قوله تعالى : " من جاء بالحسنة " ابتداء ، وهو شرط ، والجواب " فله عشر أمثالها " أي فله عشر حسنات أمثالها ، فحذفت الحسنات وأقيمت الأمثال التي هي صفتها مقامها جمع مثل ، وحكى سيبويه : عندي عشرة نسابات ، أي عندي عشرة رجال نسابات . وقال أبو علي : حسن التأنيث في " عشر أمثالها " لما كان الأمثال مضافا إلى مؤنث ، والإضافة إلى المؤنث إذا كان إياه في المعنى يحسن فيه ذلك ، نحو " تلتقطه بعض السيارة " . وذهبت بعض أصابعه{[6954]} . وقرأ الحسن وسعيد بن جبير والأعمش " فله عشر أمثالها " . والتقدير : فله عشر حسنات أمثالها ، أي له من الجزاء عشرة أضعاف مما يجب له . ويجوز أن يكون له مثل ، ويضاعف المثل فيصير عشرة . والحسنة هنا : الإيمان . أي من جاء بشهادة أن لا إله إلا الله فله بكل عمل عمله في الدنيا من الخير عشرة أمثاله من الثواب . " ومن جاء بالسيئة " يعني الشرك " فلا يجزى إلا مثلها " وهو الخلود في النار ؛ لأن الشرك أعظم الذنوب ، والنار أعظم العقوبة ، فذلك قوله تعالى : " جزاء وفاقا{[6955]} " [ النبأ : 26 ] يعني جزاء وافق العمل . وأما الحسنة فبخلاف ذلك ؛ لنص الله تعالى على ذلك . وفي الخبر ( الحسنة بعشر أمثالها وأزيد والسيئة واحدة وأغفر فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره ) . وروى الأعمش عن أبي صالح قال : الحسنة لا إله إلا الله والسيئة الشرك . " وهم لا يظلمون " أي لا ينقص ثواب أعمالهم . وقد مضى في " البقرة " {[6956]} بيان هذه الآية ، وأنها مخالفة للإنفاق في سبيل الله ؛ ولهذا قال بعض العلماء : العشر لسائر الحسنات ، والسبعمائة للنفقة في سبيل الله ، والخاص والعام فيه سواء . وقال بعضهم : يكون للعوام عشرة وللخواص سبعمائة وأكثر إلى ما لا يحصى ، وهذا يحتاج إلى توقيف . والأول أصح ؛ لحديث خريم بن فاتك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه : ( وأما حسنة بعشر فمن عمل حسنة فله عشر أمثالها وأما حسنة بسبعمائة فالنفقة في سبيل الله ) .
ولما أخبر أن أمرهم ليس إلا إليه ، كان كأنه قيل : فماذا يفعل بهم حينئذ ؟ فأجيب بقوله : { من جاء } أي منهم أو من غيرهم { بالحسنة } أي الكاملة بكونها على{[31783]} أساس الإيمان { فله } من الحسنات { عشر أمثالها } كرماً وإحساناً وجوداً وامتناناً ، يجازيه بذلك في الدنيا أو في الآخرة ، وهذا المحقق{[31784]} لكل أحد ويزداد{[31785]} البعض{[31786]} وضوحاً بحسب النيات ، وذكر العشر ، لأنه بمعنى الحسنة ، وهو مضاف إلى ضميرها . ولما تضمن قوله{ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط }[ الأنعام : 153 ] مع تعقيبه بقوله{ {[31787]}لا نكلف نفساً{[31788]} إلاّ وسعها }[ الأنعام : 152 ] الإشارة إلى أن المساواة في الجزاء{[31789]} مما ينقطع{[31790]} دونه أعناق الخلق ، أخبر أن ذلك عليه هين لأن عمله شامل وقدرته كاملة بقوله : { ومن جاء بالسيئة } أي أيّ شيء كان من هذا الجنس { فلا يجزى } أي في الدارين { إلا مثلها } إذا جوزي ، ويعفو عن كثير{[31791]} .
ولما كانت المماثلة لا يلزم كونها من كل وجه وإن كانت ظاهرة في ذلك لا سيما في هذه العبارة ، صرح بما هو ظاهره لأنه أطيب للنفس وأسكن للروع فقال : { وهم لا يظلمون * } أي بكونها مثلها في الوحدة وإن كانت أكبر{[31792]} أو من جنس أشد من جنسها ونحو ذلك ، بل المماثلة موجودة في الكم والكيف{[31793]} ، فلا ينقص أحد في ثواب ولا يزاد في{[31794]} عقاب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.