لمَّا سجَنَ يوسفَ- عليه السلام - مع ظهور براءة ساحته اتقاءً على امرأته أن يُهتَكَ سترُها حوَّل اللَّهُ مُلْكه إليه ، ثم في آخر الأمر حَكَمَ اللَّهُ بأن صارت امرأتَه بعد مقاساتها الضُّر . . . وهذا جزاء مَنْ صَبَرَ .
ويقال لمَّا ظُلِمَ يوسفُ عليه السلام بما نُسِبَ إليه أنطق الله تلك المرأة حتى قالت في آخر أمرها بما كان فيه هتك سترها ، فقالت : { الآنَ حَصْحصَ الحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُهُ عَن نَفْسِهِ } [ يوسف :51 ] .
{ ثُمَّ بَدَ لَهُم } أي ظهر للعزيز وأصحابه المتصدين للحل والعقد ريثما اكتفوا بأمر يوسف عليه السلام بالكتمان والإعراض عن ذلك { مِّن بَعْد مَا رَأَوُاْ الآيَات } الصارفة لهم عن ذلك البداء وهي الشواهد الدالة على براءته عليه السلام وطهارته من قد القميص وقطع النساء أيديهن ، وعليهما اقتصر قتادة فيما أخرجه عنه ابن جرير ، وفيه إطلاق الجمع على اثنين والأمر فيه هين ، وعن مجاهد الاقتصار على القد فقط لأن القطع ليس من الشواهد الدالة على البراءة في شيء حينئذ
للتعظيم ، ويحمل الجمع حينئذ على التعظيم أو أل على الجنسية وهي تبطل معنى الجمعية كذا قيل ، وهو كما ترى . ووجه بعضهم عدّ القطع من الشواهد بأن حسنه عليه الصلاة والسلام الفاتن للنساء في مجلس واحد ، وفي أول نظرة يدل على فتنتها بالطريق الأولى وأن الطلب منها لا منه ، وعدّ بعضهم استعصامه عليه السلام عن النسوة إذ دعونه إلى أنفسهن فإن العزيز وأصحابه قد سمعوه وتيقنوا به حتى صار كالمشاهد لهم ، ودلالة ذلك على البراءة ظاهرة . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال : سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن الآيات فقال : ما سألني عنها أحد قبلك من الآيات : قد القميص وأثرها في جسده وأثر السكين فعدَّ رضي الله تعالى عنه الأثر من الآيات ولم يذكر فيما سبق ، ومن هنا قيل : يجوز أن يكون هناك آيات غير ما ذكر ترك ذكرها كما ترك ذكر كثير من معجزات الأنبياء عليهم السلام . وفاعل { بدا } ضمير يعود إما للبداء مصدر الفعل المذكور أو بمعنى الرأي كما في قوله :
لعلك والموعود حق لقاؤه *** ( بدا ) لك في تلك القلوص بداء
وإما للسجن بالفتح المفهوم من قوله سبحانه : { لَيَسْجُنُنَّهُ } وجملة القسم وجوابه إما مفعول لقول مضمر وقع حالاً من ضميرهم وإلى ذلك ذهب المبرد ، وإما مفسرة للضمير المستتر في { بدا } فلا موضع لها . وقيل : إن جملة { ليسجننه } جواب - لبدا - لأنه من أفعال القلوب ، والعرب تجريها مجرى القسم وتتلقاها بما يتلقى به ، وزعم بعضهم أن مضمون الجملة هو فاعل { بدا } كما قالوا في قوله سبحانه : { أو لم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من / القرون } [ السجدة : 26 ] وقوله تعالى : { وتبين لكم كيف فعلنا بهم } [ إبراهيم : 45 ] أن الفاعل مضمون الجملة أي كثرة إهلاكنا وكيفية فعلنا ، وظاهر كلام ابن مالك في «شرح التسهيل » أن الفاعل في ذلك الجملة لتأويلها بالمفرد حيث قال : وجاز الإسناد في هذا الباب باعتبار التأويل كما جاز في باب المبتدأ نحو { سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم } [ البقرة : 6 ] وجمهور النحاة لا يجوزون ذلك كما حقق في موضعه .
واختار المازني في الفاعل الوجه الأول . قيل : وحسن بدا لهم بداء وإن لم يحسن ظهر لهم ظهور لأن البداء قد استعمل في غير المصدرية كما علمت ، واختار أبو حيان الوجه الأخير وكونه ضمير السجن السابق على قراءة من فتح السين ، والأولى كونه ضمير السجن المفهوم من الجملة أي بدا لهم سجنه المحتوم قائلين : والله ليسجننه . وكان ذلك البداء باستنزال المرأة لزوجها ومطاوعته لها وحبه إياها وجعله زمام أمره بيدها . روي أنه عليه السلام لما استعصم ع نها ويئست منه قالت للعزيز : إن هذا الغلام العبراني قد فضحني في الناس يخبرهم بأني راودته عن نفسه فأبى ويصف الأمر حسبما يختار ، وأنا محبوسة محجوبة فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر إلى الناس وأكذبه وإما أن تحبسه كما أني محبوسة فحبس ، قال ابن عباس : إنه أمر به عليه السلام فحمل على حمار وضرب معه الطبل ونودي عليه في أسواق مصر أن يوسف العبراني راود سيدته فهذا جزاؤه ، وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما قال أبو صالح : كلما ذكر هذا بكى . وأرادت بذلك تحقيق وعيدها لتلين به عريكته وتنقاد لها قرونته لما انصرمت حبال رجائها عن استتباعه بعرض الجمال بنفسها وبأعوانها . وقرأ الحسن - لتسجننه - على صيغة الخطاب بأن خاطب بعضهم العزيز ومن يليه أو العزيز وحجه على وجه التعظيم ، أو خاطب به العزيز ومن عنده من أصحاب الرأي المباشرين للسجن والحبس . { حَتَّى حين } قال ابن عباس : إلى انقطاع المقال وما شاع في المدينة من الفاحشة ، وهذا بادي الرأي عند العزيز ، وأما عندها فحتى يذلله السجن ويسخره لها ويحسب الناس أنه المجرم ، وقيل : الحين ههنا خمس سنين ، وقيل بل سبع . وقال مقاتل : إنه عليه السلام حبس اثنتي عشرة سنة ، والأولى أن لا يجزم بمقدار ، وإنما يجزم بالمدة الطويلة ، والحين عند الأكثرين وقت من الزمان غير محدود يقع على القصير منه والطويل ، وقد استعمل في غير ذلك كما ذكرناه في «شرح القادرية » . وقرأ ابن مسعود - عتى - بإبدال حاء { حتى } عيناً وهي لغة هذيل ، وقد أقرأ رضي الله تعالى عنه بذلك إلى أن كتب إليه عمر رضي الله تعالى عنه أن يقرئ بلغة قريش { حتى }
ثم ساقت لنا السورة الكريمة بعد ذلك قصة دخول يوسف - عليه السلام - السجن ، مع ثبوت براءته ، مما نسب إليه ، وكيف أنه وهو في السجن لم ينس الدعوة إلى عبادة الله - تعالى - وحده ، وترك عبادة ما سواه ، وكيف أنه أقام الأدلة على صحة ما يدعو إليه ، وفسر لصاحبيه في السجن رؤياهما تفسيرا صادقا صحيحا .
استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول :
{ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ . . . } .
قوله - سبحانه - { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ حتى حِينٍ } بيان لما فعله العزيز وحاشيته مع يوسف - عليه السلام - بعد أن ثبتت براءته .
وبدا هنا من البداء - بالفتح - وهو - كما يقول الإِمام الرازى - عبارة عن تغير الرأى عما كان عليه في السابق .
والضمير في " لهم " يعود إلى العزيز وأهل مشورته .
والمراد بالآيات : الحجج والبراهين الدالة على براءة يوسف ونزاهته ، كانشقاق قميصه من دبر ، وقول امرأة العزيز ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ، وشهادة الشاهد بأن يوسف هو الصادق وهى الكاذبة . . . والحين : الزمن غير المحدد بمدة معينة .
والمعنى : ثم ظهر للعزيز وحاشيته ، من بعد ما راوا وعاينوا البراهين المتعددة الدالة على صدق يوسف - عليه السلام - وطهارة عرضه . . بدا لهم بعد كل ذلك أن يغيروا رأيهم في شأنه ، وأن يسجنوه في المكان المعد لذلك ، إلى مدة غير معلومة من الزمان .
واللام في قوله " ليسجننه " جواب القسم محذوف على تقدير القول أى : ظهر لهم من بعد ما رأوا الآيات قائلين ، والله ليسجننه حتى حين .
ولا شك أن الأمر بسجن يوسف - عليه السلام - كان بتأثير من امرأة العزيز ، تنفيذا لتهديدها بعد أن صمم يوسف - عليه السلام - على عصيانها فيما تدعوه إليه ، فقد سبق أن حكى القرآن عنها قولها { وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن الصاغرين } ولا شك - أيضا - أن هذا القرار بسجن يوسف يدل على أن المرأة العزيز كانت مالكة لقياد زوجها صاحب المنصب الكبير ، فهى تقوده حيث تريد كما يقود الرجل دابته .
ولقد عبر عن هذا المعنى صاحب الكشاف فقال ما ملخصه : قوله { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات . . . }
وهى الشواهد على براءته ، وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها ، وفتلها منه في الذروة والغارب ، وكان مطواعا لها ، وجملا ذلولا زمامه في يدها ، حتى أنساه ذلك ما عاين من الآيات ، وعمل برأيها في سجنه ، لإِلحاق الصغار به كما أوعدته ، وذلك لما أيست من طاعته لها ، وطمعت في أن يذلله السجن ويسخره لها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.