لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ} (39)

الباء في { بِمَا أَغْوَيْتَنى } باء القسم ، ولم يكن إغواؤه إياه مما يجب أن يُقْسِم به لولا فَرْطُ جَهْلِه . ثم هو في المعنى صحيح ، لأنَّ الإغواء مما يتفرَّدُ الحق بالقدرة عليه ، ولا يشاركه فيه أحد ، ولكن اللَّعِينَ لا يعرف الله الحقيقة ، إذ لو عَرَفَه لم يدعُ إلى الضلال ، لأنه لو قدر على إضلالِ غيره لاستبقى على الهدايةِ نَفْسَه . وعند أهل التحقيق إنه يقول جميع ذلك حَدْساً وهو لم يَعْرِفْ الله - على الحقيقة - قَطُّ .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ} (39)

قوله تعالى : { قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ( 39 ) إلا عبادك منهم المخلصين ( 40 ) قال هذا صراط على مستقيم ( 41 ) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ( 42 ) وإن جهنم لموعدهم أجمعين ( 43 ) لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ( 44 ) } ما ، في قوله : ( بما ) مصدرية ؛ أي بسبب إغوائك إياي ، وقيل : الباء للقسم ؛ أي أقسم بإغوائك إياي ( لأزينن لهم في الأرض ) فقد أقسم إبليس على أن يزين المعاصي لذرية آدم في الدنيا بما يجعلها تروق لهم فيستحسنونها ويجدون فيها ما يثير فيهم القبول والاستمتاع فيقبلون عليها إقبالا جامحا ومغاليا . وهم بذلك يركضون لاهثين جامحين ؛ إذ تستنفرهم الغرائز المشبوبة وتؤزهم الشهوات المستشرية في العميق من طبائعهم . والمراد بالأرض ، الدنيا ؛ فهي محل متاعها ودارها . بل هي دار غرور يفتتن الناس بطيباتها ولذائذها وزخرفها ؛ فهي بذلك مستقر للتزيين والإغواء والإضلال .

قوله : ( ولأغوينهم أجمعين ) إغواء الشيطان يعني تزيينه الباطل في أعين الناس وحسهم لكي يفعلوه . ولأغوينهم ، أي لأضلنهم عن الهدى وأرغبنهم في الباطل وصنع كل محظور . ثم استثنى إبليس من جملة ذرية آدم عباد الله المخلصين وهو قوله : ( إلا عبادك منهم المخلصين ) بفتح اللام ؛ أي الذين أخلصتهم لطاعتك والتزام شرعك ومنهاجك بأن وفقتهم لذلك . فأولئك ليس لي عليهم سلطان ، ولا اقتدار على إضلالهم . وقرأ آخرون اللام بالكسر في المخلصين ؛ أي إلا عبادك الذين أخلصوا لك العبادة والطاعة ولم يشركوا معك في ذلك أحدا سواك فكانوا مبرأين من كل شرك أو رياء .