لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{حمٓ} (1)

مقدمة السورة:

قوله جل ذكره : { بسم الله الرحمان الرحيم } .

" بسم الله " كلمة من تحقق بها شرف من الحق مناله ، وصفت عنده أحواله ، وخلع على نفسه رداء الأفضال ، وألبس قلبه جلال الإقبال ، وأفرد روحه بروح لطف الجمال ، واستخلص سره بكشف وصف الجلال .

قوله جل ذكره : { حم } .

أي حُمَّ أمرٌ كائن .

ويقال " الحاء " إشارة إلى حِلْمِه " والميم " إشارة إلى مجده أي : بحِلْمي ومجدي لا أُخَلِّدُ في النار مَنْ آمنَ بي .

ويقال هذه الحروف مفاتح أسمائه .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{حمٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة غافر

وتسمى سورة غافر وسورة الطول وهي كما روي عن ابن عباس وابن الزبير ومسروق وسمرة بن جندب مكية وحكى أبو حيان الإجماع على ذلك وعن الحسن أنها مكية إلا قوله تعالى : { وسبح بحمد ربك } لأن الصلوات نزلت بالمدينة وكانت الصلاة بمكة ركعتين من غير توقيت وأنت تعلم أن الحق قول الأكثرين : أن الخمس نزلت بمكة على أنه لا يتعين إرادة الصلاة بالتسبيح في الآية وقيل : هي مكية إلا قوله تعالى : { إن الذين يجادلون } الآية فإنها مدنية فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية وغيره أنها نزلت في اليهود لما ذكروا الدجال وهذا ليس بنص على أنها نزلت بالمدينة قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وقولهم نزلت الآية في كذا يراد به تارة سبب النزول ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب كما تقول : عني بهذه الآية كذا وقال الزركشي في البرهان : قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال : نزلت الآية في كذا فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزولها فهو من جنس الإستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع نعم سيأتي إن شاء الله تعالى عن أبي العالية ما هو كالنص على ذلك . وآيها خمس وثمانون في الكوفي والشامي وأربع في الحجازي واثنان في البصري وقيل : ست وثمانون وقيل : ثمان وثمانون ووجه مناسبة أولها لآخر الزمر أنه تعالى لما ذكر سبحانه هناك ما يؤل إليه حال الكافر وحال المؤمن ذكر جل وعلا أنه تعالى غافر الذنب وقابل التوب ليكون استدعاء للكافر إلى الإيمان والإقلاع عما هو فيه وبين السورتين أنفسهما أوجه من المناسبة ويكفي فيها أنه ذكر في كل من أحوال يوم القيامة وأحوال الكفرة فيه وهم في المحشر وفي النار ما ذكر وقد فصل في هذه من ذلك ما لم يفصل منه في تلك وفي تناسق الدرر وجه إيلاء الحواميم السبع لسورة الزمر تواخي المطالع في الإفتتاح بتنزيل الكتاب وفي مصحف ابن مسعود أول الزمر { حم } وتلك مناسبة جلية ثم إن الحواميم ترتيب لاشتراكها في الإفتتاح بحم وبذكر الكتاب وأنها مكية بل ورد عن ابن عباس وجابر بن زيد أنها نزلت عقب الزمر متتاليات كترتيبها في المصحف وورد في فضلها أخبار كثيرة أخرج أبو عبيد في فضائله عن ابن عباس قال : إن لكل شيء لبابا وإن لباب القرآن الحواميم وأخرج هو وابن الضريس وابن المنذر والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال : الحواميم ديباج القرآن وأخرجه أبو الشيخ وأبو نعيم والديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه وأخرج الديلمي وابن مردويه عن سمرة بن جندب مرفوعا الحواميم روضة من رياض الجنة . وأخرج محمد بن نضر والدارمي عن سعد بن إبراهيم قال : كن الحواميم يسمين العرائس وأخرج ابن نصر وابن مردويه عن أنس بن مالك قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : إن الله تعالى أعطاني السبع الطوال مكان التوراة وأعطاني الراءات إلى الطواسين مكان الإنجيل وأعطاني ما بين الطواسين إلى الحواميم مكان الزبور وفضلني بالحواميم والمفصل ما قرأهن نبي قبلي وأخرج البيهقي في الشعب عن الخليل بن مرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الحواميم سبع وأبواب جهنم سبع تجيء كل { حم } منها فتقف على باب من هذه الأبواب تقول : اللهم لا تدخل من هذا الباب من كان يؤمن بي ويقرؤني وجاء في خصوص بعض آيات هذه السورة ما يدل على فضله أخرج الترمذي والبزار ومحمد بن نصر وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ { حم } إلي وإليه المصير وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح .

{ حم } بتفخيم الألف وتسكين الميم ، وقرأ ابن عامر برواية ذكوان ، وحمزة . والكسائي . وأبو بكر بالإمالة الصريحة ، ونافع برواية ورش . وأبو عمرو بالإمالة بين بين ، وقرأ ابن أبي إسحاق . وعيسى بفتح الميم على التحريك لالتقاء الساكنين بالفتحة للخفة كما في أين وكيف ، وجوز أن يكون ذلك نصباً بإضمار اقرأ ومنع من الصرف للعلمية والتأنيث لأنه بمعنى السورة أو للعلمية وشبه العجمة لأن فاعيل ليس من أوزان أبنية العرب وإنما وجد ذلك في لغة العجم كقابيل وهابيل ، ونقل هذا عن سيبويه . وفي «الكشف » أن الأولى أن يعلل بالتعريف والتركيب .

وقرأ أبو السمال بكسر الميم على أصل التقاء الساكنين كما في جيز : والزهري برفعها والظاهر أنه إعراب فهو إما مبتدأ أو خبر مبتدأ محذوف ، والكلام في المراد به كالكلام في نظائره ، ويجمع على حواميم وحاميمات أما الثاني فقد أنشد فيه ابن عساكر في تاريخه :

هذا رسول الله في الخيرات *** جاء بياسين وحاميمات

وأما الأول فقد تقدم عدة أخبار فيه ولا أظن أن أحداً ينكر صحة جميعها أو يزعم أن لفظ حواميم فيها من تحريف الرواة الأعاجم ؛ وأيضاً أنشد أبو عبيدة :

حلفت بالسبع الا لى تطولت *** وبمئين بعدها قد أمئيت

وبثمان ثنيت وكررت *** وبالطواسين اللواتي تليت

وبالحواميم اللواتي سبعت *** وبالمفصل التي قد فصلت

وذهب الجواليقي . والحريري . وابن الجوزي إلى أنه لا يقال حواميم ، وفي «الصحاح » عن الفراء أن قول العامة الحواميم ليس من كلام العرب ، وحكى صاحب زاد المسير عن شيخه أبي منصور اللغوي أن من الخطأ أن تقول : قرأت الحواميم والصواب أن تقول قرأت آل حم ، وفي حديث ابن مسعود إذا وقعت في آل حم فقد وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن ، وعلى هذا قول الكميت بن زيد في الهاشميات :

وجدنا لكم في آل حم آية *** تأولها منا تقي ومعرب

والطواسين والطواسيم بالميم بدل النون كذلك عندهم ، وما سمعت يكفي في ردهم . نعم ما قالوه مسموع مقبول كالذي قلناه لكن ينبغي أن يعلم أن آل في قولهم آل حم كما قال الخفاجي ليس بمعنى الآل المشهور وهو الأهل بل هو لفظ يذكر قبل ما لا يصح تثنيته وجمعه من الأسماء المركبة ونحوها كتأبط شراً فإذا أرادوا تثنيته أو جمعه وهو جملة لا يتأتى فيها ذلك إذ لم يعهد مثله في كلام العرب زادوا قبله لفظة آل أو ذوا فيقال : جاءني آل تابط شراً أو ذواتاً بط شراً أي الرجلان أو الرجال المسمون بهذا الاسم ، فآل حم بمعنى الحواميم وآل بمعنى ذو ، والمراد به ما يطلق عليه ويستعمل فيه هذا اللفظ وهو مجاز عن الصحبة المعنوية ، وفي كلام الرضى وغيره إشارة إلى هذا إلا أنهم لم يصرحوا بتفسيره فعليك بحفظه ، وحكي في الكشف أن الأولى أن يجمع بذوات حم أي دون حواميم أو حاميمات ومعناه السور المصحوبات بهذا اللفظ اعني حم .

ومن باب الإشارة : في بعض الآيات : على ما أشار إليه بعض السادات { حم } [ غافر : 1 ] إشارة إلى ما أفيض على قلب محمد صلى الله عليه وسلم من الرحمن فإن الحاء والميم من وسط الاسمين الكريمين ، وفي ذلك أيضاً سر لا يجوز كشفه ولما صدرت السورة بما أشار إلى الرحمة وأنها وصف المدعو إليه والداعي ذكر بعد من صفات المدعو إليه وهو الله عز وجل ما يدل على عظم الرحمة وسبقها ، وفي ذلك من بشار المدعو ما فيه .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{حمٓ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة غافر

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة وتمهيد

1- سورة " غافر " هي السورة الأربعون في ترتيب المصحف أما ترتيبها في النزول لهي السورة التاسعة والخمسون من السور المكية ، وكان نزولها بعد سورة " الزمر " .

ويبدو –والله أعلم- أن الحواميم ، كان نزولها على حسب ترتيبها في المصحف ، فقد ذكر صاحب الإتقان عند حديثه عن المكي والمدني من القرآن ، وعن ترتيب السور على حسب النزول .

ذكر سورة الزمر ، ثم غافر ، ثم فصلت ، ثم الشورى ، ثم الزخرف ، ثم الدخان ، ثم الجاثية ، ثم الأحقاف( {[1]} ) .

2- والمحققون من العلماء على أن سورة " غافر " من السور المكية الخالصة ، وقد حكى أبو حيان الإجماع على ذلك ، كما أن الإمام ابن كثير قال عنها بأنها مكية دون أن أن يستثني منها شيئا .

وقيل : كلها مكية إلا قوله –تعالى- : [ إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ، إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه . . . الآية ] .

ولكن هذا القيل وغيره لم تنهض له حجة يعتمد عليها ، فالرأي الصحيح أنها جميعها مكية .

3- وهذه السورة تسمى –أيضا- بسورة " المؤمن " لاشتمالها على قصة مؤمن آل فرعون . كما تسمى بسورة " الطول " لقوله –تعالى- في أوائلها : [ غافر الذنب ، وقابل التوب ، شديد العقاب ، ذي الطول . . . ] .

وعدد آياتها خمس وثمانون آية في المصحف الكوفي والشامي ، وأربع وثمانون في الحجازي ، واثنتان وثمانون في البصري .

4- وسورة " غافر " هي أول السور السبعة التي تبدأ بقوله –تعالى- [ حم ] والتي يطلق عليها لفظ " الحواميم " .

وقد ذكر الإمام ابن كثير من الآثار في فضل هذه السور ، منها : ما روي عن ابن مسعود أنه قال : " آل حم " ديباج القرآن . . ومنها ما روي عن ابن عباس أنه قال : " إن لكل شيء لبابا ، ولباب القرآن آل حم أو قال " الحواميم " ( {[2]} ) .

5- وقد افتتحت السورة الكريمة بالثناء على الله –تعالى- ، وبتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما لقيه من أذى المشركين ومن جدالهم ، وببيان وظيفة الملائكة الذي يحملون عرشه –تعالى- ، وأن منها الاستغفار للمؤمنين ، والدعاء لهم بقولهم –كما حكى القرآن عنهم- : [ . . . ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ، وقهم عذاب الجحيم . ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ، ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ، إنك أنت العزيز الحكيم . وقهم السيئات ، ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته ، وذلك هو الفوز العظيم ] .

6- ثم دعا –سبحانه- عباده إلى إخلاص الطاعة له ، وذكرهم بأهوال يوم القيامة ، وأنا الملك في هذا اليوم إنما هو لله –تعالى- وحده .

قال –تعالى- : [ فادعو الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق . يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء ، لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ] .

7- وبعد أن وبخ –سبحانه- الغافلين على عدم اعتبارهم بسوء عاقبة من سبقهم من الكافرين ، أتبع ذلك بجانب من قصة موسى –عليه السلام- مع فرعون وهامان وقارون ، وحكى ما دار بين موسى –عليه السلام- وبين هؤلاء الطغاة من محاورات .

كما حكى ما وجهه الرجل المؤمن من آل فرعون إلى قومه من نصائح حكيمة ، منها قوله –كما حكى القرآن عنه- : [ وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب . مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ، وما الله يريد ظلما للعباد . ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد . يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم ، ومن يضلل الله فما له من هاد ] .

8- وبعد أن ساق –سبحانه- تلك التوجيهات الحكيمة التي وجهها ذلك الرجل المؤمن –الذي يكتم إيمانه- إلى قومه . . . أتبع ذلك بحكاية جانب من المحاورات التي تدور بين الضعفاء والمتكبرين بعد أن ألقى بهم جميعا في النار .

كما حكى –سبحانه- ما يقولونه لخزنة جهنم على سبيل الاستعطاف والتذلل فقال : [ وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب . قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ] .

9- ثم ساق –سبحانه- بعد ذلك ألوانا من نعمه على عباده ، لكي يشكروه عليها ، ومن تلك النعم : إيجاده الليل والنهار ، وجعله الأرض قرارا والسماء بناء ، وتصويره الناس في أحسن تقويم ، وتحليله لهم الطيبات ، وخلقه لهم في أطوار متعددة .

قال –تعالى- : [ هو الذي خلقكم من تراب ، ثم من نطفة ، ثم من علقة ، ثم يخرجكم طفلا ، ثم لتبلغوا أشدكم ، ثم لتكونوا شيوخا ، ومنكم من يتوفى من قبل ، ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون ] .

10- ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن الذين يجادلون في آيات الله بغير علم ، فوبختهم على جهالاتهم وعنادهم ، وهددتهم بسوء المصير ، وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم أن يصبر على أذاهم ، وذكرته بأحوال الرسل السابقين مع أقوامهم ، وأنذرت مشركي مكة بأن مصيرهم سيكون كمصير المشركين من قبلهم ، إذ ما استمروا في طغيانهم وكفرهم ، وأنهم لن ينفعهم الإيمان عند حلول العذاب بهم .

قال –تعالى- : [ فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ، وكفرنا بما كنا به مشركين . فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ، سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ] .

11- هذا ، والمتدبر في سورة " غافر " بعد هذا العرض المجمل لآياتها يراها قد أقامت أنصع الأدلة وأفواها على وحدانية الله –تعالى- وقدرته ، كما يراها قد ساقت ألوانا من التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما لحقه من قومه ، تارة عن طريق قصص الأنبياء السابقين مع أقوامهم ، وتارة عن طريق التصريح بأن العاقبة سنكون له ولأتباعه ، كما في قوله –تعالى- : [ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ] .

كما يراها قد فصلت الحديث عن تكريم الله –تعالى- لعباده المؤمنين ، تارة عن طريق استغفار الملائكة لهم ، وتضرعهم إلى خالقهم أن يبعد الذين آمنوا من عذاب الجحيم .

قال –تعالى- : [ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ، ويؤمنون به ، ويستغفرون للذين آمنوا ، ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ] .

وتارة عن طريق وعدهم بإجابة دعائهم ، كما في قوله –تعالى- : [ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ] .

كما يراها قد اهتمت بالحديث عن مصارع الغابرين ، بأسلوب يغرس الخوف في القلوب ، ويبعث على التأمل والتدبر .

كما في قوله –تعالى- : [ كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم ، وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ، فأخذتهم ، فكيف كان عقاب ] .

وكما في قوله –تعالى- : [ أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم ، وما كان لهم من الله من واق ] .

كما يراها قبل كل ذلك وبعد كل ذلك لها أسلوبها البليغ المؤثر في إحقاق الحق وإبطال الباطل ، وفي تثبيت المؤمن وزلزلة الكافر ، وفي تعليم الدعاة كيف يخاطبون غيرهم بأسلوب مؤثر حكيم ، نراه متمثلا في تلك النصائح الغالية التي وجهها مؤمن آل فرعون إلى قومه . والتي حكاها القرآن في قوله [ وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ، أتقتلون رجلا أن يقول ربي ا لله ، وقد جاءكم بالبينات من ربكم ، وإن يك كاذبا فعليه كذبه ، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ، إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ] .

نسأل الله –تعالى- أن ينفعنا بتوجيهات القرآن الكريم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

د . محمد سيد طنطاوي

القاهرة – مدينة نصر

مساء الجمعة : 28 من ذي الحجة سنة 1405ه / 13/9/1985م .

سورة " غافر " من السور التى افتتحت ببعض الحروف المقطعة ، وهو قوله - تعالى - : { حما } .

وقد ذكرنا آراء العلماء فى تلك الحروف المقطعة بشئ من التفصيل ، عند تفسيرنا لسور : البقرة ، وآل عمران ، والأعراف ، ويونس . .

وقلنا ما خلاصته : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، قد جئ بها فى افتتاح بعض السور : على سبيل الإِيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن .

فكأنه - سبحانه - يقول لهؤلاء المعاندين والمعارضين فى أن القرآن من عند الله : ها كم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم ، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم فى شك فى أنه من عند الله - تعالى - فهاتوا مثله ، أو عشر سور فى مثله ، أو سورة واحدة من مثله ، فعجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت أن هذا القرآن من عند الله ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا .


[1]:- سورة إبراهيم: الآية 1.
[2]:- سورة الإسراء. الآية 9.