الإشارة فيه إلى حال من سلك طريق الإرادة ، ثم رجع إلى ما هو عليه أهل العادة ، قال بتَرْكِ نفسه ثم لم يَصْدُق حين عزم الأمر ، ونزل من إشارة الحقيقة إلى رخص الشريعة ، وكما أنَّ من سلك الطريق بنفسه - ما دام يبقى درهم في كيسه - فغيرُ محمودٍ رجوعُه فكذلك من قصد بقلبه - ما دام يبقى نَفَسٌ من روحه - فغير مَرْضيِّ رجوعهُ :
إن الأُلى ماتوا على دين الهدى *** وجدوا المنية منهلاً معلولا
ويقطعون ما أمر الله به أن يُوصَل : وصل أسباب الحق بقطع أسباب الخَلْق ، ولا يتم وصل مَا لَهُ إلا بقطع ما لَكَ ، فإذا كان الأمر بالعكس كان الحال بالضد .
ومما أُمِرَ العبد بوصله : حفظه دِمام أهل هذه الطريقة ، والإنفاق على تحصيل ذلك بصدق الهمم لا ببذل النِّعَم ، فهممهم على اتصال أسباب هذه الطريقة وانتظام أحوالها موقوفة ، وقلوبهم إلى توقع الحراسة من الله تعالى لأهلها مصروفة . وفساد هذه الطريقة في الأرض : أما مَنْ لهم حواشي أحوالهم ، وإطراق أمورهم فيتشاغلون عن إرشادِ مريدٍ بكلامهم ، وإشحاذِ قاصدٍ بهممهم ؛ وذلك مما لا يرضى به الحق سبحانه منهم .
ومِنْ نَقْضِ العهد أيضاً أن يحيد سِرُّك لحظةً عن شهوده ، ومِنْ قَطْع ما أُمِرْتَ بِوَصْلِه أن يتخلل أوقاتك نَفَسٌ لحظِّك دون القيام بحقه ، ومِنْ فسادِكَ في الأرض ساعة تجري عليك ولم تَرَهُ فيها . أَلاَ إن ذلك هو الخسران المبين ، والمحنة العظمة ، والرزية الكبرى .
ثم وصف الفاسقين فقال : { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ } وهذا يعم العهد الذي بينهم وبينه{[79]} والذي بينهم وبين عباده{[80]} الذي أكده عليهم بالمواثيق الثقيلة والإلزامات ، فلا يبالون بتلك المواثيق ، بل ينقضونها ويتركون أوامره ويرتكبون نواهيه ، وينقضون العهود التي بينهم وبين الخلق .
{ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة ، فإن الله أمرنا أن نصل ما بيننا وبينه بالإيمان به والقيام بعبوديته ، وما بيننا وبين رسوله بالإيمان به ومحبته وتعزيره والقيام بحقوقه ، وما بيننا وبين الوالدين والأقارب والأصحاب ، وسائر الخلق بالقيام بتلك الحقوق{[81]} التي أمر الله أن نصلها .
فأما المؤمنون فوصلوا ما أمر الله به أن يوصل من هذه الحقوق ، وقاموا بها أتم القيام ، وأما الفاسقون ، فقطعوها ، ونبذوها وراء ظهورهم ، معتاضين عنها بالفسق والقطيعة ، والعمل بالمعاصي ، وهو : الإفساد في الأرض .
ف { فَأُولَئِكَ } أي : من هذه صفته { هُمُ الْخَاسِرُونَ } في الدنيا والآخرة ، فحصر الخسارة فيهم ، لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم ، ليس لهم نوع من الربح ، لأن كل عمل صالح شرطه الإيمان ، فمن لا إيمان له لا عمل له ، وهذا الخسار هو خسار الكفر ، وأما الخسار الذي قد يكون كفرا ، وقد يكون معصية ، وقد يكون تفريطا في ترك مستحب ، المذكور في قوله تعالى : { إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ } فهذا عام لكل مخلوق ، إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح ، والتواصي بالحق ، والتواصي بالصبر ، وحقيقة فوات الخير ، الذي [ كان ] العبد بصدد تحصيله وهو تحت إمكانه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.