الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ} (106)

قوله تعالى : " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " نزلت في قوم أقروا بالله خالقهم وخالق الأشياء كلها ، وهم يعبدون الأوثان ، قاله الحسن ، ومجاهد وعامر الشعبي وأكثر المفسرين . وقال عكرمة هو قوله : " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله{[9297]} " [ الزخرف : 87 ] ثم يصفونه بغير صفته ويجعلون له أندادا ، ودعن الحسن أيضا : أنهم أهل كتاب معهم شرك وإيمان ، آمنوا بالله وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فلا يصح إيمانهم ، حكاه ابن الأنباري . وقال ابن عباس : نزلت في تلبية مشركي العرب : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك . وعنه أيضا أنهم النصارى . وعنه أيضا أنهم المشبهة ، آمنوا مجملا وأشركوا مفصلا . وقيل : نزلت في المنافقين ، المعنى : " وما يؤمن أكثرهم بالله " أي باللسان إلا وهو كافر بقلبه ، ذكره الماوردي عن الحسن أيضا . وقال عطاء : هذا في الدعاء ، وذلك أن الكفار ينسون ربهم في الرخاء ، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء ، بيانه : " وظنوا أنهم أحيط بهم{[9298]} " [ يونس : 22 ] الآية . وقوله : " وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه{[9299]} " [ يونس : 12 ] الآية . وفي آية أخرى : " وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض{[9300]} " [ فصلت : 51 ] . وقيل : معناها أنهم يدعون الله ينجيهم من الهلكة ، فإذا أنجاهم قال قائلهم : لولا فلان ما نجونا ، ولولا الكلب لدخل علينا اللص ، ونحو هذا ، فيجعلون نعمة الله منسوبة إلى فلان ، ووقايته منسوبة إلى الكلب .

قلت : وقد يقع في هذا القول والذي قبله كثير من عوام المسلمين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . وقيل : نزلت هذه الآية في قصة الدخان ، وذلك أن أهل مكة لما غشيهم الدخان في سني القحط قالوا : " ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون{[9301]} " [ الدخان : 12 ] فذلك إيمانهم ، وشركهم عودهم إلى الكفر بعد كشف العذاب ، بيانه قوله : " إنكم عائدون " [ الدخان : 15 ] والعود لا يكون إلا بعد ابتداء ، فيكون معنى : " إلا وهم مشركون " أي إلا وهم عائدون إلى الشرك{[9302]} ، والله أعلم .


[9297]:راجع ج 16 ص 123.
[9298]:راجع ج 8 ص 325 و ص 317.
[9299]:راجع ج 8 ص 325 و ص 317.
[9300]:راجع ج 15 ص 373 و ص 38.
[9301]:راجع ج 16 ص 132.
[9302]:من ع، وفي ع: أصابهم.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ} (106)

ولما كان ربما قيل : كيف يوصفون بالإعراض وهم{[43007]} يعتقدون أن الله فاعل تلك الآيات ، بين أن إشراكهم مسقط لذلك ، فقال : { وما يؤمن أكثرهم } أي الناس { بالله } أي الذي لا شيء إلا وهو داع إلى الإيمان به ، لأنه المختص بصفات الكمال { إلا وهم مشركون * } به مَن لا يقدر على شيء فضلاً عن أن يأتي بآية ، كانوا يقرون بأن الله خالقهم ورازقهم ويعبدون غيره ، وكذا المنافقون يظهرون الإيمان ويبطنون الكفران ، وكذا أهل الكتابين{[43008]} يؤمنون بكتابهم ويقلدون علماءهم في الكفر بغيره ، فعلم أن إذعانهم بهذا الإيمان غير تابع لدليل ، وهو محض تقليد لمن زين له سوء عمله فرآه حسناً ، لما سبق فيه من علم الله أنه لا صلاحية له فأفسده بما شابهه{[43009]} به من الشرك ، والآية صالحة لإرادة الشرك الخفي الذي{[43010]} أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " الشرك أخفى في أمتي من{[43011]} دبيب النمل " وهو شرك الأسباب التي قدر{[43012]} الله وصول{[43013]} ما يصل إلى العبد بواسطتها ، فقل من يتخطى من الأسباب إلى مسببها ! قال الرازي في اللوامع : وقال الإمام محمد بن علي الترمذي : إنما هو شك وشرك فالشك ضيق الصدر عند النوائب ، ومنه ثوب مشكوك ، والشرك تعلق القلب / بالشيء ، وإنما يوسع الصدر نور اليقين وإنما يتخلص من الشرك بنور التوحيد ، فعند هذا يتولاه الله تعالى ، وقال الواسطي : إلا وهم مشركون : في ملاحظة الخواطر والحركات .


[43007]:زيد بعده في مد: يصفو- كذا.
[43008]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الكتاب.
[43009]:في مد: شابه.
[43010]:زيد من م ومد.
[43011]:زيد من ظ و م ومد ومسند الإمام أحمد 4/403، وقد روى فيه هذا الحديث بأطول مما هنا إلا أنه ليس فيه " في أمتي".
[43012]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: قدرها.
[43013]:من م ومد، وفي الأصل: بوصول، وفي ظ: يوصل.