الثانية : قوله تعالى : " إلا أن يشاء الله " قال ابن عطية : وتكلم الناس في هذه الآية في الاستثناء في اليمين ، والآية ليست في الأيمان وإنما هي في سنة الاستثناء في غير اليمين . وقوله : " إلا أن يشاء الله " في الكلام حذف يقتضيه الظاهر ويحسنه الإيجاز ، تقديره : إلا أن تقول إلا أن يشاء الله ، أو إلا أن تقول إن شاء الله . فالمعنى : إلا أن يذكر مشيئة الله ، فليس " إلا أن يشاء الله " من القول الذي نهي عنه .
قلت : ما اختاره ابن عطية وارتضاه هو قول الكسائي والفراء والأخفش . وقال البصريون : المعنى إلا بمشيئة الله . فإذا قال الإنسان أنا أفعل هذا إن شاء الله فمعناه بمشيئة الله . قال ابن عطية : وقالت فرقة " إلا أن يشاء الله " استثناء من قوله " ولا تقولن " . قال : وهذا قول حكاه الطبري ورد عليه ، وهو من الفساد بحيث كان الواجب ألا يحكى . وقد تقدم القول في الاستثناء في اليمين وحكمه في " المائدة " {[10498]} .
قوله تعالى : " واذكر ربك إذا نسيت " وفيه مسألة واحدة ، وهي الأمر بالذكر بعد النسيان - واختلف في الذكر المأمور به ، فقيل : هو قوله " وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا " قال محمد الكوفي المفسر : إنها بألفاظها مما أمر أن يقولها كل من لم يستثن ، وإنها كفارة لنسيان الاستثناء . وقال الجمهور : هو دعاء مأمور به دون هذا التخصيص . وقيل : هو قوله " إن شاء الله " [ الصافات : 102 ] الذي كان نسيه عند يمينه . حكي عن ابن عباس أنه إن نسي الاستثناء ثم ذكر ولو بعد سنة لم يحنث إن كان حالفا . وهو قول مجاهد . وحكى إسماعيل بن إسحاق ذلك عن أبي العالية في قوله تعالى : " واذكر ربك إذا نسيت " قال : يستثني إذا ذكره . الحسن : ما دام في مجلس الذكر . ابن عباس : سنتين ، ذكره الغزنوي قال : فيحمل على تدارك التبرك بالاستثناء للتخلص عن الإثم . فأما الاستثناء المفيد{[10499]} حكما فلا يصح إلا متصلا . السدي : أي كل صلاة نسيها إذا ذكرها{[10500]} . وقيل : استثن باسمه لئلا تنسى . وقيل : اذكره متى ما نسيته . وقيل : إذا نسيت شيئا فاذكره يذكركه . وقيل : اذكره إذا نسيت غيره أو نسيت نفسك ، فذلك حقيقة الذكر . وهذه الآية مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهي استفتاح كلام على الأصح ، ولست من الاستثناء في اليمين بشيء ، وهي بعد تعم جميع أمته ؛ لأنه حكم يتردد في الناس لكثرة وقوعه . والله الموفق .
{ ولا تقولون لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله } سببها أن قريشا سألوا اليهود عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لهم : " اسألوه عن فتية ذهبوا في الزمان الأول وهم أصحاب الكهف ، وعن رجل بلغ مشارق الأرض ومغاربها وهو ذو القرنين ، وعن الروح ، فإن أجابكم في الاثنين وسكت عن الروح فهو نبي فسألوه فقال : غدا أخبركم ولم يقل إن شاء الله فأمسك عنه الله الوحي خمسة عشر يوما فأوجف به كفار قريش وتكلموا في ذلك فشق ذلك ، على رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، ثم جاء جبريل بسورة الكهف فقص عليه فيها قصة أصحاب الكهف وذي القرنين ، وأنزل الله عليه هذه الآية تأديبا لهم وتعليما ، فأمره بالاستثناء بمشيئة الله في كل أمر يريد أن يفعله فيما يستقبل ، وقوله : غدا يريد به الزمان المستقبل لا اليوم الذي بعد يومه خاصة ، وفي الكلام حذف يقتضيه المعنى وتقديره : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن تقول إن شاء الله أو تقول إلا أن يشاء الله ، والمعنى أن يعلق الأمر بمشيئة الله وحوله وقوته ويبرأ هو من الحول والقوة ، وقيل : إن قوله : { إلا أن يشاء الله } بقوله : { لا تقولن } . والمعنى : لا تقولن ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله بأن يأذن لك فيه ، فالمشيئة على هذا راجعة إلى القول لا إلى الفعل ، ومعناها : إباحة القول بالإذن فيه ، حكى ذلك الزمخشري ، وحكاه ابن عطية وقال : إنه من الفساد بحيث كان الواجب ألا يحكي .
{ واذكر ربك إذا نسيت } قال ابن عباس : الإشارة بذلك إلى الاستثناء أي : استثن بعد مدة إذا نسيت الاستثناء أولا ، وذلك على مذهبه ، فإن الاستثناء في اليمين ينفع بعد سنة ، وأما مذهب مالك والشافعي فإنه لا ينفع إلا إن كان متصلا باليمين ، وقيل : معنى الآية اذكر ربك إذا غضبت ، وقيل : اذكر إذا نسيت شيئا ليذكرك ما نسيت ، والظاهر أن المعنى اذكر ربك إذا نسيت ذكره أي : ارجع إلى الذكر إذا غفلت عنه واذكره في كل حال ، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه " .
{ وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا } هذا كلام أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله ، والإشارة بهذا إلى خبر أصحاب الكهف أي : عسى الله أن يؤتيني من الآيات والحجج ما هو أعظم في الدلالة على نبوتي من خبر أصحاب الكهف واللفظ يقتضي أن المعنى : عيني أن يوفقني الله تعالى من العلوم والأعمال الصالحات لما هو أرشد من خير أصحاب أهل الكهف وأقرب إلى الله ، وقيل : إن الإشارة بهذا إلى المنسي أي : إذا نسيت شيئا فقل عسى أن يهديني الله إلى شيء آخر هو أرشد من المنسي .
وفيها تأديب من الله لرسوله ( ص ) . إذ أمره أن يعلق كل شيء بمشيئة الله ؛ فإن من الحقائق المسلمة في دين الله الاعتقاد بأن : ما يشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن . فإذا عزم المسلم على شيء ليفعله في المستقبل عليه أن يرد ذلك لمشيئة الله بقوله : إن شاء الله .
قوله : ( واذكر ربك إذا نسيت ) إذا نسيت كلمة الاستثناء وهي : إن شاء الله ، أو بمشيئة الله ، ثم ذكرتها فتداركها بالذكر وهو أن تقولها عقب زوال النسيان .
وروي عن ابن عباس قوله في الرجل يحلف : له أن يستثني ولو إلى سنة ، استنادا إلى إطلاق هذه الآية . لكن قول ابن عباس هذا قد حمل على تدارك التبرك بالاستثناء ؛ فإن من السنة أن يقول المرء إن شاء الله ولو بعد سنة ليكون آتيا بسنة الاستثناء حتى لو كان بعد الحنث . وليس المقصود أن يكون الاستثناء رافعا لحنث اليمين ومسقطا للكفارة ؛ أي أن الاستثناء الذي يتغير به الحكم من حنث وكفارة فلا يصح إلا متصلا ؛ فإن من شروط صحة الاستثناء في اليمين الاتصال . وهو كون الاستثناء متصلا باليمين فلا يفصل بينهما كلام من غير صيغة الحلف ، ولا أن يفصل بينهما سكون لغير ضرورة . فإن أقسم الحالف بالله ليفعلن كذا أو لا يفعل كذا ثم صمت صمتا طويلا يمكن الكلام فيه وكان ذلك لغير ضرورة أو حاجة ، أو تكلم عقب الحلف كلاما من غير جنس اليمين ثم قال بعد ذلك : إن شاء الله ؛ فمثل هذا الاستثناء غير متصل باليمين بل هو منفصل فلا يؤثر في الحلف .
أما السكوت بعد اليمين لضرورة : فإنه لا يؤثر في صحة الاستثناء ، ولا يكون الحالف بذلك حانثا . وذلك كما لو انقطع نفس الحالف عقيب الحلف ؛ أو انقطع صوته لعيّ أو عارض من عطش ، أو سكت سكتة خفيفة من أجل التذكر . وهو قول الجمهور من العلماء{[2797]} .
وثمة مسألة وهي : هل الاستثناء الذي يرفع اليمين المنعقدة بالله تعالى ، رخصة من الله في اليمين خاصة لا تتعداه إلى غير ذلك من الأيمان ؟
القول الأول : إن الاستثناء نافع في كل يمين كالطلاق والعتاق ؛ لأنها يمين تنعقد مطلقة ، فإذا قرن بها ذكر الله على طريق الاستثناء كان ذاك مانعا من انعقادها كاليمين بالله . وهو قول الحنفية والشافعية . وقال به مالك وآخرون . ودليلهم في ذلك قول رسول الله ( ص ) : " من حلف فقال : إن شاء الله لم يحنث " ومثل هذه الأقسام يندرج في مفهوم اليمين . فلو قال الرجل : أنت طالق بمشيئة الله ، أو إلا أن يشاء الله ، أو ما شاء الله ، أو بإرادة الله ، أو بقضاء الله أو بقدرة الله ؛ فهذه كلها أيمان ويحلها الاستثناء .
القول الثاني : إن الاستثناء في الحلف بغير الله لا يؤثر ولا يفيد .
ودليل ذلك قوله تعالى : ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) ولا يدخل في هذه الأيمان سوى اليمين الشرعية وهي الحلف بالله وأسمائه وصفاته فقط . فالاستثناء الذي يرفع اليمين المنعقدة بالله تعالى إنما هو رخصة وردت في اليمين خاصة ، ولا تنسحب على غيره من الأيمان كالطلاق والعتاق ، وذهب إلى ذلك بعض المالكية . وقال به الحسن البصري وقتادة وسعيد بن المسيب وآخرون{[2798]} .
قوله : ( وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ) وهذا دعاء يقوله للناس بعد الذكر ، وجملته : عسى ربي أن يهديني لغير ما نسيته مما هو أقرب رشدا وأقرب خيرا ونفعا .