هؤلاء قوم لم يجعلهم الحق سبحانه أهل المحبة ، فَشَغَلهم بمحبة الأغيار حتى رضوا لأنفسهم أن يحبوا كل ما هَوَتَهْ أنفسهم ، فرضوا بمعمولٍ لهم أن يعبدوه ، ومنحوت - من دونه - أن يحبوه .
قوله جلّ ذكره : { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أَنَّ القُوَّةَ للهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ العَذَابِ } .
ليس المقصود من هذا ذكر محبة الأغيار للأصنام ، ولكن المراد منه مدح المؤمنين على محبتهم ، ولا تحتاج إلى كثير محبة حتى تزيد على محبة الكفار للأصنام ، ولكن من أحبَّ حبيباً استكثر ذكره ، بل استحسن كل شيء منه .
ويقال وجه رجحان محبة المؤمنين لله على محبة الكفار لأصنامهم أن ( هذه ) محبة الجنس للجنس ، وقد يميل الجنس إلى الجنس ، وتلك محبةُ من ليس بجنسٍ لهم فذلك أعزُّ وأحق .
ويقال إنهم أحبوا ما شاهدوه ، وليس بعجيب محبة ما هو لك مشهود ، وأمَّا المؤمنون فإنهم أحبوا من حَالَ بينهم وبين ( شهوده ) رداء الكبرياء على وجهه .
ويقال الذين آمنوا أشد حباً لله لأنهم لا يتبرأون من الله سبحانه وإنْ عَذَّبَهُم . والكافر تبرأ من الصنم والصنمُ من الكافر كما قال تعالى : { إذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا } الآية .
ويقال محبة المؤمنين حاصلة من محبة الله لهم فهي أتم ، قال تعالى :{ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ }
[ المائدة : 54 ] ومحبتهم للأصنام من قضايا هواهم .
ويقال محبة المؤمنين أتمُّ وأشدُّ لأنها على موافقة الأمر ، ومحبة الكفار على موافقة الهوى والطبع ، ويقال إنهم كانوا إذا صلحت أحوالهم ، واتسعت ذات يدهم اتخذوا أصناماً أحسن من التي كانوا يعبدونها قبل ذلك في حال فقرهم ؛ فكانوا يتخذون من الفضة - عند غناهم - أصناماً ويهجرون ما كان من الحديد . . . وعلى هذا القياس ! وأمَّا المؤمنون فأشَدُّ حباً لله لأنهم عبدوا إلهاً واحداً في السّراء والضراء .
قوله تعالى : ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هو بخارجين من النار ) .
الكافرون الذين يشركون مع الله غيره يتخذون من دون الأنداد . ومفردها الند أو النديد وهو الضد أو النظير والمثيل .
إن هؤلاء المشركين يعبدون من دون الله آلهة أضدادا آخرين . وهؤلاء الأضداد الأنداد كثيرون ما بين صنم ووثن ، أو حاكم طاغية متجبر ، أو رئيس ، أو ملك يستخف الناس لطاعته في كل الأحوال أو يرهبهم ويذلهم إذلالا . وسواء أطاعه قومه وامتثلوا لأمره وسلطانه من دون الله حبا أو نفاقا ، فإنهم يحتسبون مع المشركين الذين يعبدون مع الله آلهة أخرى .
وقوله : ( يحبونهم كحب الله ) أي يحب المشركون هذه الآلهة المصطنعة مثل حبهم لله ذاته سبحانه . فقد استقرت في أنفسهم وأذهانهم الشائهة محبة هؤلاء الأنداد من أصنام وأوثان وحاكمين وملوك بما يعدل محبتهم لله سبحانه .
وأكاد أقول : إن كثيرا ما تترجح في نفوس هؤلاء المشركين المحبة للآلهة المزيفة المصطنعة لتصبح أشد محبتهم لله . نلاحظ مثل هذا المعنى في أولئك المنافقين ن الناس- وفي زماننا هذا- الذين يعيشون داخرين أذلة وهم يتوددون في ملق للساسة وأولي الأمر والسلطان . وهم في ذلك يتوجهون إليهم في ضعف واستخذاء بأشد مما يتوجهون به إلى الله بارئهم .
قوله : ( والذين آمنوا أشد حبا لله ) إن المؤمنين يحبون الله الحب الأكبر ، الحب الذي يتضاءل دونه كل حب ، وإن محبتهم لله لهي أشد من محبة المشركين للأنداد على اختلاف صورها وأسمائها . بل إن محبة الله لهي إحساس مميز وفذ ؛ لأنها محبة قائمة على الحق ، مستندة إلى عميق الفطرة السليمة والذهن المستنير والوعي المسترشد البصير ، والعقيدة الصادقة الراسخة .
قوله : ( ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب ) هؤلاء المشركون الذين ظلموا في هذه الدنيا ، لو أنهم يرون العذاب الذي سيحيق بالظالمين لعلموا إذ ذاك أن القوة لله وحده .
وبعبارة أخرى لو يعلم المشركون ما سيحل بهم من عذاب على ظلمهم وشركهم ، لكانوا قد انتهوا عما هم فيه من ظلم ومخالفة عن أمر الله .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.