لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ} (125)

المُسْلِمُ لا يتحرك في باطنه عِرْقٌ للمنازعة مع التقدير ، فإن الإسلام يقتضي تسليم الكل بلا استئثار ، ومَنْ استثقل شيئاً من التكليف أو بقي منه نَفَسٌ لكراهية شيء فيعدُّ غير مستسلمٍ لحُكْمِه .

ويقال نورٌ في البداية هو نور العقل ، ونورٌ في الوسائط هو نور العلم ونور في النهاية هو نور العرفان ؛ فصاحب العقل مع البرهان ، وصاحب العلم مع البيان ، وصاحب المعرفة حكم العيان .

ويقال مَنْ وَجَدَ أنوار الغيب ظهرت له خفايا الأمور فلا يشكل عليه شيء من ذوات الصدور عند ظهور النور ، وقال صلى الله عليه وسلم : " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى " .

ويقال أول أثر لأنوار الغيب في العبد يُنَبِّهه إلى نقائص قَدَرِه ومساوئ غيِّه ، ثم يشغله عن شهود نفسه مما يلوح لقلبه من شهود ربه ، ثم غَلَباتُ الأنوار على سِرِّهِ حتى لا يشهد السرَّ بعد ما كان يشهد ؛ كالنَّاطِر في قُرصِ الشمس تُسْتَهْلَكُ أنوار بصره في شعاع الشمس كذلك تستهلك أنوار البصيرة في حقائق الشهود ، فيكون العبد صاحب الوجود دون الشهود ثم بعده خمود العبد بالكلية ، وبقاء الأحدية بنعت السرمدية .

قوله جلّ ذكره : { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرّجْسَ عَلَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } .

وذلك حتى لا يسعى في غير مراد الحق سبحانه ، وحدُّ البشرية ضيق القلب ، وصاحبه في أسْرِ الحدثان والأعلال ، ولا عقوبةَ أشدُّ من عقوبة الغفلة عن الحق .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ} (125)

قوله تعالى : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } ، أي : يفتح قلبه وينوره حتى يقبل الإسلام ، ولما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر ، فقال : ( نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح ) ، قيل : فهل لذلك أمارة ؟ قال : نعم ، الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزول الموت .

قوله تعالى : { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً } ، قرأ ابن كثير { ضيقا } ، بالتخفيف هاهنا وفي الفرقان ، والباقون بالتشديد ، وهما لغتان مثل : هين وهين ، ولين ولين .

قوله تعالى : { حرجا } ، قرأ أهل المدينة وأبو بكر بكسر الراء ، والباقون بفتحها ، وهما لغتان أيضا مثل : الدنف والدنف ، وقال سيبويه الحرج بالفتح : المصدركالطلب ، ومعناه ذا حرج ، وبالكسر الاسم ، وهو أشد الضيق ، يعني : يجعل قلبه ضيقاً حتى لا يدخله الإيمان . وقال الكلبي : ليس للخير فيه منفذ . قال ابن عباس : إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه ، وإذا ذكر شيئاً من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك . وقرأ عمر ابن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية ، فسأل أعرابياً من كنانة : ما الحرجة فيكم ؟ قال : الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ، ولا وحشية ، ولا شيء ، فقال عمر رضي الله عنه : كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير . قوله تعالى : { كأنما يصعد في السماء } ، قرأ ابن كثير : { يصعد } ، بالتخفيف ، وسكون الصاد ، وقرأ أبو بكر عن عاصم يصاعد بالألف .

أي يتصاعد ، وقرأ الآخرون { يصعد } ، بتشديد الصاد والعين ، أي : يتصعد ، يعني يشق عليه الإيمان كما يشق عليه صعود السماء ، وأصل الصعود المشقة ، ومنه قوله تعالى : { سأرهقه صعوداً } أي : عقبة شاقة .

قوله تعالى : { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } ، قال ابن عباس : الرجس هوا لشيطان ، أي : يسلط عليه . وقال الكلبي : هو المأثم ، وقال مجاهد : الرجس ما لا خير فيه . وقال عطاء : الرجس العذاب مثل الرجز . وقيل : هو النجس . روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال : ( اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس ) . وقال الزجاج : الرجس اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة .