الأولى - قوله تعالى : " ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله " ظاهره خبر ومعناه أمر ، كقوله : " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله{[8374]} " [ الأحزاب : 53 ] وقد تقدم . " أن يتخلفوا " في موضع رفع اسم كان . وهذه معاتبة للمؤمنين من أهل يثرب وقبائل العرب المجاورة لها ، كمزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم على التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك . والمعنى : ما كان لهؤلاء المذكورين أن يتخلفوا ، فإن النفير كان فيهم ، بخلاف غيرهم فإنهم لن يستنفروا في قول بعضهم . ويحتمل أن يكون الاستنفار في كل مسلم ، وخص هؤلاء بالعتاب لقربهم وجوارهم ، وأنهم أحق بذلك من غيرهم .
الثانية - قوله تعالى : " ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه " أي لا يرضوا لأنفسهم بالخفض والدعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المشقة . يقال : رغبت عن كذا أي ترفعت عنه .
الثالثة – قولع تعالى : " ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ " أي عطش . وقرأ عبيد بن عمير " ظماء " بالمد . وهما لغتان مثل خطأ وخطاء . " ولا نصب " عطف ، أي تعب ، ولا زائدة للتوكيد . وكذا " ولا مخمصة " أي مجاعة . وأصله ضمور البطن ؛ ومنه رجل خميص وامرأة خمصانة . وقد تقدم{[8375]} . " في سبيل الله " أي في طاعته . " ولا يطؤون موطئا " أي أرضا . " يغيظ الكفار " أي بوطئهم إياها ، وهو في موضع نصب لأنه نعت للموطئ ، أي غائظا . " ولا ينالون من عدو نيلا " أي قتلا وهزيمة . وأصله من نلت الشيء أنال أي أصبت . قال الكسائي : هو من قولهم أمر منيل منه ، وليس هو من التناول ، إنما التناول من نلته العطية{[8376]} . قال غيره : نلت أنول من العطية ، من الواو والنيل من الياء ، تقول : نلته فأنا نائل ، أي أدركته .
" ولا يقطعون واديا " العرب تقول : واد وأودية ، على غير قياس . قال النحاس : ولا يعرف فيما علمت فاعل وأفعلة سواه ، والقياس أن يجمع ووادي ، فاستثقلوا الجمع بين واوين وهم قد يستثقلون واحدة ، حتى قالوا : أقتت في وقتت . وحكى الخليل وسيبويه في تصغير واصل اسم رجل أو يصل فلا يقولون غيره . وحكى الفراء في جمع واد أوداء . قلت : وقد جمع أوداه ، قال جرير :
عرفت ببُرقة الأودَاهِ رَسْمًا*** مُحِيلاً طال عهدك من رسوم{[8377]}
" إلا كتب لهم به عمل صالح " قال ابن عباس : بكل روعة تنالهم في سبيل الله سبعون ألف حسنة . وفي الصحيح : ( الخيل ثلاثة . . . - وفيه - وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مرج{[8378]} أو روضة فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات . . . ) . الحديث . هذا وهي في مواضعها فكيف إذا أدرب{[8379]} بها .
الرابعة - استدل بعض{[8380]} العلماء بهذه الآية على أن الغنيمة تستحق بالإدراب والكون في بلاد العدو ، فإن مات بعد ذلك فله سهمه ؛ وهو قول أشهب وعبدالملك ، وأحد قولي الشافعي . وقال مالك وابن القاسم : لا شيء له ؛ لأن الله عز وجل إنما ذكر في هذه الآية الأجر ولم يذكر السهم . قلت : الأول أصح لأن الله تعالى : جعل وطء ديار الكفار بمثابة النيل من أموالهم وإخراجهم من ديارهم ، وهو الذي يغيظهم ويدخل الذل عليهم ، فهو بمنزلة نيل الغنيمة والقتل والأسر ، وإذا كان كذلك فالغنيمة تستحق بالإدراب لا بالحيازة ، ولذلك قال علي رضي الله عنه : ما وطئ قوم في عقر دارهم إلا ذلوا . والله أعلم .
الخامسة - هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : " وما كان المؤمنون لينفروا كافة " [ التوبة : 122 ] وأن حكمها كان حين كان المسلمون في قلة ، فلما كثروا نسخت وأباح الله التخلف لمن شاء ، قاله ابن زيد . وقال مجاهد : بعث صلى الله عليه وسلم قوما إلى البوادي ليعلموا الناس فلما نزلت هذه الآية خافوا ورجعوا ، فأنزل الله : " وما كان المؤمنون لينفروا كافة " . وقال قتادة : كان هذا خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر ، فأما غيره من الأئمة الولاة فلمن شاء أن يتخلف خلفه من المسلمين إذا لم يكن بالناس حاجة إليه ولا ضرورة . وقول ثالث : أنها محكمة ، قال الوليد بن مسلم : سمعت الأوزاعي وابن المبارك والفزاري والسبيعي وسعيد بن عبدالعزيز يقولون في هذه الآية إنها لأول هذه الأمة وآخرها .
قلت : قول قتادة حسن ، بدليل غزاة تبوك ، والله أعلم .
السادسة - روى أبو داود عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه ) قالوا : يا رسول الله ، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة . ؟ قال : ( حبسهم العذر ) . خرجه مسلم من حديث جابر قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال : ( إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض ) . فأعطى صلى الله عليه وسلم للمعذور من الأجر مثل ما أعطى للقوي العامل . وقد قال بعض الناس : إنما يكون الأجر للمعذور غير مضاعف ، ويضاعف للعامل المباشر . قال ابن العربي : وهذا تحكم على الله تعالى وتضييق لسعة رحمته ، وقد عاب بعض الناس فقال : إنهم يعطون الثواب مضاعفا قطعا ، ونحن لا نقطع بالتضعيف في موضع فإنه مبني على مقدار النيات ، وهذا أمر مغيب ، والذي يقطع به أن هناك تضعيفا وربك أعلم بمن يستحقه .
قلت : الظاهر من الأحاديث والآي المساواة في الأجر ، منها قوله عليه السلام : ( من دل على خير فله مثل أجر فاعله ) وقوله : ( من توضأ وخرج إلى الصلاة فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها ) . وهو ظاهر قوله تعالى : " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله " [ النساء :100 ] وبدليل أن النية الصادقة هي أصل الأعمال ، فإذا صحت في فعل طاعة فعجز عنها صاحبها لمانع منع منها فلا بعد في مساواة أجر ذلك العاجز لأجر القادر الفاعل ويزيد عليه ؛ لقوله عليه السلام : ( نية المؤمن خير من عمله ) . والله أعلم .
ولما كان ما نالهم من الأهوال إنما نالهم بتخلفهم عن أشرف الخلق ، والذي{[37378]} التفت بهم إلى مرابع الإقبال إنما هو الصدق ، قال تعالى ناهياً بصيغة الخبر ليكون أبلغ ، جامعاً إليهم من كان على مثل حالهم في مطلق التخلف{[37379]} : { ما كان } أي ما صح وما انبغى بوجه من الوجوه { لأهل المدينة } أي التي هي سكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي دار الهجرة ومعدن النصرة { ومن حولهم } أي في جميع نواحي المدينة الشريفة { من الأعراب } أي من{[37380]} سكان البوادي الذين أقسموا بالإسلام { أن يتخلفوا } أي في أمر من الأمور { عن رسول الله } أي الملك الأعلى{[37381]} ، ومن شأن المرسل إليه أن لا يبرح عن جناب الرسول لا سيما وهو رأس الصادقين الذين وقع الأمر بالكون معهم { ولا يرغبوا } أي وما{[37382]} كان لهم أن يرغبوا ، ولعله قللهم بصيغة القلة بالنسبة إلى من أيده به{[37383]} صلى الله عليه وسلم من جنوده فقال تعالى : { بأنفسهم عن نفسه } أي التي هي أشرف النفوس مطلقاً بأن {[37384]}يصونوا نفوسهم{[37385]} عما باشره{[37386]} صلى الله عليه وسلم بل يلقونها في المتالف دونه وصيانة لنفسه الشريفة عن أدنى الأذى ، فهى{[37387]} كالتعليل للأمر بالتقوى أي خافوا الله وأصدقوه كما صدق هؤلاء ليتوب عليكم كما تاب عليهم فإنه لم يكن لكم التخلف فهو{[37388]} نهي بليغ مع تقبيح وتوبيخ وإلهاب وتهييج .
ولما علل الأمر{[37389]} بالتقوى ، علل النهي عن التخلف بما يدل على صدق الإيمان فيصير نقيضه دالاً على نقيضه فقال : { ذلك } أي النهي العظيم عن التخلف في هذا الأسلوب النافي للكون { بأنهم لا يصيبهم ظمأ } أي عطش شديد { ولا نصب } أي تعب بالغ { ولا مخمصة } أي شدة مجاعة { في سبيل الله } أي طريق دين الملك الأعظم المتوصلة{[37390]} به إلى جهاد أعدائه ، ورتبت هذه الأشياء ترتيبها في الوجود فإن مطلق الحركة يهيج الحرارة فينشأ العطش وتماديها يورث التعب ، والأغلب أن يكون قبل الجوع .
ولما كان المقصود من إجهاد النفس بما ذكر إرغام الكفار باقتحام أرضهم المتوصل به{[37391]} إلى إيهانهم بالنيل منهم ، أتبع ذلك قوله : { ولا يطؤون موطئاً } أي وطأً أو {[37392]}مكاناً وطؤه{[37393]} { يغيظ الكفار } أي وطؤهم له {[37394]}بأرجلهم أو دوابهم{[37395]} { ولا ينالون من عدو نيلاً } أي كائناً ما كان صغيراً أو{[37396]} كبيراً { إلا كتب لهم به } أي في صحائف الأعمال ، بني للمفعول لأن القصد إثباته{[37397]} لا من معين { عمل صالح } أي ترتب{[37398]} لهم عليه أجر جزيل .
ولما كان فاعل هذه الأشياء مقدماً على المعاطب في نفسه ومحصلاً لغرض الجهاد ، أشير على وجه التأكيد في جملة اسمية إلى أنه محسن ، أما في حق نفسه فبإقامة الدليل بطاعته على صدق إيمانه . وأما في غيره من المؤمنين فبحمايتهم عن طمع الكافرين . وأما في حق الكفار فبحملهم على الإيمان بغاية الإمكان ، فقال تعالى معللاً للمجازاة : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { لا يضيع } أي لا يترك تركه ما من شأنه الإهمال { أجر المحسنين* } وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً بالوصف .