المطالبةُ عليهن كالمطالبة على الرجال لشمولِ التكليف للجنسين ، فالواجبُ عليهن تركُ المحظوراتِ ، والندبُ والنَّفْلُ لهن صونُ القلب عن الشواغل والخواطر الردية ، ثم إنِ ارتّقَيْنَ عن هذه الحالة فالتعامي بقلوبهن عن غيرِ المعبود ، والله يختص برحمته من يشاء .
قوله : { وَلاَ يُبْدِينَ زِيْنَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } : ما أباح الله - سبحانه - على بيان مسائل الفقه فمُستثنى من الحظرِ ، وما وراء ذلك فالواجبُ عليهن حفظُ أنفسهن عن العقوبات في الآجل ، والتصاون عن أن يكون سبباً لفتنة قلوب عباده . والله سبحانه يتصل منهم نفعٌ بالخَلْقِ فلا تصيبُ أحداً بهم فتنةٌ .
وفي الجملةِ ما فيه زينة العبد لا يجوز إظهاره ؛ فكما أنَّ لِلنساءِ عورةً ولا يجوز لهن إبداء زينتهن فكذلك مَنْ ظهر للخَلْق ما هو زينة سرائره من صفاء أحواله وزكاء أعماله انقلب زَيْنُه شَيْئاً إلا ظهر على أحدٍ شيءٌ - لا بتعمله ولا بتكلُّفه - فذلك مستثنىً لأنه غير مُؤاخذٍ بما لم يكن بتصرفه وتكلفه ، فذوات المحارم على تفصيل بيان الشريعة يُسْتَثْنَى حُكْمُهن عن الحَظُر .
قوله جل ذكره : { أَوِ التَّابِعِينَ غيْرِ أُوْلِى الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } .
تُراعى في جميع ذلك آدابُ الشرع في الإباحة والحظر .
قوله جل ذكره : { وَتُوبُوا إِلّى اللَّهِ جميعاً أَيُّهَ المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .
التوبةُ الرجوعُ عن المذموماتِ من الأفعال إلى أضدادها المحمودة ، وجميع المؤمنين مأمورون بالتوبة ، فتوبةٌ عن الزَّلَّةِ وهي توبة العوام ، وتوبة عن الغفلة وهي توبة الخواص . . . وتوبةٌ على محاذرة العقوبة ، وتوبةٌ على ملاحظة الأمر .
ويقال أمَر الكافة بالتوبةِ ؛ العاصين بالرجوع إلى الطاعة من المعصية ، والمطيعين من رؤية الطاعة إلى رؤية التوفيق ، وخاصَّ الخاصِّ من رؤية التوفيق إلى مشاهدة الموفِّق .
ويقال مساعدة الأقوياء مع الضعفاء - رِفْقاً بهم - من أمارات الكَرَمِ .
ويقال في قوله : { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } يتبين أنَّه أمَرَهم بالتوبة لينتفعوا هم بذلك ، لا ليكون للحقِّ - سبحانه - بتوبتهم وطاعتهم تجمُّلٌ .
ويقال أحوجُ الناس إلى التوبة مَنْ تَوَهَّمَ أنَّه ليس يحتاج إلى التوبة .
{ ويحفظن فروجهن } عما لا يحل لهن من الزنا والسحاق والإبداء .
{ ولا يبدين زينتهن } الزينة : ما يتزين به ؛ كالخلخال والخضاب في الرجل ، والسوار في المعصم ، والقرط في الأذن ، والقلادة في العنق ، والوشاح في الصدر ، والإكليل في الرأس ، ونحو ذلك .
فلا يجوز للمرأة إظهارها حال ملابستها لمواضعها ، ولا يجوز للأجنبي النظر إليها كذلك ؛ والنهي عن إظهار الزينة حال ملابستها لمواضعها يستلزم النهي عن إظهار مواضعها بفحوى الخطاب . { إلا ما ظهر منها } أي ما جرت العادة بظهوره ؛ كالخاتم في الإصبع ، والكحل في العين ، والخضاب في الكف ، ونحو ذلك ، فإنه يجوز للمرأة إظهاره . وقيل : المراد بالزينة مواضعها من البدن ؛ فيحرم إظهارها ، وكذلك النظر إليها ؛ إلا ما استثنى لدفع الحرج وهو الوجه والكفان ، أو هما والقدمان .
{ وليضربن بخمرهن على جيوبهن } بيان لكيفية إخفاء بعض مواضع الزينة بعد النهي عن إبدائها ؛ أي وليلقين خمرهن على جيوبهن . والخمر : جمع خمار ، وهو ما تغطى به المرأة رأسها ، وتسمى المقنعة . وأصله من الخمر وهو الستر . والجيوب : جمع جيب ، وهو فتح في أعلى القميص يبدو منه بعض الجسد ؛ وأصله من الجيب بمعنى القطع . تقول : جبت القميص أجوبه وأجيبه ، إذا قوّرت جيبه . والمراد بالجيب هنا : محله وهو العنق . أمر النساء بستر شعورهن وأعناقهن ونحورهن وصدورهن بخمرهن عن الأجانب ؛ لئلا يرى منهن شيء من ذلك .
{ ولا يبدين زينتهن . . . } نهي النساء في هذه الآية عن إبداء مواضع الزينة الخفية لكل أحد ؛
إلا من استثنى فيها ، وهم اثنا عشر نوعا : الأزواج ؛ لأنهم المقصودون بالزينة ، ولأن كل بدن الزوجة حلال لهم . والمحارم السبعة المذكورون ؛ لاحتياج النساء لمخالطتهم ، وأمن الفتنة من قبلهم لما ركز في الطباع من النفرة من مماسة القرائب ، ويلحق لهم الأعمام والأخوال والمحارم من الرضاع . والتاسع – ما ذكره الله تعالى بقوله : { أو نسائهن } أي المختصات بهن بالصحبة والخدمة من الحرائر ، مسلمات كن أو غير مسلمات ؛ كما اختاره الإمام الرازي . وما روي عن السلف من منع تكشف المسلمات للكافرات محمول على الاستحباب . والعاشر – قوله تعالى : { أو ما ملكت أيمانهن } أي من الإماء . وأما العبيد فهم كالأجانب ؛ لأنهم فحول ليسوا أزواجا ولا محارم ، والشهوة متحققة فيهم لجواز النكاح في الجملة . والحادي عشر – قوله تعالى : { أو التابعين غير أولي الأربة من الرجال } وهم الرجال الذين لا حاجة لهم بالنساء ولا يعرفون شيئا من أمورهن ؛ بحيث لا تحدثهم أنفسهم بفاحشة ولا يصفونهن للأجانب .
والإربة : الحاجة . يقال : أرب الرجل إلى الشيء يأرب أربا وإربة ومأربة ، إذا احتاج إليه . والثاني عشر – قوله تعالى : { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } أي الأطفال الذين لم يعرفوا ما العورة ولم يميزوا بينها وبين غيرها ؛ من قولهم : ظهر على الشيء ، إذا اطلع عليه . أو الذين لم يبلغوا حد الشهوة والقدرة على الجماع ؛ من قولهم : ظهر على فلان ، إذا قوي عليه وغلبه .
{ ولا يضربن بأرجلهن } نهي النساء عن أن يضربن بأرجلهن في الأرض ليسمع صوت خلاخلهن من يسمعه من الرجال ؛ فيدعوهن ذلك إلى التطلع والميل إليهن ، وذلك سدا لذريعة الفساد .
وفي حكمه إبداء ما يخفين من زينتهن بأي وسيلة كانت . وأما صوتهن فليس بعورة ؛ كما في معتبرات كتب الشافعية ، فلا يحرم سماعه ؛ إلا أن خشيت منه فتنة أو التذاذ . وذهب الحنفية إلى أنه عورة .
لما أمر المؤمنين بغض الأبصار وحفظ الفروج ، أمر المؤمنات بذلك ، فقال : { وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } عن النظر إلى العورات والرجال ، بشهوة ونحو ذلك من النظر الممنوع ، { وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } من التمكين من جماعها ، أو مسها ، أو النظر المحرم إليها . { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } كالثياب الجميلة والحلي ، وجميع البدن كله من الزينة ، ولما كانت الثياب الظاهرة ، لا بد لها منها ، قال : { إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } أي : الثياب الظاهرة ، التي جرت العادة بلبسها إذا لم يكن في ذلك ما يدعو إلى الفتنة بها ، { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } وهذا لكمال الاستتار ، ويدل ذلك على أن الزينة التي يحرم إبداؤها ، يدخل فيها جميع البدن ، كما ذكرنا . ثم كرر النهي عن إبداء زينتهن ، ليستثني منه قوله : { إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ } أي : أزواجهن { أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ } يشمل الأب بنفسه ، والجد وإن علا ، { أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن } ويدخل فيه الأبناء وأبناء البعولة مهما نزلوا { أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ } أشقاء ، أو لأب ، أو لأم . { أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ } أي : يجوز للنساء أن ينظر بعضهن إلى بعض مطلقا ، ويحتمل أن الإضافة تقتضي الجنسية ، أي : النساء المسلمات ، اللاتي من جنسكم ، ففيه دليل لمن قال : إن المسلمة لا يجوز أن تنظر إليها الذمية .
{ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } فيجوز للمملوك إذا كان كله للأنثى ، أن ينظر لسيدته ، ما دامت مالكة له كله ، فإن زال الملك أو بعضه ، لم يجز النظر . { أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ } أي : أو الذين يتبعونكم ، ويتعلقون بكم ، من الرجال الذين لا إربة لهم في هذه الشهوة ، كالمعتوه الذي لا يدري ما هنالك ، وكالعنين الذي لم يبق له شهوة ، لا في فرجه ، ولا في قلبه ، فإن هذا لا محذور من نظره .
{ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } أي : الأطفال الذين دون التمييز ، فإنه يجوز نظرهم للنساء الأجانب ، وعلل تعالى ذلك ، بأنهم لم يظهروا على عورات النساء ، أي : ليس لهم علم بذلك ، ولا وجدت فيهم الشهوة بعد ودل هذا ، أن المميز تستتر منه المرأة ، لأنه يظهر على عورات النساء .
{ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ } أي : لا يضربن الأرض بأرجلهن ، ليصوت ما عليهن من حلي ، كخلاخل وغيرها ، فتعلم زينتها بسببه ، فيكون وسيلة إلى الفتنة .
ويؤخذ من هذا ونحوه ، قاعدة سد الوسائل ، وأن الأمر إذا كان مباحا ، ولكنه يفضي إلى محرم ، أو يخاف من وقوعه ، فإنه يمنع منه ، فالضرب بالرجل في الأرض ، الأصل أنه مباح ، ولكن لما كان وسيلة لعلم الزينة ، منع منه .
ولما أمر تعالى بهذه الأوامر الحسنة ، ووصى بالوصايا المستحسنة ، وكان لا بد من وقوع تقصير من المؤمن بذلك ، أمر الله تعالى بالتوبة ، فقال : { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ } لأن المؤمن يدعوه إيمانه إلى التوبة ثم علق على ذلك الفلاح ، فقال : { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فلا سبيل إلى الفلاح إلا بالتوبة ، وهي الرجوع مما يكرهه الله ، ظاهرا وباطنا ، إلى : ما يحبه ظاهرا وباطنا ، ودل هذا ، أن كل مؤمن محتاج إلى التوبة ، لأن الله خاطب المؤمنين جميعا ، وفيه الحث على الإخلاص بالتوبة في قوله : { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ } أي : لا لمقصد غير وجهه ، من سلامة من آفات الدنيا ، أو رياء وسمعة ، أو نحو ذلك من المقاصد الفاسدة .