الصبر يختلف باختلاف الأغراض التي لأَجْلِها يصبر الصابر ، فالعُبَّاد يصبرون لخوف العقوبة ، والزهاد يصبرون طمعاً في المثوبة ، وأصحاب الإرادة هم الذين صبروا ابتغاء وجهِ ربهم ؛ وشرطُ هذا النوع من الصبر رَفْضُ ما يمنع من الوصول ، واستدامةُ التوقي منه ، فيدخل فيه ترك الشهوات ، والتجردُ عن جميع الشواغل والعلاقات ، فيصبر عن العِلَّةِ والزَّلةِ ، وعن كل شيءٍ يشغل عن الله .
ومما يجب عليه الصبر الوقوفُ على حكم تَعزُّز الحق ، فإنَّه - سبحانه - يتفضِّل على الكافة من المجتهدين ، ويتعزز - خصوصاً- على المريدين ، فيمنحهم الصبر في أيام إرادتهم ، فإذا صَدَقُوا في صبرهم جَادَ عليهم بتحقيق ما طلبوا .
قوله جلّ ذكره : { وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيةً } .
الأغنياء ينفقون أموالَهم . والعُبَّاد ينفقون نفوسَهم ويتحملون صنوف الاجتهاد ، ويصبرون على أداء الفرائض والأوراد . والمريدون ينفقون قلوبهم فيسرعون إلى أداء الفرائض والأوراد ويصبرون إلى أن يبوحَ علم من الإقبال عليهم . وأمَّا المحبون فينفقون أرواحَهم . . وهي كما قيل :
ألستَ لي خَلَفاً ؟ كفى شَرَفَاً *** فما وراءكَ لي قَصْدٌ ومطلوبُ
قوله جلّ ذكره : { وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيْئَةَ أُوَْلئِكَ لَهُمُ عُقْبَى الدَّارِ } .
يعاشرون الناس بِحُسْنِ الخلُق ؛ فيبدأون بالإنصاف ولا يطلبون الانتصاف ، وإِنْ عَامَلَهم أحدٌ بالجفاء قابلوه بالوفاء ، وإِنْ أذنب إليهم قومٌ اعتذروا عنهم ، وإن مرضوا عادوهم .
{ وَالَّذِينَ صَبَرُوا } على المأمورات بالامتثال ، وعن المنهيات بالانكفاف عنها والبعد منها ، وعلى أقدار الله المؤلمة بعدم تسخطها .
ولكن بشرط أن يكون ذلك الصبر { ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ } لا لغير ذلك من المقاصد والأغراض الفاسدة ، فإن هذا هو الصبر النافع الذي يحبس به العبد نفسه ، طلبا لمرضاة ربه ، ورجاء للقرب منه ، والحظوة بثوابه ، وهو الصبر الذي من خصائص أهل الإيمان ، وأما الصبر المشترك الذي غايته التجلد ومنتهاه الفخر ، فهذا يصدر من البر والفاجر ، والمؤمن والكافر ، فليس هو الممدوح على الحقيقة .
{ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ } بأركانها وشروطها ومكملاتها ظاهرا وباطنا ، { وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً } دخل في ذلك النفقات الواجبة كالزكوات والكفارات والنفقات المستحبة وأنهم ينفقون حيث دعت الحاجة إلى النفقة ، سرا وعلانية ، { وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ } أي : من أساء إليهم بقول أو فعل ، لم يقابلوه بفعله ، بل قابلوه بالإحسان إليه .
فيعطون من حرمهم ، ويعفون عمن ظلمهم ، ويصلون من قطعهم ، ويحسنون إلى من أساء إليهم ، وإذا كانوا يقابلون المسيء بالإحسان ، فما ظنك بغير المسيء ؟ !
{ أُولَئِكَ } الذين وصفت صفاتهم الجليلة ومناقبهم الجميلة { لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ } فسرها بقوله :
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.