، وهم كذلك يعز عليهم قتال قومهم المشركين . فهؤلاء ليسوا لكم أو عليكم .
وقوله : ( ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم . . . ) من شأن الله سبحانه أن يبلو عباده المؤمنين ويصيبهم بضروب من المصائب والمحن ؛ وذلك لمعاص قد ارتكبوها ، ثم يريد الله أن يمحو بذلك من سيئاتهم إن احتملوا وصبروا ، أو أن الله يبلوهم ليمحّص المؤمنين وليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين . أو أنه – جلت قدرته- يتعبد المؤمنين بابتلائهم ليصبروا وليزدادوا إيمانا مع إيمانهم .
وعلى هذا فلو شاء الله لابتلى عباده المؤمنين بأن سلّط عليهم هؤلاء الذين غمروا في صفوف المشركين بعد ضعف ، وتخلّفوا عن مركب الإيمان من غير حيلة فقاتلوهم قتالا لا يرعون فيهم إلا ولا ذمة . وذلك فضل من الله أن نجّى عباده من هذا الكيد المحتمل .
هذا الصنف من الناس إذا ما اعتزلوا المسلمين ثم لم يقاتلوهم وألقوا إليهم المسالمة والموادعة فليس للمسلمين بعد ذلك أن يقاتلوهم{[803]} .