الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا} (113)

قوله تعالى : " ولولا فضل الله عليك ورحمته " ما بعد " لولا " مرفوع بالابتداء عند سيبويه ، والخبر محذوف لا يظهر ، والمعنى : " ولولا فضل الله عليك ورحمته " بأن نبهك على الحق ، وقيل : بالنبوءة والعصمة . " لهمت طائفة منهم أن يضلوك " عن الحق ؛ لأنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبرئ ابن أبيرق من التهمة ويلحقها اليهودي ، فتفضل الله عز وجل على رسوله عليه السلام بأن نبهه على ذلك وأعلمه إياه . " وما يضلون إلا أنفسهم " لأنهم يعملون عمل الضالين ، فوباله لهم{[4927]} راجع عليهم . " وما يضرونك من شيء " لأنك معصوم . " وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة " هذا ابتداء كلام . وقيل : الواو للحال ، كقولك : جئتك والشمس طالعة ؛ ومنه قول امرئ القيس :

وقد أغتدي والطير في وكناتها

فالكلام متصل ، أي ما يضرونك من شيء مع إنزال الله عليك القرآن . " والحكمة " القضاء بالوحي . " وعلمك ما لم تكن تعلم " يعني من الشرائع والأحكام وكان فضله عليك كبيرا . و " تعلم " في موضع نصب ؛ لأنه خبر كان . وحذفت الضمة من النون للجزم ، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين .


[4927]:من ج.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا} (113)

ولما وعظ سبحانه وتعالى في هذه النازلة وحذر ونهى وأمر ، بين نعمته على نبيه صلى الله عليه وسلم في عصمته عما{[22701]} أرادوه من مجادلته عن الخائن بقوله تعالى : { ولولا فضل الله } أي الملك الأعلى { عليك } أي بإنزال الكتاب { ورحمته } أي بإعلاء أمرك وعصمتك من كل ذي كيد وحفظك في أصحابك الذين أتوا يجادلون عن ابن عمهم سارق الدرع في التمسك بالظاهر وعدم قصد العناد { لهمت طائفة منهم } أي فرقة فيها أهلية الاستدارة والتخلق ، لا تزال تتخلق فتفيل{[22702]} الآراء وتقلب الأمور{[22703]} وتدير{[22704]} الأفكار في ترتيب ما تريد { أن يضلوك } أي يوقعوك{[22705]} في ذلك بالحكم ببراءة طعمة ، ولكن الله حفظك في أصحابك فما هموا بذلك ، وإنما قصدوا المدافعة عن صاحبهم بما لم يتحققوه ، ولو هموا لما أضلوك { وما يضلون } أي على حالة من حالات هذا الهم { إلا أنفسهم } إذ وبال ذلك عليهم { وما يضرونك } أي يجددون{[22706]} في ضرك{[22707]} حالاً ولا{[22708]} مالاً بإضلال ولا غيره { من شيء } وهو وعد بدوام العصمة في الظاهر والباطن كآية{[22709]} المائدة{[22710]} أيضاً وإن كانت هذه بسياقها ظاهرة في الباطن وتلك ظاهرة في الظاهر { وأنزل الله } أي{[22711]} الذي له جميع العظمة { عليك } وأنت أعظم الخلق عصمة لأمتك { الكتاب } أي{[22712]} الذي تقدم أول{[22713]} القصة الإشارة إلى كماله وجمعه لخيري{[22714]} الدارين { والحكمة } أي الفهم لجميع مقاصد الكتاب فتكون أفعالك وأفعال من تابعك فيه على أتم الأحوال ، فتظفروا بتحقيق العلم وإتقان العمل{[22715]} ، وعمم بقوله : { وعلمك ما لم تكن تعلم } أي من المشكلات وغيرها غيباً وشهادة من أحوال الدين والدنيا { وكان فضل الله } أي المتوحد بكل كمال { عليك عظيماَ * } أي بغير ذلك من أمور لا تدخل تحت الحصر ، وهذا من أعظم الأدلة على أن العلم أشرف الفضائل .


[22701]:في ظ: ما.
[22702]:سقط من ظ.
[22703]:في ظ: القلوب.
[22704]:من ظ ومد، وفي الأصل: تكرير.
[22705]:من مد، وفي الأصل وظ: يوقعون.
[22706]:من ظ ومد، وفي الأصل: يتحددون.
[22707]:في ظ: خيرك.
[22708]:سقط من ظ.
[22709]:من ظ ومد، وفي الأصل: فاية ـ كذا.
[22710]:سقط من ظ.
[22711]:أي قوله تعالى "وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا" رقم الآية 42.
[22712]:سقط من ظ.
[22713]:في ظ: أو أ ـ كذا.
[22714]:في ظ: لخير.
[22715]:في ظ: العلم.