قيمةُ الفقرِ تظهر عند سقوط الأمر ، ولو لم يكن في القلة خيرٌ إلا هذا لكفي لها بهذا فضيلة ؛ بقوا في أوطانهم ولم يتوجَّه عليهم بالجهادِ أمرٌ ، ولا بمفارقة المنزل امتحان . واكتفى منهم بنصيحة القلب ، واعتقادِ أَنْ لو قدروا لخرجوا .
وأصحابُ الأموال امتُحِنوا - اليومَ - بِجَمْعِهَا ثم بِحِفْظِهَا ، ثم مَلَكَتْهُم محنتُها حتى شقَّتْ عليهم الغيبةُ عنها ، ثم توجَّه اللومُ عليهم في تَرْكِ إِنفاقها ، ثم ما يعقبه - غداً من الحسابِ والعذاب يربو على الجميع .
وإِنَّما رفع الحَرَجَ عن أولئك بشرطٍ وهو قوله : { إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ } فإذا لم يوجد هذا الشرطُ فالحرجُ غيرُ مرتفع عنهم .
قوله : { مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ } : المُحْسِنُ الذي لا تكون للشرع منه مطالبة لا في حقِّ الله ولا في حقِّ الخَلْق .
ويقال هو الذي يعلم أَنَّ الحادثاتِ كلَّها من الله تعالى .
ويقال هو الذي يقوم بحقوقِ ما نِيط به أَمْرُه ؛ فلو كان طيرٌ في حكمه وقَصَّرَ في عَلَفِه - لم يكن محسناً .
{ لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( 91 ) وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ( 92 ) } .
حرج : المراد به : الإثم والذنب ، ومعناه في الأصل : الضيق ويطلق على الذنب ؛ لأنه تضيق به صدور المؤمنين .
إذا نصحوا الله ورسوله : أي : إذا قاموا بما استطاعوا من قول وفعل يعود بصلاح الحال على الإسلام والمسلمين .
ما على المحسنين من سبيل : أي : ما عليهم من طريق إلى عقابهم أو عتابهم .
91 – { لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ . . . } الآية .
هناك ارتباط واضح بين هذه الآية وما قبلها ، فبعد أن ذكر سبحانه : الوعيد للمتخلفين بدون عذر ، والمنتحلين للأعذار ، ذكر هنا أصحاب الأعذار الحقيقية ، وبين إسقاط فريضة الجهاد عنهم .
المعنى : هناك أصناف ثلاثة من أصحاب العذار المقبولة : وهم : الضعفاء ، والمرضى ، والفقراء فليس على الضعفاء العاجزين عن القتال ؛ لعلة في تكوينهم ، أو لشيخوخة أقعدتهم ، ولا على المرضى الذين حالت أمراضهم بينهم وبين الجهاد ، ولا على الفقراء الذين لا يجدون ما ينفقونه على الحرب ، ولا يجدون الرواحل التي يسافرون عليها إلى أرض المعركة ، ليس على هؤلاء جميعا ، إثم أو ذنب أو عتاب في عدم الجهاد ، إذا نصحوا لله ورسوله ، بأن أخلصوا الإيمان لله في السر والعلن ، وعرفوا الحق ، وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداه ، وحافظوا على المصلحة العليا للأمة في كتمان السر ، والحث على البر ، ومكافحة الأراجيف والقضاء على الإشاعات الكاذبة أو المغرضة .
روى مسلم عن تميم الداري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الدين النصيحة " ؛ قالوا : لمن يا رسول الله ؟ قال : " لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين ، وعامتهم " 132 .
والنصيحة لله ولرسوله : إخلاص الإيمان بهما ، وطاعتهما ، والحب والبغض فيهما .
والنصيحة لكتابه : تلاوته وتدبر معانيه ، والعمل بما فيه .
والنصيحة لأئمة المسلمين : مؤازرتهم وترك الخروج عليهم ، وإرشادهم إن أخطئوا .
والنصيحة لعامة المسلمين : إرشادهم إلى طريق الحق ، والعمل على تقويتهم ودعوتهم إلى إخلاص العمل ، والبعد عن الغش .
إن كل ناصح لله ولرسوله محسن ، ولا سبيل إلى مؤاخذة المحسن وإيقاعه في الحرج ، فقد أدى ما وجب عليه ، من قول أو عمل حسب طاقته ، وليس عليه سبيل إلى عقاب أو عتاب ؛ لدخوله في عداد المحسنين .
واسع المغفرة والرحمة ، يستر على عباده المخلصين ما يصدر عنهم من تقصير تقتضيه طبيعتهم البشرية .
{ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ ْ } في أبدانهم وأبصارهم ، الذين لا قوة لهم على الخروج والقتال . { وَلَا عَلَى الْمَرْضَى ْ }
وهذا شامل لجميع أنواع المرض الذي{[379]} لا يقدر صاحبه معه على الخروج والجهاد ، من عرج ، وعمى ، وحمى ، وذات الجنب ، والفالج ، وغير ذلك .
{ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ ْ } أي : لا يجدون زادا ، ولا راحلة يتبلغون بها في سفرهم ، فهؤلاء ليس عليهم حرج ، بشرط أن ينصحوا للّه ورسوله ، بأن يكونوا صادقي الإيمان ، وأن يكون من نيتهم وعزمهم أنهم لو قدروا لجاهدوا ، وأن يفعلوا ما يقدرون عليه من الحث والترغيب والتشجيع على الجهاد .
{ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ْ } أي : من سبيل يكون عليهم فيه تبعة ، فإنهم -بإحسانهم فيما عليهم من حقوق اللّه وحقوق العباد- أسقطوا توجه اللوم عليهم ، وإذا أحسن العبد فيما يقدر عليه ، سقط عنه ما لا يقدر عليه .
ويستدل بهذه الآية على قاعدة وهي : أن من أحسن على غيره ، في [ نفسه ]{[380]} أو في ماله ، ونحو ذلك ، ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف ، أنه غير ضامن لأنه محسن ، ولا سبيل على المحسنين ، كما أنه يدل على أن غير المحسن -وهو المسيء- كالمفرط ، أن عليه الضمان .
{ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ْ } ومن مغفرته ورحمته ، عفا عن العاجزين ، وأثابهم بنيتهم الجازمة ثواب القادرين الفاعلين .
{ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 91 ) }
ليس على أهل الأعذار مِن الضعفاء والمرضى والفقراء الذين لا يملكون من المال ما يتجهزون به للخروج إثم في القعود إذا أخلصوا لله ورسوله ، وعملوا بشرعه ، ما على مَن أحسن ممن منعه العذر عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ناصح لله ولرسوله من طريق يعاقب مِن قِبَلِه ويؤاخذ عليه . والله غفور للمحسنين ، رحيم بهم .
قوله تعالى : { سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم } ثم ذكر أهل العذر ، فقال جل ذكره : { ليس على الضعفاء } ، قال ابن عباس : يعني الزمني والمشايخ والعجزة . وقيل : هم الصبيان وقيل : النسوان ، { ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون } ، يعني الفقراء { حرج } ، مأثم . وقيل : ضيق في القعود عن الغزو ، { إذا نصحوا لله ورسوله } ، في مغيبهم وأخلصوا الإيمان والعمل لله وبايعوا الرسول . { ما على المحسنين من سبيل } ، أي : من طريق العقوبة ، { والله غفور رحيم } . قال قتادة : نزلت في عائذ بن عمرو وأصحابه . قال الضحاك : نزلت في عبد الله بن أم مكتوم وكان ضرير البصر .