الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ وَمَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّـٰتِي لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرۡغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلۡوِلۡدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلۡيَتَٰمَىٰ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمٗا} (127)

نزلت بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن في الميراث وغير ذلك ، فأمر الله نبيه عليه السلام أن يقول لهم{[4993]} : الله يفتيكم فيهن ، أي يبين لكم حكم ما سألتم عنه . وهذه الآية رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء ، وكان قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها فسألوا فقيل لهم : إن الله يفتيكم فيهن . روى أشهب عن مالك قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل فلا يجيب حتى ينزل عليه الوحي ، وذلك في كتاب الله " ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن " . " ويسألونك عن اليتامى{[4994]} " [ البقرة : 220 ] . و " يسألونك عن الخمر والميسر{[4995]} " [ البقرة : 219 ] . " ويسألونك عن الجبال{[4996]} " [ طه : 105 ] .

قوله تعالى : " وما يتلى عليكم " " ما " في موضع رفع ، عطف على اسم الله تعالى . والمعنى : والقرآن يفتيكم فيهن ، وهو قوله : " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " [ النساء :3 ] وقد تقدم{[4997]} .

وقوله تعالى : " وترغبون أن تنكحوهن " أي وترغبون عن أن تنكحوهن ، ثم حذفت " عن " . وقيل : وترغبون في أن تنكحوهن ثم حذفت " في " . قال سعيد بن جبير ومجاهد : ويرغب في نكاحها وإذا كانت كثيرة المال . وحديث عائشة يقوي حذف " عن " فإن في حديثها : وترغبون أن تنكحوهن رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال ، وقد تقدم أول السورة .


[4993]:من ط.
[4994]:راجع ج 3 ص 6 و ص 51.
[4995]:راجع ج 3 ص 6 و ص 51.
[4996]:راجع ج 11 ص 245.
[4997]:راجع ص 12 وما بعدها من هذا الجزء.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ وَمَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّـٰتِي لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرۡغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلۡوِلۡدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلۡيَتَٰمَىٰ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمٗا} (127)

{ ويستفتونك في النساء } أي : يسألونك عما يجب عليهم في أمر النساء .

{ وما يتلى عليكم } عطف على اسم الله أي يفتيكم الله ، والمتلو عليكم في الكتاب يعني القرآن .

{ في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن } كان الرجل من العرب يتزوج اليتيمة من أقاربه بدون ما تستحقه من الصداق ، فقوله :{ ما كتب لهن } يعني ما تستحقه المرأة من الصداق ، وقوله :{ وترغبون أن تنكحوهن } : يعني لجمالهن وما لهن من غير توفية حقوقهن ، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك أول السورة في قوله :{ وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى }[ النساء :3 ] وهذه الآية هي التي تليت عليهم في يتامى النساء ، والمستضعفين من الولدان : عطف على يتامى النساء ، والذي يتلى في المستضعفين من الولدان وهو قوله :{ يوصيكم الله في أولادكم }[ النساء :11 ] لأن العرب كانت لا تورث البنت ولا الابن الصغير ، فأمر الله أن يأخذوا نصيبهم من الميراث .

{ وأن تقوموا لليتامى بالقسط } عطف على المستضعفين أي والذي يتلى عليكم في أن تقوموا لليتامى بالقسط ، ويجوز أن يكون منصوبا تقديره : ويأمركم أن تقوموا ، أو الخطاب في ذلك للأولياء ، والأوصياء ، أو للقضاة وشبههم ، والذي تلي عليهم في ذلك هو قوله :{ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما }[ النساء :11 ] ، وقوله :{ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل }[ البقرة :188 ] إلى غير ذلك .