الرابعة - قال ابن القاسم : لا تجوز شهادة من فر من الزحف ، ولا يجوز لهم الفرار وإن فر إمامهم ؛ لقوله عز وجل : " ومن يولهم يومئذ دبره " الآية . قال : ويجوز الفرار من أكثر من ضعفهم ، وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفا ، فإن بلغ اثني عشر ألفا لم يحل لهم الفرار وإن زاد عدد المشركين على الضعف ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة " فإن أكثر أهل العلم خصصوا هذا العدد بهذا الحديث من عموم الآية .
قلت : رواه أبو بشر وأبو سلمة العاملي ، وهو الحكم بن عبدالله بن خطاف وهو متروك . قالا : حدثنا الزهري عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يا أكثم بن الجون اغز مع غير قومك يحسن خلقك وتكرم على رفقائك . يا أكثم بن الجون خير الرفقاء أربعة وخير الطلائع أربعون وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة ) . وروي عن مالك ما يدل على ذلك من مذهبه وهو قوله للعمري{[7631]} العابد إذ سأله هل لك سعة في ترك مجاهدة من غير الأحكام وبدلها ؟ فقال : إن كان معك اثنا عشر ألفا فلا سعة لك في ذلك .
الخامسة - فإن فر فليستغفر الله عز وجل . روى الترمذي عن بلال بن يسار بن زيد قال : حدثني أبي عن جدي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر الله له وإن كان قد فر من الزحف " . قال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
السادسة - قوله تعالى : " إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة " التحرف : الزوال عن جهة الاستواء . فالمتحرف من جانب إلى جانب لمكايد الحرب غير منهزم ، وكذلك المتحيز إذا نوى التحيز إلى فئة من المسلمين ليستعين بهم فيرجع إلى القتال غير منهزم أيضا . روى أبو داود عن عبدالله بن عمر أنه كان في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فحاص{[7632]} الناس حيصة ، فكنت فيمن حاص ، قال : فلما برزنا قلنا : كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب . فقلنا : ندخل المدينة فنتثبت فيها ونذهب ولا يرانا أحد . قال : فدخلنا فقلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن كانت لنا توبة أقمنا ، وإن كان غير ذلك ذهبنا . قال : فجلسنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر ، فلما خرج قمنا إليه فقلنا ، نحن الفرارون ، فأقبل إلينا فقال : " لا بل أنتم العكارون " قال : فدنونا فقبلنا يده . فقال : ( أنا فئة المسلمين ) . قال ثعلب : العكارون هم العطافون . وقال غيره : يقال للرجل الذي يولي عند الحرب ثم يكر راجعا : عكر واعتكر . وروى جرير عن منصور عن إبراهيم قال : انهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر فقال : يا أمير المؤمنين ، هلكت ! فررت من الزحف . فقال عمر : أنا فئتك . وقال محمد بن سيرين : لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال : لو انحاز إلي لكنت له فئة ، فأنا فئة كل مسلم . وعلى هذه الأحاديث لا يكون الفرار كبيرة ؛ لأن الفئة هنا المدينة والإمام وجماعة المسلمين حيث كانوا . وعلى القول الآخر يكون كبيرة ؛ لأن الفئة هناك الجماعة من الناس الحاضرة للحرب . هذا على قول الجمهور أن الفرار من الزحف كبيرة . قالوا : وإنما كان ذلك القول من النبي صلى الله عليه وسلم وعمر على جهة الحيطة على المؤمنين ، إذ كانوا في ذلك الزمان يثبتون لأضعافهم مرارا . والله أعلم . وفي قوله : " والتولي يوم الزحف " ما يكفي .
السابعة - قوله تعالى : " فقد باء بغضب من الله " أي استحق الغضب . وأصل " باء " رجع وقد تقدم{[7633]} . " ومأواه جهنم " أي مقامه . وهذا لا يدل على الخلود ؛ كما تقدم في غير موضع . وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم غفر له وإن كان قد فر من الزحف ) .
{ ومن يولهم } ولما كان الأغلب في وقوع القتال النهار ، وكانت التولية مما لا يكون الظرف {[34692]}معياراً له{[34693]} لأنها مما لا يمتد زمنه ، فالعصيان يقع بمجرد الالتفات بقصد الفرار ، والتمادي تكرير أمثال ، لا شرط في صحة إطلاق الاسم ، عبر باليوم{[34694]} ، وجرده عن " في " ندباً إلى الكر بعد الفر مع عدم الالتباس{[34695]} ، فإن الظرف لا يكون معياراً للفعل إلا إذا كان ممتد الزمان كالصوم فقال{[34696]} { يومئذ } أي إذ{[34697]} لقيتم على هذه الحالة في أيّ وقت {[34698]}كان من{[34699]} أوقات القتال من ليل كان{[34700]} أو نهار { دبره } أي يجعل ظهره إليهم لشيء من الأشياء تولية لا يريد الإقبال إلى القتال منها { إلا } أي{[34701]} حال كونه { متحرفاً } أو{[34702]} الحال التحرف ، وهو الزوال عن جهة الاستواء { لقتال } أي لا يتسهل{[34703]} له إلا بذلك أو يخيل إلى عدوه أنه منهزم خداعاً له ثم يكر عليه { أو متحيزاً } أي متنقلاً من حيز إلى آخر{[34704]} ومتنحياً { إلى فئة } أي جماعة أخرى من أهل حزبه هم أهل لآن يرجع إليهم ليستعين بهم{[34705]} أو يعينهم .
ولما كان هذا محل توقع السامع للجواب وتفريغ ذهنه له ، أجاب رابطاً بالفاء{[34706]} إعلاماً بأن الفعل
المحدث{[34707]} عنه سبب لهذا الجزاء فقال : { فقد باء } أي رجع { بغضب من الله } اي الحائز لجميع صفات الكمال { ومأواه جهنم } أي تتجهمه{[34708]} كما أنه هاب تجهم الكفار ولقاء الوجوه العابسة بوجه كالح عابس { وبئس المصير* } هذا إذا لم يزد الكفار عن الضعف - كما سيأتي النص به .
قوله : { ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة } التحرف للقتال هو الكر بعد الفر ؛ إذ يخيل المتحرف لعدوه أنه منهزم ثم يباغته الهجوم . وهذا من باب الخداع والمكايدة في الحرب ، فالحرب خدعة ، أو هو التحرف من جانب إلى جانب في المعركة طلبا لمكابد الحرب وخداعا للعدو .
أما المتحيز ؛ فهم من التحيز ، ومعناه التنحي . فالمتنحي عن جانب ينفصل عنه ويميل إلى غيره . فالمتحيز إلى فئة هو الذي يفر من هنا حيث لقاء العدو إلى فئة أخرى من المسلمين يعاونهم ويعاونونه . أو هو المتحيز إلى فئة ( جماعة ) من المسلمين غير الجماعة التي في مواجهة العدو .
وجملة القول : أن الفرار أو الانهزام من مواجهة العدو يوم الزحف حرام إلا في حالتين : الحالة الأولى : أن يكون { متحرفا لقتال } . وهو أن يتخيل إلى عدوه أنه منهزم ثم ينعطف ( ينثني ) عليه على سبيل الخدع والمكايدة .
الحالة الثانية : أن يكون { متحيزا إلى فئة } وقلنا : التحيز بمعنى التنحي عن جانب إلى آخر حتى لو كان في سرية ففر إلى أميره أو إلى الأمام الأعظم ، دخل في هذه الرخصة .
وفي هذا الصدد أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ( رضي الله عنهما ) قال : كنت في سرية من سرايا رسول صلى الله عليه وسلم فحاص{[1637]} الناس حيصة فكنت فمين حاص فقلنا : كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب ؟ ثم قال : لو دخلنا المدينة ثم بينا . ثم قلنا : لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا . فأتيناه قبل صلاة الغداة فخرج فقال : ( من القوم ؟ ) فقلنا : نحن الفرارون . فقال : لا بل أنتم العكارون ، أنا فئتكم وأنا فئة للمسلمين ) فأتيناه حتى قبلنا يده ، ومعنى قوله : ( العكارون ) أي العطافون .
وكذلك قال عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) في أبي عبيدة لما قتل على الجسر بأرض فارس لكثرة الجيش من ناحية المجوس . فقال عمر : لو تحيز إلي لكنت له فئة .
وعلى هذا إذا كان الفرار عن غير سبب من هذه الأسباب فإنه حرام . بل إنه كبيرة من الكبائر . ولهذا قال سبحانه في حق الفار من غير سبب : { فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم } أي فقد رجع بغضب من الله ، ومأواه ومنقلبه الذي يصير إليه يوم معاده هو جهنم { وبئس المصير } أي بئس الموضع والمآل الذي يؤول إليه يوم القيامة{[1638]} .