قوله تعالى : " وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم " تبيين من الله تعالى أن أسلافهم تمردوا على موسى وعصوه ؛ فكذلك هؤلاء على محمد عليه السلام ، وهو تسلية له ، أي يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ، واذكروا قصة موسى . وروي عن عبدالله بن كثير أنه قرأ " يا قوم اذكروا " بضم الميم ، وكذلك ما أشبهه ؛ وتقديره يا أيها القوم . " إذ جعل فيكم أنبياء " لم ينصرف ؛ لأنه فيه ألف التأنيث . " وجعلكم ملوكا " أي تملكون أمركم لا يغلبكم عليه غالب بعد أن كنتم مملوكين لفرعون مقهورين ، فأنقذكم منه بالغرق ، فهم ملوك بهذا الوجه ، وبنحوه فسر السدي والحسين وغيرهما . قال السدي : ملك كل واحد منه نفسه وأهله وماله . وقال قتادة : إنما قال : " وجعلكم ملوكا " لأنا كنا نتحدث أنهم أول من خدم من بني آدم . قال ابن عطية : وهذا ضعيف ؛ لأن القبط قد كانوا يستخدمون بني إسرائيل ، وظاهر أمر بني آدم أن بعضهم كان يسخر بعضا مذ تناسلوا وكثروا ، وإنما اختلفت الأمم في معنى التمليك فقط . وقيل : جعلكم ذوي منازل لا يدخل عليكم إلا بإذن ، روي معناه عن جماعة من أهل العلم . قال ابن عباس : إن الرجل إذا لم يدخل أحد بيته إلا بإذنه فهو ملك . وعن الحسن أيضا وزيد بن أسلم من كانت له دار وزوجة وخادم فهو ملك ، وهو قول عبدالله بن عمرو كما في صحيح مسلم عن أبي عبدالرحمن الحبلي قال : سمعت عبدالله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين ؟ فقال له عبدالله : ألك امرأة تأوي إليها ؟ قال : نعم . قال : ألك منزل تسكنه ؟ قال : نعم . قال : فأنت من الأغنياء . قال : فإن لي خادما . قال : فأنت من الملوك .
قال ابن العربي : وفائدة هذا أن الرجل إذا وجبت عليه كفارة وملك دارا وخادما باعهما في الكفارة ولم يجز له الصيام ؛ لأنه قادر على الرقبة والملوك لا يكفرون بالصيام ، ولا يوصفون بالعجز عن الإعتاق . وقال ابن عباس ومجاهد : جعلهم ملوكا بالمن والسلوى والحجر{[5437]} والغمام ، أي هم مخدومون كالملوك . وعن ابن عباس أيضا يعني الخادم والمنزل ، وقاله مجاهد وعكرمة والحكم بن عيينة ، وزادوا الزوجة ، وكذا قال زيد بن أسلم إلا أنه قال فيما يعلم - عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من كان له بيت - أو قال منزل - يأوي إليه وزوجة وخادم يخدمه فهو ملك ، ذكره النحاس . ويقال : من استغنى عن غيره فهو ملك ، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم : ( من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه وله قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) .
قوله تعالى : " وآتاكم " أي أعطاكم " ما لم يؤت أحدا من العالمين " والخطاب من موسى لقومه في قول جمهور المفسرين ، وهو وجه الكلام . مجاهد : والمراد بالإيتاء المن والسلوى والحجر والغمام . وقيل : كثرة الأنبياء فيهم ، والآيات التي جاءتهم . وقيل : قلوبا سليمة من الغل والغش . وقيل : إحلال الغنائم والانتفاع بها .
قلت : وهذا القول مردود ، فإن الغنائم لم تحل لأحد إلا لهذه الأمة على ما ثبت في الصحيح ، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى . وهذه المقالة من موسى توطئة لنفوسهم حتى تعزز وتأخذ الأمر بدخول أرض الجبارين بقوة ، وتنفذ في ذلك نفوذ من أعزه الله ورفع من شأنه . ومعنى " من العالمين " أي عالمي زمانكم . عن الحسن . وقال ابن جبير وأبو مالك : الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا عدول عن ظاهر الكلام بما لا يحسن مثله . وتظاهرت الأخبار أن دمشق قاعدة الجبارين .
ولما ذكر سعة مملكته وتمام علمه وشمول قدرته أتبع ذلك الدلالة عليه بقصة{[24912]} بني إسرائيل في{[24913]} استنقاذهم من أسر العبودية والرق وإعلاء شأنهم وإيراثهم أرض الجبارين{[24914]} بعد إهلاك فرعون وجنوده وغير ذلك مما تضمنته القصة ، إظهاراً{[24915]} - بعدم ردهم إلى مصر التي باد أهلها - لتمام القدرة وسعة الملك ونفوذ الأمر ، وهي مع ذلك دالة على نقضهم الميثاق وقساوتهم ونقض ما ادعوه{[24916]} من بنوتهم ومحبتهم ، وذلك أنها ناطقة بتعذيبهم وتفسيقهم وتبرئهم من الله ، ولا شيء من ذلك فعل حبيب ولا ولد ، فقال عاطفاً{[24917]} على نعمة في
{ واذكروا نعمة الله عليكم }[ المائدة : 7 ] تذكيراً لهذه الأمة بنعمة التوثيق للسمع والطاعة التي أباها بنو إسرائيل بعدما رأوا من الآيات ، وبما كف عنهم على ضعفهم وشجع به قلوبهم ، وألزمهم الطاعة وكره إليهم المعصية بضد ما فعل ببني إسرائيل - وغير ذلك مما يرشد إليه إنعام النظر في القصة : { وإذ } أي واذكروا{[24918]} حين { قال موسى لقومه } أي من اليهود { يا قوم اذكروا{[24919]} } أي بالقلب واللسان ، أي{[24920]} ذكر اعتبار واتعاظ بما لكم من قوة{[24921]} القيام بما تحاولونه ليقع منكم الشكر { نعمة الله } أي إنعام الملك الأعظم الذي له الإحاطة بالجلال والإكرام ، وعبر عن الإنعام بالغاية لأنها المقصود { عليكم } وعظم ذلك التذكير بالاسم الأعظم ، ونبه بذكر ظرفها على أجل النعم ، وهي النبوة المنقذة لهم من النار فقال : { إذ } أي حين { جعل فيكم } وبشرهم بمن يأتي بعده من الأنبياء من بني إسرائيل فجمع جمع الكثرة في قوله : { أنبياء } أي يحفظونكم من المهالك الدائمة ، ففعل معكم - بذلك وغيره من النعم التي فضلكم بها على العالمين في تلك الأزمان - فعل المحب مع حبيبه والوالد مع ولده ، ومع ذلك عاقبكم حين عصيتم ، وغضب عليكم إذ أبيتم ، فعلم أن الإكرام و{[24922]} الإهانة دائران بعد{[24923]} مشيئته{[24924]} على الطاعة والمعصية .
ولما نقلهم من الحيثية التي كانوا فيها عبيداً لفرعون ، لا يصلحون معها لملك{[24925]} ، ولا تحدثهم أنفسهم به ، إلى حيثية الحرية القابلة{[24926]} لأن يكون{[24927]} كل منهم{[24928]} معها ملكاً{[24929]} بعد أن أرسل فيهم رسولاً وبشر بأنه{[24930]} يتبعه من الأنبياء ما لم يكن في أمة من الأمم غيرهم ، قال : { وجعلكم ملوكاً } أي فكما{[24931]} جعلكم كذلك بعد ما كنتم غير طامعين في شيء منه ، فقد نقله منكم وجعله في غيركم بتلك القدرة التي أنعم عليكم بها ، وذلك لكفركم بالنعم وإيثاركم الجهل على العلم ، فإنكاركم لذلك{[24932]} وتخصيص{[24933]} النعم بكم تحكم وترجيح بلا مرجح ، ويوضح ذلك أن كفر النعمة سبب لزوالها{[24934]} ، وقد كانوا يهددون في التوراة وغيرها بما هم فيه الآن من ضرب الذلة والمسكنة التي لا يصلحون معها لملك إن هم كفروا - كما سيأتي بعض ذلك في هذه السورة .
ولما ذكرهم تعالى بما{[24935]} ذكرهم به{[24936]} من النعم العامة ، أتبعه التذكير بنعمة خاصة فقال : { وآتاكم ما لم يؤت } أي في زمانكم ولا فيما قبله من سالف الزمان - كما اقتضاه التعبير بلم{[24937]} { أحداً من العالمين * } من الآيات التي أظهرها على يد موسى عليه السلام ، فأخرجكم بها من الظلمات إلى النور ، والكتاب الذي جعله تبياناً لكل شيء ؛
قوله تعالى : { وإذ قال موسى لقومه يقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وءاتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ( 20 ) يقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ( 21 ) قالوا يموسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ( 22 ) قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ( 23 ) قالوا يا موسى لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ( 24 ) قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ( 25 ) قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين } .
هذا نصيب من قصة إسرائيل مع نبيهم ومنقذهم كليم الله موسى وأخيه هارون عليهما الصلاة والسلام . وقصة موسى مع قومه مريرة أليمة تثير في النفس الدهشة والحيرة ، وذلك لغرابة الطبع وشذوذ الفطرة ، ولفرط ما لاقاه موسى من قومه في كيفية تفكيرهم وعجيب تصرفهم وسلوكهم بما ليس له في تاريخ الشعوب والمجتمعات نظير .
وهذه الآيات تتجلى فيها الصورة عن طبيعة بني إسرائيل لتأتي واضحة متبينة للعيان لا ينكرها أو يغفل عنها إلا خاسئ كذاب أو غبي موغل في الضلالة والجهالة .
قوله : { وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا } ذلك مما امتن الله به على بني إسرائيل . فلقد امتن عليهم بمنن كثيرة لم يقدموا لله الشكران عليها ، بل غالوا في الجحود والتغاضي والنسيان وأول هذه المنن أن جعل منهم أنبياء . فإن الله ما بعث في أمة من الأمم مثل ما بعثه في بني إسرائيل من الأنبياء .
وثاني هذه المنن أن جعلهم ملوكا . وتأويل ذلك يحتمل وجوها ثلاثة :
أحدهما : أنه جعلهم أحرارا يملكون أنفسهم بعد ما كانوا مملوكين في أيدي القبط ، فصاروا بعد ذلك سادة غالبين لا مغلوبين ولا مقهورين .
ثانيها : أنهم جميعا ملوك . والملك من كان له الزوجة والخادم والدار .
وقيل : من كان له مركب ونزل وخادم سمي ملكا . وجملة ذلك أن من أوتي أسباب الرفاهة والراحة في الدنيا سمي ملكا . وفي الحديث " من أصبح منكم معافى في جسده آمنا في سربه{[931]} عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها " .
ثالثها : لكثرة الملوك فيهم ، صاروا كلهم كأنهم ملوك لسلوكهم مسلكهم في السعة والترفه ، أو لأن الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء{[932]} .
قوله : { وءاتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } وهذه المنة الثالثة من الله على بني إسرائيل إذ اختصهم بجملة عطايا ما أعطيت لغيرهم من الأمم . وذلك من فضل الله عليهم ليخبتوا له حق الإخبات ويشكروه حق الشكران لكنهم عتوا وعصوا .
ومن هذه العطايا فلق البحر عقب ضربه بالعصا . وإغراق فرعون وزبانيته وجنوده ، وتراكم المياه على حفاف الطرق وسك البحر كأنها الجبال الشوامخ لتمر أسباط إسرائيل الاثنا عشرة وهي آمنة مطمئنة ، وتظليلهم بالغمام ، وانفجار الماء من الصخر الصلد ، وإنزال المن والسلوى وغير ذلك مما من الله عليهم من العطايا المخصوصة .
وقوله : { العالمين } ألف التعريض يحتمل معنيين . أحدهما : العهد . أي أن الله آتاهم من الآلاء والعطايا ما لم يؤت أحدا من العالمين في زمانهم .
ثانيهما : الاستغراق . فيكون التأويل أنهم أعطوا جملة عطايا لم تعطها أمة من الأمم . وذلك مثل كثرة الأنبياء ، والمن والسلوى ، وانفلاق البحر وغير ذلك مما ستكون لله به الحجة عليهم يوم القيامة لعتوهم وجحودهم النعم . لكنهم مع ذلك ليسوا خير الأمم كافة ولا أفضلها فإن تفضيل الأمة من عدة وجوه لا يستلزم تفضيلها من كل الوجوه . فإنه قد يكون للمفضول ما ليس للفاضل . وعلى أية حال فليس أفضل ولا أكرم ولا أصدق من أمة الإسلام . فهي بكريم محتدها وكمال ملتها وسداد شريعتها وروعة نبيها لا جرم أنها على الذروة السامقة من سلامة الفطرة وجمال الطبائع والأخلاق وحميد الخصال والصفات .