أظهر شرفَ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بقوله : { النَّبِىِّ الأُمِّىّ } أي أنه لم يكن شيء من فضائله وكمال علمه وتهيؤه إلى تفصيل شرعه مِنْ قِبَلِ نَفْسِه ، أو من تعلُّمه وتكلُّفه ، أو من اجتهاده وتصرُّفه . . بل ظهر عليه كلُّ ما ظهر مِنْ قِبَله - سبحانه - فقد كان هو أميَّاً غير قارئٍ للكتب ، ولا مُتَتَبِّعٍ للسِّيرَ .
ثم قال : { يَأْمُرُهُم بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ } : والمعروف هو القيام بحق الله ، والمنكر هو البقاء بوصف الحظوظ وأحكام الهوى ، والتعريج في أوطان المُنَى ، وما تصوِّره للعبد تزويراتُ الدعوى . والفاصلُ بين الجسمين ، والمميِّزُ بين القسمين - الشريعةُ ، فالحَسَنُ من أفعال العباد ما كان بنعت الإذن من مالك الأعيان فلَهُم ذلك ، والقبيح ما كان موافقاً لِلنَّهْيِ والزجرِ فليس لهم فعل ذلك .
قوله جلّ ذكره : { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } .
الإصرُ الثُّقلُ ، ولا شيءَ أثقلُ من كَدِّ التدبير ، فَمَنْ ترك كد التدبير إلى روْح شهود التقدير ، فقد وُضِع عنه كلُّ إصر ، وكُفِيَ كُلَّ وِزر وأمر .
والأغلالُ التي كانت عليهم هي ما ابتدعوه مِنْ قبَلِ أنفسهم باختيارهم في التزامِ طاعات الله ما لم يُفْتَرضْ عليهم ، فَوُكِلُوا إلى حَوْلِهمُ ومُنَّتِهم فيها ؛ فأهملوها ، ونقضوا عهودهم .
ومَنْ لَقِيَ - بخصائص الرضا - ما تجري به المقادير ، وشَهِدَ الحقَّ في أجناس الأحداث ، فقد خُصَّ بكل نعمة وفضل .
قوله جلّ ذكره : { فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ } .
اعترف لهم بنصرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم كان الله حسيبه ، ومَنْ كان استقلاله بالحق لم يقف انتعاشه على نصرة الخلق .
إصرهم : الإصر في اللغة : الأمر الثقيل : والمراد به هنا : التكاليف الشاقة على اليهود بسبب ظلمهم ، كتحريم بعض الطيبات عليهم .
الأغلال : المواثيق الشديدة المشبهة للأغلال في الأعناق .
وعزروه : وعظموه ووقروه ، أو أعانوه .
{ 157 – الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل…
1 – الصفات الأولى لهذا النبي :
تتابع هذه الآية صفات هؤلاء الذين يستحقون الرحمة فتذكر أن هؤلاء المؤمنين قد آمنوا بالنبي الأمي الذي أرسل في أمة أمية ، وكانت الأمية آية ومعجزة له ؛ فقد جاء بكتاب منزل عليه اشتمل على أكمل العلوم وأجداها : في العقيدة والعبادة والسياسة والاجتماع والاقتصاد والأخلاق والأعمال .
2 – والصفة الثانية لهذا النبي :
أن هذا الرسول الأمي محمد صلى الله عليه وسلم قد وردت صفاته في التوراة والإنجيل ، ويعرفه أحبار اليهود كما يعرفون أبناءهم ، ولذلك آمن به بعض علماء اليهود ، مثل : عبد الله بن سلام ، وبعض علماء النصارى مثل : تميم الداري .
جاء في الباب الثالث والثلاثين في التوراة في سفر تثنية الاشتراع :
" جاء الرب من سيناء ، وأشرق من ساعير ، واستعلى من جبال فاران ، ومعه ألوف الأطهار في يمنيه قبس من نار " .
ومجيئه من سيناء : إعطاؤه التوراة لموسى ، وإشراقه من ساعير : إعطاؤه الإنجيل لعيسى ، واستعلاؤه من جبال فاران : إنزاله القرآن ؛ لأن فاران من جبال مكة .
وقال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام : { مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد( الصف : 6 ) .
وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص الله عنهما قال : قرأت في التوراة صفة النبي صلى الله عليه وسلم : " محمد رسول الله عبدي ورسولي سميته : المتوكل ، ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة ، بل يعفو ويصفح ، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العرجاء ؛ بأن يقولوا لا إله إلا الله " 34 .
وقد جاء في كتب التفسير قديما وحديثا جانب كبير مما نقله العلماء للدلالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وصحة رسالته35 .
3 – والصفة الثالثة لهذا النبي أنه :
{ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر } .
أن هذا الرسول يأمر الناس بالمعروف حيث يدعوهم إلى الإسلام والإيمان ومكارم الأخلاق والعبادات والمعاملات والشرائع . وينهاهم عن المنكر . الذي يتناول الكفر والمعاصي وما تنكره العقول القلوب من مساوئ الأخلاق وقبيح الأفعال والأقوال .
4 – والصفة الرابعة لهذا النبي :
{ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } .
أي : أنه يحل لهم ما تستطيبه الأذواق من الأطعمة وفيه فائدة في التغذية ، وخاصة ما حرم على بني إسرائيل من الطيبات كالشحوم وغيرها بسب ظلمهم وفسوقهم ؛ وعقوبة لهم .
{ ويحرم عليهم الخبائث } : أي : ما تستقذره النفوس كالميتة ، والدم المسفوح ، والخنزير في المأكولات ، وكأخذ الربا والرشوة ، والنصب والخيانة في المعاملات .
5 – والصفة الخامسة لهذا النبي :
{ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } .
الإصر : الثقل الذي يأصر صاحبه ويحبسه عن الحركة .
الأغلال : جمع غل وهو ما يوضع في العنق أو اليد من الحديد . والمراد : أن الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم قد أرسله الله بشريعة سمحة سهلة لا حرج فيها ولا مشقة ، وهذا الرسول جاء ؛ ليرفع عن بني إسرائيل ما قل عليهم من تكاليف كلفهم الله بها ، بسبب ظلمهم كاشتراط قتل الأنفس في صحة التوبة والقصاص في القتل العمد أو الخطأ ، من غير شرع الدية ، وقطع الأعضاء الخاطئة ، وقطع موضع النجاسة من الثوب ، وتحريم العمل يوم السبت .
قال الإمام ابن كثير : أي : أنه جاء بالتيسير والسماحة كما ورد في الحديث : " بعثت بالحنيفية السمحة " 36 . وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل ، وأبي موسى الأشعري ، حين أرسلهما إلى اليمن : " بشروا ولا تنفروا ، ويسروا ولا تعسروا ، وتطاوعا ولا تختلفا " 37 .
والخلاصة : أن بني إسرائيل كانوا قد أخذوا بالشدة في أحكام العبادات ، والمعاملات الشخصية والمدنية والعقوبات ، فكان مثلهم مثل من يحمل أثقالا يئن منها ، وهو موثق بالسلاسل والأغلال في عنقه ويديه ورجليه ، وقد خفف المسيح عنهم بعض التخفيف في الأمور المادية ، وشدد في الأحكام الروحية ، إلى أن جاءت الشريعة السمحة التي أرسل الله بها محمدا صلى الله عليه وسلم38 .
ثم بين الحق سبحانه وتعالى صفة أتباعه عليه الصلاة والسلام فقال :
فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون .
فالذين آمنوا به . من اليهود أو من العرب أو من سائر الناس وصدقوا برسالته وأطاعوه فيها .
وعزروه : أي : عظموه ووقروه وأعانوه بمنع أعدائه عنه .
ونصروه : بكل وسائل النصر ، باللسان والسنان .
واتبعوا النور الذي أنزل معه . أي : اهتدوا بهدى القرآن وهو نور وهداية ، وهو أيضا ظاهر واضح ، يهدي متبعه إلى العقيدة السليمة والعمل الصالح ، كما يهدي النور الحسي من يتبعه إلى سواء السبيل .
أي : هؤلاء الموصوفون بتلك الصفات الجليلة ، هم وحدهم دون غيرهم الذين بلغوا غاية الفوز بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة .
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ احتراز عن سائر الأنبياء ، فإن المقصود بهذا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم .
والسياق في أحوال بني إسرائيل وأن الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم شرط في دخولهم في الإيمان ، وأن المؤمنين به المتبعين ، هم أهل الرحمة المطلقة ، التي كتبها اللّه لهم ، ووصفه بالأمي لأنه من العرب الأمة الأمية ، التي لا تقرأ ولا تكتب ، وليس عندها قبل القرآن كتاب .
الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ باسمه وصفته ، التي من أعظمها وأجلها ، ما يدعو إليه ، وينهى عنه . وأنه يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وهو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه .
وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وهو : كل ما عرف قبحه في العقول والفطر .
فيأمرهم بالصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحج ، وصلة الأرحام ، وبر الوالدين ، والإحسان إلى الجار والمملوك ، وبذل النفع لسائر الخلق ، والصدق ، والعفاف ، والبر ، والنصيحة ، وما أشبه ذلك ، وينهى عن الشرك باللّه ، وقتل النفوس بغير حق ، والزنا ، وشرب ما يسكر العقل ، والظلم لسائر الخلق ، والكذب ، والفجور ، ونحو ذلك .
فأعظم دليل يدل على أنه رسول اللّه ، ما دعا إليه وأمر به ، ونهى عنه ، وأحله وحرمه ، فإنه يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ من المطاعم والمشارب ، والمناكح .
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ من المطاعم والمشارب والمناكح ، والأقوال والأفعال .
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ أي : ومن وصفه أن دينه سهل سمح ميسر ، لا إصر فيه ، ولا أغلال ، ولا مشقات ولا تكاليف ثقال .
فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ أي : عظموه وبجلوه وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزلَ مَعَهُ وهو القرآن ، الذي يستضاء به في ظلمات الشك والجهالات ، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الظافرون بخير الدنيا والآخرة ، والناجون من شرهما ، لأنهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح .
وأما من لم يؤمن بهذا النبي الأمي ، ويعزره ، وينصره ، ولم يتبع النور الذي أنزل معه ، فأولئك هم الخاسرون .