قوله تعالى : " إن الذين فرقوا دينهم " قرأه حمزة والكسائي " فارقوا{[6949]} " بالألف ، وهي قراءة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، من المفارقة والفراق . على معنى أنهم تركوا دينهم وخرجوا عنه . وكان علي يقول : والله ما فرقوه ولكن فارقوه . وقرأ الباقون بالتشديد ، إلا النخعي فإنه قرأ " فرقوا " مخففا ، أي آمنوا ببعض وكفروا ببعض . والمراد اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك . وقد وصفوا بالتفرق ، قال الله تعالى : " وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة{[6950]} " [ البينة : 4 ] . وقال : " ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله{[6951]} " [ النساء : 150 ] . وقيل : عنى المشركين ، عبد بعضهم الصنم وبعضهم الملائكة . وقيل : الآية عامة في جميع الكفار . وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر الله عز وجل به فقد فرق دينه . وروي أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية " إن الذين فرقوا دينهم " هم أهل البدع والشبهات ، وأهل الضلالة من هذه الأمة . وروى بقية بن الوليد حدثنا شعبة بن الحجاج حدثنا مجالد عن الشعبي عن شريح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا إنما هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة ، يا عائشة إن لكل صاحب ذنب توبة غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء ليس لهم توبة وأنا بريء منهم وهم منا برآء ) . وروى ليث بن أبي سليم عن طاوس عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ " إن الذين فارقوا دينهم " . " وكانوا شيعا " فرقا وأحزابا . وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع . " لست منهم في شيء " فأوجب براءته منهم ، وهو كقوله عليه السلام : ( من غشنا فليس منا ) أي نحن برآء منه . وقال الشاعر :
إذا حاولت في أسَدٍ فجورا *** فإني لستُ منك ولست مني{[6952]}
أي أنا أبرأ منك . وموضع " في شيء " نصب على الحال من المضمر الذي في الخبر . قاله أبو علي . وقال الفراء : هو على حذف مضاف ، المعنى لست من عقابهم في شيء ، وإنما عليك الإنذار{[6953]} .
قوله تعالى : " إنما أمرهم إلى الله " تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم .
ولما نهى عن اتباع السبل{[31759]} لأنها سبب التفرق عن الحق ، وكان قد كرر{[31760]} في هذه السورة{[31761]} نصب الحجج وإنارة الأدلة وإزاحة الشكوك ومحو آثار الشبه ، وأشرفت السورة على الانقضاء . وكان من المعلوم قطعاً أن الحق - من حيث هو حق - شديد التأثير في إزهاق الباطل{[31762]} فكيف إذا كان كلام الملك الذي لا يخالف أمره ولا يخرج عن إرادته ؛ اشتد استشراف{[31763]} النبي صلى الله عليه وسلم إلى رؤية ذلك الأثر مع ما عنده من الحرص على إسلام قومه لما طبعه الله عليه من الشفقة على جميع الخلق عموماً وعليهم خصوصاً ، وإنما يكون ذلك الأثر بإيجاد هدايتهم ومحو غوايتهم ، فلما ختم سبحانه بهذين التهديدين العظيمين الدالين على غشاوتهم ، فإنه{[31764]} صلى الله عليه وسلم مما كان رجاه من هدايتهم أمر كأنه كان{[31765]} قد حصل ، وذلك مورث للشفوق من الأسف على{[31766]} ما لا يدري قدره ولا يوصف خبره ، فثبته سبحانه وسلاه بقوله : { إن الذين فرقوا } أي بعد إبلاغك إياهم { دينهم } أي بتكذيبهم ببعض آيات الله وصدوفهم{[31767]} عنها وإيمانهم ببعضها ففارقوه ، لأن الكفر بعضه كفر بكله ، وأضيف الدين إليهم لشدة{[31768]} رغبتهم فيه ومقاتلتهم عليه { وكانوا شيعاً } كل فرقة تشايع وتشيع إمامها كالعرب الذين تحزبوا أحزاباً بالاستكثار من الأصنام ، فكان في كل قطر لهم معبود أو اثنان فأكثر ، وكأهل الكتاب الذين ابتدعوا في دينهم بدعاً أوصلتهم إلى تكفير بعضهم بعضاً وآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض ، وكالمجوس الذين مزقوا دينهم باعتقاد أن الإله اثنان : النور والظلمة ، وعبدوا الأصنام والنجوم وجعلوا لكل نجم صنماً يتوسل به في زعمهم إليه { لست منهم } أي من حسابهم ولا من{[31769]} عقابهم ولا من خلق الهداية في قلوبهم { في شيء } وفي هذا غاية الحث على الاجتماع ونهاية التوعد على الافتراق .
ولما خفف عنه صلى الله عليه وسلم بتبرئته منهم ، أسند إلى نفسه المقدس ما يحق له في إحاطة علمه وقدرته ، فقال جواباً لمن يقول : فإلى من يكون أمرهم ؟ : { إنما أمرهم } أي في ذلك كله وفي كل ما يتعلق بهم مما لا يحصره حد ولا يحصيه عد { إلى الله } أي الملك الذي لا أمر لأحد معه{[31770]} غيره ، فمن شاء هداه ومن شاء أعماه ، {[31771]} ومن شاء أهلكه ومن شاء أبقاه{[31772]} لأن له كمال العظمة .
ولما كان الحشر متراخياً عن ذلك كله في الرتبة وفي الزمان ، لا تبلغ كنه عظمته العقول ، نبه على ذلك بالتعبير بأداة التراخي والتنبيه بقوله{[31773]} : { ثم } بعد استيفاء ما ضرب لهم من الآجال { ينبئهم } أي تنبئة{[31774]} عظيمة جليلة{[31775]} مستقصاة بعد أن يحشرهم إليه داخرين { بما كانوا } أي جبلة وطبعاً{[31776]} { يفعلون * } أي{[31777]} من تلك الأشياء{[31778]} القبيحة التي كان لهم إليها أتم{[31779]} داعية غير متوقفين في إصدارها على علم مع ادعاء التدين بها ، {[31780]} والآية{[31781]} - مع ما تقدم من مقتضياتها{[31782]} - تعليل لقوله{ ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله }[ الأنعام : 153 ] .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.