قوله جلّ ذكره : { وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسِلهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ } .
الصدِّيقون : مبالغة في الصدق ، والشهداء : الذين استشهدوا في سبيل الله ، فالمؤمنون بمنزلة الصديقين والشهداء - لهم أجرهم في الجنة ونورهم في القيامة .
{ وَالَّذِيِنَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } .
والصدِّيق مَنْ استوى ظاهرُه وباطنُه .
ويقال : هو الذي يحمل الأمرَ على الأشَقِّ ، ولا ينْزلُ إلى الرُّخَصِ ، ولا يجنح للتأويلات .
والشهداءُ : الذين يشهدون بقلوبهم مواطن الوصلة ، ويعتكفون بأسرارهم في أوطان القربة ، { وَنُورُهُمْ } : ما كحل الحقُّ به بصائرهم من أنوار التوحيد .
{ والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ } قد بين كيفية إيمانهم في خاتمة سورة البقرة ، والموصول مبتدأ أول ، وقوله تعالى : { أولاك } مبتدأ ثان ، وهو إشارة إلى الموصول وما فيه من معنى البعد لما مر مراراً ، وقوله سبحانه : { يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ } مبتدأ ثالث ، وقوله عز وجل : { الصديقون والشهداء } خبر الثالث ، والجملة خبر الثاني وهو مع خبره خبر الأول أو هم ضمير فصل وما بعده خبر الثاني ، وقوله تعالى : { عِندَ رَبّهِمْ } متعلق على ما قيل : بالثبوت الذي تقتضيه الجملة أي أولئك عند ربهم عز وجل وفي حكمه وعلمه سبحانه هم الصديقون والشهداء .
والمراد أولئك في حكم الله تعالى بمنزلة الصديقين والشهداء المشهورين بعلو الرتبة ورفعة المحل وهم الذين سبقوا إلى التصديق ورسخوا فيه واستشهدوا في سبيل الله جل جلاله وسمي من قتل مجاهداً في سبيله تعالى شهيداً لأن الله سبحانه وملائكته عليهم السلام شهود له بالجنة ، وقيل : لأنه حي لم يمت كأنه شاهد أي حاضر ، وقيل : لأن ملائكة الرحمة تشهده ، وقيل : لأنه شهد ما أعد الله تعالى له من الكرامة ، وقيل : غير ذلك فهو إما فعيل بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول على اختلاف التأويل ، وقوله تعالى : { لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ } خبر ثان للموصول على أنه جملة من مبتدأ وخبر ، أو { لَهُمْ } الخبر وما بعده مرتفع به على الفاعلية وضمير { لَهُمْ } للموصول ، والضميران الأخيران للصديقين والشهداء ، والغرض بيان ثمرات ما وصفوا به من نعوت الكمال أي أولئك لهم مثل أجر الصديقين والشهداء ونورهم المعروفين بغاية الكمال وعزة المنال ، وقد حذف أداة التشبيه تنبيهاً على قوة المماثلة وبلوغها حد الاتحاد كما فعل ذلك أولا حيث قيل : أولئك هم الصديقون والشهداء وليست المماثلة بين ما للفريق الأول من الأجر والنور . وبين تمام ما للفريقين الأخيرين بل بين تمام للأول من الأصل والإضعاف وبين ما للأخيرين من الأصل بدون الإضعاف ، فالإضعاف هو الذي امتاز به الفريقان الأخيران على الفريق الأول وقد لا يعتبر تشبيه بليغ في الكلام أصلا ويبقى على ظاهره والضمائر كلها للموصول أي أولئك هم المبالغون في الصدق حيث آمنوا وصدقوا جميع أخبار الله تعالى وأخبار رسله عليهم الصلاة والسلام والقائمون بالشهادة لله سبحانه بالوحدانية وسائر صفات الكمال ولهم بما يليق بهم من ذلك لهم الأجر والنور الموعودان لهم ، وقال بعضهم : وصفهم بالشهادة لكونهم شهداء على الناس كما نطق به قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } [ البقرة : 143 ] فعند ربهم متعلق بالشهداء ، والمراد والشهداء على الناس يوم القيامة ، وجوز تعلقه بالشهداء أيضاً على الوجه الأول على معنى الذين شهدوا مزيد الكرامة بالقتل في سبيل الله تعالى يوم القيامة أو في حظيرة رحمته عز وجل أو نحو ذلك ، ويشهد لكون الشهداء معطوفاً على الصديقين آثار كثيرة .
أخرج ابن جرير عن البراء بن عازب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «إن مؤمني أمتي شهداء » ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم : { والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصديقون والشهداء عِندَ رَبّهِمْ } ، وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنه قال يوماً لقوم عنده : كلكم صديق وشهيد قيل له : ما تقول يا أبا هريرة ؟ قال : اقرءوا { والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ } الآية ، وأخرج عبد الرزاق . وعبد بن حميد عن مجاهد قال : كل مؤمن صديق وشهيد ثم تلا الآية ، وأخرج عبد بن حميد نحوه عن عمرو بن ميمون ، وأخرج ابن حبان عن عمرو بن مرة الجهني قال : «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وأديت الزكاة وصمت رمضان وقمته فممن أنا ؟ قال : من الصديقين والشهداء » وينبغي أن يحمل الذين آمنوا على من لهم كمال في ذلك يعتدّ به ولا يتحقق إلا بفعل طاعات يعتدّ بها وإلا فيبعد أن يكون المؤمن المنهمك في الشهوات الغافل عن الطاعات صديقاً شهيداً ، ويستأنس لذلك بما جاء من حديث عمر رضي الله تعالى عنه ما لكم إذا رأيتم الرجل يخرق أعراض الناس أن لا تعيبوا عليه ؟ قالوا : نخاف لسانه قال : ذلك أحرى أن لا تكونوا شهداء ، قال ابن الأثير : أي إذا لم تفعلوا ذلك لم تكونوا في جملة الشهداء الذين يستشهدون يوم القيامة على الأمم التي كذبت أنبياءها ، وكذا بقوله عليه الصلاة والسلام : اللعانون لا يكونون شهداء بناءاً على أحد قولين فيه .
وفي بعض الأخبار ما ظاهره إرادة طائفة من خواص المؤمنين ، أخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض مخافة الفتنة على نفسه ودينه كتب عند الله صديقاً فإذا مات قبضه الله شهيداً وتلا هذه الآية : { والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصديقون والشهداء } ثم قال : هذه فيهم ثم قال : والفرّارون بدينهم من أرض إلى أرض يوم القيامة مع عيسى ابن مريم في درجته في الجنة » ويجوز أن يراد من قوله : «هذه فيهم » أنها صادقة عليهم وهم داخلون فيها دخولاً أولياً ، ويقال : في قوله عليه الصلاة والسلام : «مع عيسى في درجته » المراد معه في مثل درجته وتوجه المماثلة بما مر والخبر إذا صح يؤيد الوجه الأول في الآية .
وروي عن الضحاك أنها نزلت في ثمانية نفر سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام وهم أبو بكر . وعمر . وعثمان . وعلي . وحمزة . وطلحة . والزبير . وسعد . وزيد رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، وهذا لا يضر في العموم كما لا يخفى ، وقيل : الشهداء مبتدأ و { عِندَ رَبّهِمْ } خبره ، وقيل : الخبر { لَهُمْ أَجْرُهُمْ } والكلام عليهما قد تم عند قوله تعالى : { الصديقون } ، وأخرج هذا ابن جرير عن ابن عباس . والضحاك قالا : { والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصديقون } هذه مفصولة سماهم صديقين ، ثم قال : والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم .
وروي جماعة عن مسروق ما يوافقه ، واختلفوا في المراد بالشهداء على هذا فقيل : الشهداء في سبيل الله تعالى .
وحكى ذلك عن مقاتل بن سليمان ، وقيل : الأنبياء عليهم السلام الذين يشهدون للأمم عليهم ، وحكى ذلك عن مسروق . ومقاتل بن حيان . واختاره الفراء . والزجاج ، وزعم أبو حيان أن الظاهر كون الشهداء مبتدأ وما بعده خبر ، ومن أنصف يعلم أنه ليس كما قفال ، وأن الذي تقتضيه جزالة النظم الكريم هو ما تقدم ، ثم النور على الجميع الأوجه على حقيقته ، وعن مجاهد . وغيره أنه عبارة عن الهدى والكرامة والبشرى .
{ والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا } أي بجميعها على اختلاف أنواعها وهو إشارة إلى كفرهم بالرسل عليهم السلام جميعهم { أولئك } الموصوفون بتلك الصفة القبيحة { أصحاب الجحيم } بحيث لا يفارقونها أبداً .
قوله تعالى : { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون } والصديق : الكثير الصدق ، قال مجاهد : كل من آمن بالله ورسوله فهو صديق وتلا هذه الآية . قال الضحاك : ثمانية نفر من هذه الأمة ، سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام : أبو بكر ، وعلي ، وزيد ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وسعد ، وحمزة ، وتاسعهم عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته . { والشهداء عند ربهم } اختلفوا في نظم هذه الآية ، منهم من قال : هي متصلة بما قبلها ، والواو واو النسق ، وأراد بالشهداء المؤمنين المخلصين . قال الضحاك : هم الذين سميناهم . قال مجاهد : كل مؤمن صديق شهيد ، وتلا هذه الآية . وقال قوم : تم الكلام عند قوله : { هم الصديقون } ثم ابتدأ فقال : { والشهداء عند ربهم } والواو واو الاستئناف ، وهو قول ابن عباس ومسروق وجماعة . ثم اختلفوا فيهم فقال قوم : هم الأنبياء الذين يشهدون على أمم يوم القيامة ، يروى ذلك عن ابن عباس هو قول مقاتل ابن حيان . وقال مقاتل بن سليمان : هم الذين استشهدوا في سبيل الله . { لهم أجرهم } بما عملوا من العمل الصالح ، { ونورهم } على الصراط ، { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم } .
وقوله : { والذين آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ } مبتدأ .
وقوله : { أولئك هُمُ الصديقون } خبره ، والذين آمنوا بالله ورسله إيمانا حقا - لهم منزلة الصديقين : منزلة المبالغين فى الصدق واليقين .
فالصديق - بتشديد الدال - هو المبالغ فى الصدق بما جاءه به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفى تنفيذ ما كلف به تنفيذا تاما .
{ والشهدآء عِندَ رَبِّهِمْ } وهم الذين استشهدوا فى سبيل الله - تعالى - : { لَهُمْ أَجْرُهُمْ } العظيم عند الله - تعالى - { وَنُورُهُمْ } الذى يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يوم القيامة لهم كذلك .
فعلى هذا التفسير يكون قوله : { والشهدآء عِندَ رَبِّهِمْ } مبتدأ ، وجملة { لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ } ، خبره ، ويكون الوقف على { الصديقون } وقفا تاما . . . والضمائر فى { لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ } للشهداء .
ويصح أن يكون قوله { والشهدآء } معطوف على { الصديقون } عطف المفرد على المفرد ، فهو عطف على الخبر ، أى : وهم الشهداء عند ربهم . . . ويكون الموقف على الشهداء تاما ، وأخبر - سبحانه - عن الذين آمنوا بالله ورسله ، أنهم صديقون وشهداء .
والمعنى على هذا الوجه : والذين آمنوا بالله ورسله ، أولئك هم الذين فى حكمه - تعالى - بمنزلة الصديقين والشهداء المشهورين بعلو الرتبة ، ورفعة الدرجة .
وقوله - تعالى - : { عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ } أى : للذين آمنوا بالله ورسله عند ربهم ، مثل أجر الصديقين والشهداء ولهم مثل نورهم يوم القيامة ، وناهيك به من أجر عظيم ، ونور عميم .
وحذف ما يفيد التشبيه فى الجملتين ، للتنبيه على قوة المماثلة وبلوغها حد الاتحاد .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : يريد أن المؤمنين بالله ورسله ، هم عند الله - تعالى - بمنزلة الصديقين والشهداء ، وهم الذين سبقوا إلى التصديق ، واستشهدوا فى سبيل الله .
وقوله : { لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ } أى : لهم مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم .
فإن قلت : كيف يسوى بينهم فى الأجر ولا بد من التفاوت ؟ قلت : المعنى أن الله - تعالى - يعطى الذين آمنوا بالله ورسله أجرهم . ويضاعفه لهم بفضله . حتى يساوى أجرهم مع أضعافه ، أجر أولئك ، أى : أجر الصديقين والشهداء .
ويجوز أن يكون قوله : { والشهدآء } مبتدأ ، وقوله ، { لَهُمْ أَجْرُهُمْ } خبره . .
وقوله - تعالى - : { والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أولئك أَصْحَابُ الجحيم } بيان لسوء عاقبة الكافرين ، بعد بيان حسن عاقبة المؤمنين الصادقين .
أى : والذين كفروا بالله ورسله ، وكذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا أولئك أصحاب الجحيم ، الملازمون له ملازمة الشى لصاحبه .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حضت المؤمنين على المواظبة على ذكر الله - تعالى - وطاعته ونهتهم عن التشبه بالذين قست قلوبهم ، وبشرت المصدقين والمصدقات ، والذين آمنوا بالله - تعالى - وبرسله إيمانا حقا . . . بالأجر العظيم ، وبالعطاء الجزيل .