الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا} (24)

ثم قال : { وتقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله } [ 24 ] .

هذا تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم عهد إليه ألا يجزم في الأمور أنه كائن لا محالة إلا أن يصله بمشيئة الله . إذ لا يكون شيء إلا بمشيئته وأمره . وإنما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم [ لأنه{[42506]} ] وعد سائليه عن المسائل التي تقدم ذكرها أن يجيبهم عنها غد يومهم ولم يستثن . فاحتبس الوحي عنه من أجل ذلك خمس عشرة ليلة حتى حزنه إبطاؤه . ثم أنزل عليه{[42507]} الجواب فيهن فعرف الله [ عز وجل ]{[42508]} نبيه [ عليه السلام ] سبب احتباس الوحي عنه وعلمه ما الذي ينبغي له أن يستعمله في عداته فيما يحدث من الأمور التي [ لم ]{[42509]} يأته{[42510]} من الله عز وجل فيها{[42511]} تنزيل{[42512]} .

وتقدير { أن يشاء الله } [ 24 ] عند الكسائي والفراء : إلا أن يقول إن شاء الله{[42513]} . وقال البصريون : المعنى : إلا بمشيئة الله [ عز وجل{[42514]} ]{[42515]} . فأن : في موضع نصب على حذف [ الباء{[42516]} على ] هذا{[42517]} .

ثم قال : [ تعالى{[42518]} ] : { وذكر ربك إذا نسيت } [ 24 ] .

معناه عند ابن عباس{[42519]} : واستثن{[42520]} في يمينك إذا ذكرت أنك نسيت [ ذلك{[42521]} ] في حال اليمين{[42522]} . قال فيه : [ فإن ]{[42523]} له أن يستثني{[42524]} ولو إلى سنة ، وكذلك قال : أبو العالية ، والحسن{[42525]} . وقال عكرمة : معناه : واذكر ربك/إذا عصيت{[42526]} . وقيل : معناه : واذكر ربك إذا تركت ذكره لأن أحد معاني النسيان التي استعمل بها{[42527]} الترك{[42528]} .

ومعنى قول : من أجاز الاستثناء بعد سنة أنه يسقط ذلك الاستثناء الحرج{[42529]} بتركه ما أمر به في الاستثناء لأن الله [ عز وجل ]{[42530]} أمر بالاستثناء . فإذا ذكر الإنسان ، متى ما ذكر يمينه ، وجب عليه أن يستثني فيسقط عنه الحرج في تركه ما أمر به ولا يسقط ذلك{[42531]} لكفارة{[42532]} إذا حنث [ إلا أن يكون الاستثناء متصلا باليمين فيسقط عنه الكفارة إذا حنث{[42533]} ] ، والحرج جميعا ، هذا معنى قول ابن عباس : أنه يستثني{[42534]} بعد سنة . ولم يقل أحد أن الاستثناء بعد حين يسقط{[42535]} عنه الكفارة إذا{[42536]} حنث . ولو وجب أن يسقط الكفارة{[42537]} بالاستثناء بعد حين لم يكن قوله تعالى : { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته }{[42538]} الآية . فائدة : لأنه كان يستثني كل من أراد الحنث متى ما أراد الحنث ولا يكفر ، وتبطل فائدة الآية ، ولا يلزم أحد الكفارة . ويدل على ذلك أيضا ، قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر وليأت الذي هو خير " {[42539]} فأمر بالكفارة عند الحنث ، ولم يقل : فليقل إن شاء الله{[42540]} .

ثم قال : { وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا } [ 24 ] .

أي قل لهم يا محمد لعل ربي أن يرشدني لأقرب مما وعدتكم وأخبرتكم أنه يكون إن هو شاء{[42541]} .

وقيل : إن هذا أمر من الله [ عز وجل{[42542]} ] لنبيه{[42543]} [ صلى الله عليه وسلم ] أن يقوله إذا نسي الاستثناء في كلامه الذي هو عنده{[42544]} في أمر مستقبل{[42545]} مع قوله إن شاء الله إذا ذكر ذلك{[42546]} .

وقيل : المعنى قل لعل ربي أن يعطيني من الآيات والدلالات{[42547]} على النبوة ما يكون أقرب من{[42548]} الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف .


[42506]:ساقط من ق.
[42507]:ق: عليهم.
[42508]:ساقط من ق.
[42509]:ساقط من ق.
[42510]:ق: "يأتيه".
[42511]:ق: "بها".
[42512]:وهذا قول: ابن جرير، انظر: جامع البيان 15/228.
[42513]:وهو قول: الأخفش أيضا، انظر: معاني الفراء 2/138، ومعاني الأخفش 2/618، والجامع 10/250.
[42514]:ساقط من ق.
[42515]:انظر: معاني الزجاج 3/278، والجامع 10/251.
[42516]:ساقط من ق.
[42517]:انظر: التحرير 15/296.
[42518]:ساقط من ق.
[42519]:ق: "ابن قاسم".
[42520]:ق: "استثنا".
[42521]:ساقط من ق.
[42522]:انظر قوله: في معاني الفراء 2/138، وجامع البيان 15/229.
[42523]:ساقط من ط.
[42524]:ق: "استثنا".
[42525]:وهو قول: مجاهد أيضا، انظر: جامع البيان15/229، وأحكام ابن العربي 3/1235، والجامع 10/251، والدر 5/377.
[42526]:ط: "غضبت" وانظر قوله: في جامع البيان 15/229 وأحكام ابن العربي 3/235.
[42527]:ط: "لها".
[42528]:ذكر هذا القول ابن جرير، انظر: جامع البيان 15/229.
[42529]:ق: "الحرج".
[42530]:ساقط من ق.
[42531]:ط: "ذلك عنه" ولعله الأصوب.
[42532]:ساقط من ق.
[42533]:ساقط من ق.
[42534]:ق: "استثنا".
[42535]:ط: "تسقط".
[42536]:ط: "وإذا".
[42537]:ط: "تسقط عنه" ولعله الأصوب.
[42538]:المائدة: 91.
[42539]:الحديث أخرجه البخاري في مواضع عديدة منها رقم 6622 (كتاب الأيمان والنذور: باب قول الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} ومسلم رقم 13 (كتاب الأيمان) وأبو داود، رقم 3276 (كتاب الأيمان: باب الرجل يكفر قبل أن يحنث) وابن ماجه رقم 2108 (كتاب الكفارات: باب من حلف يمين فرأى غيرها خيرا منها) وأحمد 2/185 و204.
[42540]:هذا التعقيب هو لابن جرير، انظر جامع البيان 15/229.
[42541]:وهو قول ابن جرير، انظر جامع البيان 15/229.
[42542]:ساقط من ق.
[42543]:ساقط من ق.
[42544]:ساقط من ق.
[42545]:ط: "هو عنده من أمر مستقبل هو عنده من أمر مستقبل".
[42546]:حكى هذا القول ابن جرير ولم ينسبه، انظر جامع البيان 15/230.
[42547]:ط: الدلالة.
[42548]:ط: "في" ولعله أصوب.