لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (286)

قوله جلّ ذكره : { لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } .

لكمال رحمته بهم وقفهم على حد وسعهم ودون ذلك بكثير ، كل ذلك رِفق منه وفضل . { لَهَا مَا كَسَبَتْ } .

من الخيرات .

{ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } .

ما تكسبه من التوبة التي تُنَجِّي من كسب .

قوله جلّ ذكره : { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } .

كان إذا وقعت حاجة كلَّموه بلسان الواسطة . قالوا :{ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ }

[ الأعراف : 134 ] وهذه الأمة قال لهم :{ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ }[ غافر : 60 ] .

وكانت الأمم ( السالفة ) إذا أذنبوا احتاجوا إلى مضي مدة لقبول التوبة ، وفي هذه الأمة قال صلى الله عليه وسلم : " الندم توبة " .

وكانت الأمم السالفة منهم من قال اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، وهذه الأمة اختصت بإشراق أنوار توحيدهم ، وخصائصُهم أكثر من أن يأتي عليه الشرح .

قوله جلّ ذكره : { وَاعْفُ عَنَّا } .

في الحال .

{ وَاغْفِرْ لَنَا } .

في المآل .

{ وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ } .

في جميع الأحوال إذ ليس لنا أحد سواك ، فأنت مولانا فاجعل النصرة لنا على ما يشغلنا عنك .

ولمَّا قالوا : { وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِنَا } خَسَفَ الله ذنوبهم بدل خسف المتقدمين ، فأبدل ذنوبهم حسنات بدل مسخهم ، وأمطر عليهم الرحمة بدل ما أمطر على المتقدمين من الحجارة .

والحمد لله رب العالمين .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (286)

إلا وسعها : إلا طاقتها .

كسبت واكتسبت : الفرق بينهما أن كسبت تستعمل في الخير ، واكتسبت في الشر . إصرا : حِملا ثقيلا ، وهي التكاليف الشاقة التي كانت تفرض على الأمم السابقة لكثرة عنادها وتشددها .

مولانا : مالكنا ومتولي أمورنا .

وقد منّ الله على المؤمنين حيث قال : { لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } ، أي :

لا يكلف عباده إلا ما يطيقون ، فضلا منه ورحمة ، فلكل نفس ما كسبت من قول أو فعل ، وعليها ضرّ ما اكتسبت من شر .

ثم علّم الله المؤمنين كلمات يدعونه بها ترفع عنهم الحرج ، وتخفف عنهم عبء الخطأ والنسيان فقال : قولوا ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ولا تشدّد علينا فتكلّفنا ما يشق علينا كما شدّدت على بني إسرائيل بسبب تعنتهم وظلمهم .

ربنا لا تحمّلنا ما يشق علينا من الأحكام والتكاليف ، واعفُ عنا بكرمك ، واغفر لنا بفضلك ، وارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء ، إنك أنت مالكنا ومتولي أمورنا فانصرنا يا ربنا على القوم الكافرين حتى نقوم بنشر دينك وإعلاء كلمتك .

وقد روى الطبراني في آخر هذه السورة عن ابن عباس أن رسول الله عند قراءة هذه الآية قال «إن الله تعالى يقول قد فعلت ، أي : عفوتُ عنكم وغفرت لكم ورحمتكم ونصرتكم على الكافرين ، فأعطيتُ هذه الأمة خوايتم سورة لم تعطَها الأمم قبلها » فإذا اتخذ المسلمون العدّة ، وقاموا ببذل الوسع في استكمال الوسائل التي أرشد إليها المولى سبحانه ، فإنه يستجيب دعوتهم وينصرهم على أعدائهم . فلقد ورد في الأثر أن هذه الأمة لا تغلب من قلّة ، لكنها قد تغلب لعدم قيام وُلاتها بالحق ، وغفلة شعوبها عن واجباتهم .

نسأل الله تعالى أن يوفقَنا إلى العمل الصادق بكتابه وسنته وأن يجمعَ شملنا ، ويوحدَ كلمتنا ، إنه نعم المولى ونعم النصير .