الأولى - قوله تعالى : " ليس على الضعفاء " الآية . أصل في سقوط التكليف عن العاجز ، فكل من عجز عن شيء سقط عنه ، فتارة إلى بدل هو فعل ، وتارة إلى بدل هو غرم ، ولا فرق بين العجز من جهة القوة أو العجز من جهة المال ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها{[8200]} " [ البقرة : 286 ] وقوله : " ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض{[8201]} حرج " [ النور : 61 ] . وروى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لقد تركتم بالمدينة{[8202]} أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه ) . قالوا : يا رسول الله ، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة ؟ قال : ( حبسهم العذر ) . فبينت هذه الآية مع ما ذكرنا من نظائرها أنه لا حرج على المعذورين ، وهم قوم عرف عذرهم كأرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج ، وأقوام لم يجدوا ما ينفقون ، فقال : ليس على هؤلاء حرج . " إذا نصحوا لله ورسوله " إذا عرفوا الحق وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه قال العلماء : فعذر الحق سبحانه أصحاب الأعذار ، وما صبرت القلوب ، فخرج ابن أم مكتوم إلى أحد وطلب أن يعطي اللواء فأخذه مصعب بن عمير ، فجاء رجل من الكفار فضرب يده التي فيها اللواء فقطعها ، فأمسكه باليد الأخرى فضرب اليد الأخرى فأمسكه بصدره وقرأ " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل{[8203]} " [ آل عمران : 144 ] . هذه عزائم القوم . والحق يقول : " ليس على الأعمى حرج " [ النور : 61 ] وهو في الأول . " ولا على الأعرج حرج " [ النور :61 ] وعمرو بن الجموح من نقباء الأنصار أعرج وهو في أول الجيش . قال له الرسول عليه السلام : ( إن الله قد عذرك ) فقال : والله لأحفرن{[8204]} بعرجتي هذه في الجنة ؛ إلى أمثالهم حسب ما تقدم في هذه السورة من ذكرهم رضي الله عنهم . وقال عبدالله بن مسعود : ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى{[8205]} بين الرجلين حتى يقام في الصف .
الثانية - قوله تعالى : " إذا نصحوا " النصح إخلاص العمل من الغش . ومنه التوبة النصوح . قال نفطويه : نصح الشيء إذا خلص . ونصح له القول أي أخلصه له . وفي صحيح مسلم عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدين النصيحة ) ثلاثا . قلنا لمن ؟ قال : ( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) . قال العلماء : النصيحة لله إخلاص الاعتقاد في الوحدانية ، ووصفه بصفات الألوهية ، وتنزيهه عن النقائص والرغبة في محابّه والبعد من مساخطه . والنصيحة لرسوله : التصديق بنبوته ، والتزام طاعته في أمره ونهيه ، وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه ، وتوقيره ، ومحبته ومحبة آل بيته ، وتعظيمه وتعظيم سنته ، وإحياؤها بعد موته بالبحث عنها ، والتفقه فيها والذب عنها ونشرها والدعاء إليها ، والتخلق بأخلاقه الكريمة صلى الله عليه وسلم . وكذا النصح لكتاب الله : قراءته والتفقه فيه ، والذب عنه وتعليمه وإكرامه والتخلق به . والنصح لأئمة المسلمين : ترك الخروج عليهم ، إرشادهم إلى الحق وتنبيههم فيما أغفلوه من أمور المسلمين ، ولزوم طاعتهم والقيام بواجب حقهم . والنصح للعامة : ترك معاداتهم ، وإرشادهم وحب الصالحين منهم ، والدعاء لجميعهم وإرادة الخير لكافتهم . وفي الحديث الصحيح ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) .
الثالثة - قوله تعالى : " ما على المحسنين من سبيل " " من سبيل " في موضع رفع اسم " ما " أي من طريق إلى العقوبة . وهذه الآية أصل في رفع العقاب عن كل محسن . ولهذا قال علماؤنا في الذي يقتص من قاطع يده فيفضي ذلك في السراية إلى إتلاف نفسه : إنه لا دية له{[8206]} ؛ لأنه محسن في اقتصاصه من المعتدي عليه . وقال أبو حنيفة : تلزمه الدية . وكذلك إذا صال فحل على رجل فقتله في دفعه عن نفسه فلا ضمان عليه ، وبه قال الشافعي . وقال أبو حنيفة : تلزمه لمالكه القيمة . قال ابن العربي : وكذلك القول في مسائل الشريعة كلها .
ولما كان من القاعدين من أهل المدر والوبر من له عذر ، استثناهم سبحانه وساق ذلك مساق النتيجة من المقدمات الظاهرة فقال : { ليس على الضعفاء } أي بنحو الهرم{[37063]} { ولا على المرضى } أي بنحو الحمى والرمد { ولا على الذين لا يجدون } ولو بدين يؤدونه في المستقبل { ما ينفقون } أي لحاجتهم وفقرهم { حرج } أي إثم يميل بهم عن الصراط المستقيم ويخرج دينهم .
ولما كان ربما كان{[37064]} أحد من المنافقين بهذه الصفة احترز عنه بقوله : { إذا نصحوا } أي في تخلفهم وجميع أحوالهم { لله } أي الذي له الجلال والإكرام { ورسوله } أي سراً{[37065]} وعلانية ، فإنهم حينئذ محسنون في نصحهم الذي منه تحسرهم على القعود على{[37066]} هذا الوجه وعزمهم على الخروج متى قدروا ، وقوله : { ما على المحسنين } في موضع " ما عليهم " لبيان إحسانهم بنصحهم مع عذرهم { من سبيل } أي طريق إلى ذمهم أو لومهم ، والجملة كلها بيان ل { نصحوا لله ورسوله } وقوله : { والله } أي الذي له صفات الكمال { غفور } أي محاء للذنوب { رحيم* } أي محسن مجمل {[37067]}إشارة إلى أن الإنسان محل{[37068]} التقصير والعجز وإن اجتهد ، فلا يسعه إلا العفو ؛
قوله تعالى : { ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم 91 ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون } هذا أصل في عدم التكليف في حق ذوي الأعذار من أهل الزمانة والهرم والمرض أو العاجزين عن السفر لسبب حقيقي معقول . أو الذين لا يملكون أهبة الجهاد من النفقة . ونحو ذلك من المعاذير المشروعة التي تحول بين المرء وفريضة الجهاد . وهذا مدلول من مدلولات الإسلام في مراعاته لقدرات البشر وإمكاناتهم المادية والجسدية والمعنوية ، بعيدا عن التكليف بما لا يطاق . والأصل في ذلك كله أنه { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } وعلى هذا فإنه ليس من إثم على الضعفاء ولا المرضى ولا الفقراء العالة الذين لا يجدون أهبة للجهاد . إنه ليس على هؤلاء المعذورين من بأس أو مساءلة في التخلف عن الجهاد لضعفهم وعجزهم عن القيام بهذا الواجب الكبير الذي لا يحتمله غير الأصحاء والأسوياء والقادرين من الناس .
قوله : { إذ نصحوا لله ورسوله } { نصحوا } من النصيحة ، وهي قول فيه دعا إلى صلاح ونهي عن فساد . ومنه الناصح ، وهو الخالص من كل شيء . نصح الشيء نصحا ونصوحا ونصاحة ؛ أي خلص . ونصح قلبه ؛ أي خلا من الغش{[1870]} . والمعنى المراد هنا : هو قبول الأعذار من هؤلاء المعذورين ، ورفع الإثم عنهم لتخلفهم عن الجهاد على أن يلتزموا النصيحة لله ورسوله في مقابلة قعودهم ، فإذا لبثوا في المدينة قاعدين أذاعوا في الناس الأخبار السارة ، ونشروا في أوساطهم الأمن والطمأنينة ، وبذلوا لهم من العون المعنوي ما يحول بينهم وبين الأراجيف وأخبار السوء .
قال الرازي في تأويل قوله : { إذا نصحوا لله ورسوله } : معناه : أنهم أقاموا في البلد احترزوا عن إلقاء الأراجيف ، وعن إثارة الفتن ، وسعوا في إيصال الخير إلى المجاهدين الذين سافروا ، إما بان يقوموا بإصلاح مهمات بيوتهم ، وإما بأن يسعوا في إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم ؛ فغن جملة هذه الأمور جارية مجرى الإعانة على الجهاد{[1871]} .
قوله : { ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم } أي من نصح لله ورسوله بعد أن تخلف عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لعذر من الأعذار ، ليس عليه سبب يوجب عقابه . أو ليس على المعذورين الناصحين من سبب يدعو إلى عقابهم ومؤاخذتهم ؛ بل إن الله يستر على المحسنين ذنوبهم ويشملهم برحمتهم فلا يعذبهم .