قوله تعالى : " وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل " اختلف الناس في معنى هذا الكلام ؛ فقال السدي والطبري والفراء : هذا الكلام من موسى عليه السلام على جهة الإقرار بالنعمة ؛ كأنه يقول : نعم ؟ وتربيتك نعمة علي من حيث عبدت غيري وتركتني ، ولكن لا يدفع ذلك رسالتي . وقيل : هو من موسى عليه السلام على جهة الإنكار ؛ أي أتمن علي بأن ربيتني وليدا وأنت قد استعبدت بني إسرائيل وقتلتهم ؟ ! أي ليست بنعمة ؟ لأن الواجب كان ألا تقتلهم ولا تستعبدهم فإنهم قومي ؛ فكيف تذكر إحسانك إلي على الخصوص ؟ ! قال معناه قتادة وغيره . وقيل : فيه تقدير استفهام ؛ أي أو تلك نعمة ؟ قاله الأخفش والفراء أيضا ، وأنكره النحاس وغيره . قال النحاس : وهذا لا يجوز لأن ألف الاستفهام تحدث معنى ، وحذفها محال إلا أن يكون في الكلام أم ، كما قال الشاعر :
ولا أعلم بين النحويين اختلافا في هذا إلا شيئا قاله الفراء . قال : يجوز ألف الاستفهام في أفعال الشك ، وحكى ترى زيدا منطلقا ؟ بمعنى أترى . وكان علي بن سليمان يقول في هذا : إنما أخذه من ألفاظ العامة . قال الثعلبي : قال الفراء ومن قال إنها إنكار قال معناه أو تلك نعمة ؟ على طريق الاستفهام ؛ كقوله : " هذا ربي " [ الأنعام : 76 ] " فهم الخالدون " [ الأنبياء : 34 ] . قال الشاعر{[12195]} :
رَفَوْنِي وقالوا يا خُوَيلدُ لا تُرَعْ *** فقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ همُ همُ
وأنشد الغزنوي شاهدا على ترك الألف قولهم :
لم أنس يوم الرحيل وقفتَها *** وجفنها من دموعها شَرِقُ
وقولَها والركاب واقفةٌ *** تركتني هكذا وتنطلقُ
قلت : ففي هذا حذف ألف الاستفهام مع عدم أم خلاف قول النحاس . وقال الضحاك : إن الكلام خرج مخرج التبكيت والتبكيت يكون ، باستفهام وبغير استفهام ، والمعنى : لو . لم تقتل بني إسرائيل لرباني أبواي ، فأي نعمة لك علي ! فأنت تمن علي بما لا يجب أن تمن به . وقيل : معناه كيف تمن بالتربية وقد أهنت قومي ؟ ومن أهين قومه ذل . و " أن عبدت " في موضع رفع على البدل من " نعمة " ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى : لأن عبدت بني إسرائيل ، أي اتخذتهم عبيدا . يقال : عبدته وأعبدته بمعنى ، قال الفراء وأنشد :
علام يُعْبِدُني قومي وقد كثرت *** فيهم أباعر ما شاؤوا وعِبدان
{ وتلك نعمة تمنها عليّ أن عبدت بني إسرائيل } معنى عبدت ذللت واتخذتهم عبيدا ، فمعنى هذا الكلام أنك عددت نعمة عليّ تعبيد بني إسرائيل وليست في الحقيقة بنعمة إنما كانت نقمة لأنك تذبح أبناءهم ولذلك وصلت أنا إليك فربيتني ، فالإشارة بقوله : { تلك } إلى التربية وأن عبدت في موضع رفع عطف بيان على تلك أو في موضع نصب على أنه مفعول من أجله ، وقيل : معنى الكلام تربيتك نعمة علي لأنك عبدت بني إسرائيل وتركتني فهي في المعنى الأول إنكار لنعمته وفي الثاني اعتراف بها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.