الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (99)

قوله تعالى : " ومن الأعراب من يؤمن بالله " أي صدق . والمراد بنو مقرن من مزينة ؛ ذكره المهدوي . " قربات " جمع قربة ، وهي ما يتقرب به إلى الله تعالى ، والجمع قرب وقربات وقربات وقربات ، حكاه النحاس . والقربات بالضم ما تقرب به إلى الله تعالى ، تقول منه : قربت لله قربانا . والقربة بكسر القاف ما يستقي فيه الماء ؛ والجمع في أدنى العدد قِرْبات وقِرِبات وقِرَبات ، وللكثير قرب . وكذلك جمع كل ما كان على فعلة ، مثل سدرة وفقرة ، لك أن تفتح العين وتكسر وتسكن ، حكاه الجوهري . وقرأ نافع في رواية ورش " قربة " بضم الراء وهي الأصل . والباقون بسكونها تخفيفا ، مثل كتب ورسل ، ولا خلاف في قربات . وحكى ابن سعدان أن يزيد بن القعقاع قرأ " ألا إنها قربة لهم " . ومعنى " وصلوات الرسول " استغفاره ودعاؤه . والصلاة تقع على ضروب ، فالصلاة من الله جل وعز الرحمة والخير والبركة ، قال الله تعالى : " هو الذي يصلي عليكم وملائكته{[8221]} " [ الأحزاب :43 ] والصلاة من الملائكة الدعاء ، وكذلك هي من النبي صلى الله عليه وسلم ؛ كما قال : " وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم " [ التوبة :103 ] أي دعاؤك تثبيت لهم وطمأنينة . " ألا إنها قربة لهم " أي تقربهم من رحمة الله ، يعني نفقاتهم .


[8221]:راجع ج 14 ص
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (99)

ولما افتتح الآية الثانية بقوله : { ومن الأعراب من يؤمن } أي لا يزال يجدد إيمانه آثار الدين { بالله واليوم الآخر } علم أن القسم الأول غير مؤمن بذلك ، وإنما وقع منهم الإقرار باللسان من غير إذعان ، والإيمان هو الأصل الذي يترتب عليه الإنفاق عن طيب نفس لما يرجى من ثوابه في اليوم الآخر الذي لولا هو انتفت الحكمة{[37122]} من هذا الخلق على هذا الترتيب : ثم عطف عليه ما يثمره الإيمان فقال : { ويتخذ } أي{[37123]} يحث نفسه ويجاهدها إن عرضت له الوساوس الشيطانية على أن يعد { ما ينفق } أي فيما أمر الله به { قربات } جمع قربة لما تقرب إليه سبحانه { عند الله } أي{[37124]} الذي لا أشرف{[37125]} من القرب منه{[37126]} لأنه الملك الأعظم { وصلوات } أي دعوات { الرسول } أي الذي وظيفته التبليغ فهو لا يقول لهم شيئاً إلا عن الله ، وأطلق القربة والصلاة على سببهما .

ولما أخبر عن أفعالهم ، أخبر عن عاقبتهم ومآلهم ؛ فقال مستأنفاً محققاً لرجائهم ترغيباً في الصدقة بأبلغ تأكيد لما لأعدائهم من التكذيب : { ألا إنها } أي نفقاتهم { قربة لهم } أي كما أرادوا ؛ ثم بين ثمرة كونها قربة بقوله : { سيدخلهم الله } أي الذي له صفات الكمال بوعد لا خلف فيه { في رحمته } أي إكرامه فتكون{[37127]} محيطة بهم ثم علل ذلك بقوله معبراً بالاسم الأعظم تنبيهاً على أنه لا يسع الإنسان إلا العفو وإن أعظم الاجتهاد : { إن الله } أي الذي لا يقدر أحد على أن يقدره حق قدره { غفور } أي بليغ الستر لقبائح من تاب { رحيم* } أي بليغ الإكرام ، ذلك وصف له ثابت ، يجلله كل من يستأهله{[37128]} .


[37122]:زيد من ظ.
[37123]:من ظ، وفي الأصل: أن.
[37124]:زيد من ظ.
[37125]:في ظ: شف.
[37126]:في ظ: عنه.
[37127]:من ظ، وفي الأصل: فيكون.
[37128]:في ظ: يتساهله.