الصالح ما يصلح للقبول ، والذي يصلح للقبول ما كان على الوجه الذي أمر الله به . وقوله : { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً } : في الحال ، { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } : في المآل ؛ فصفَاءُ الحالِ يستوجِبُ وفاءَ المآلِ ، والعملُ الصالحُ لا يكون من غير إيمان ، ولذا قال : { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } .
ويقال : { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } ، أي : مصدِّقٌ بأن إيمانه من فضل الله لا بعمله الصالح . ويقال : { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } ، أي : مصدِّقٌ بأن عمله بتوفيق الله وإنشائه وإبدائه . قوله : { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } : الفاء للتعقيب ، { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ . . . } ، الواو للعطف ، ففي الأولى مُعَجَّل ، وفي الثانية مؤجَّل ، ثم ما تلك الحياة الطيبة فإنه لا يُعْرَف بالنطق ، وإنما يعرف ذلك بالذوق ؛ فقوم قالوا : إنه حلاوة الطاعة ، وقوم قالوا : إنه القناعة ، وقوم قالوا : إنه الرضا ، وقوم قالوا : إنه النجوى ، وقوم قالوا : إنه نسيم القرب . . . والكل صحيحٌ ، ولكلِّ واحدٍ أهل .
ويقال الحياة الطيبة ما يكون مع المحبوب ، وفي معناه قالوا :
نحن في أكمل السرور ولكنْ *** ليس إلا بكم يَتِمُّ السرورُ
عَيْبُ ما نحن فيه يا أهلَ ودِّي *** أنكم غُيِّبٌ ونحن حُضُورُ
ويقال : الحياة الطيبة للأَولياء ؛ ألا تكون لهم حاجةٌ ولا سؤالٌ ولا أَرَبٌ ولا مُطَالَبَةٌ ، وفرقٌ بين من له إرادة فتُرْفَع ، وبين من لا إرادةَ له فلا يريد شيئاً ، الأولون قائمون بشرط العبودية ، والآخرون مُعْتَقُون بشرط الحرية .
فلنحيينه حياة طيبة : أي : حياة طيبة في الدنيا ، ويشمل ذلك : القناعة ، والرضا ، والبركة في العمر ، وقيل : حياة طيبة في الجنة ونعيمها ، وأكثر المفسرين على أن الحياة الطيبة : في الدنيا .
{ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } .
تضع هذه الآية أصلا عاما ، وقاعدة أصيلة ، فالذي يعمل العمل الصالح ، ويؤدي واجبه نحو ربه ، ونحو نفسه وأسرته وقرابته وأمته ، ذكرا كان أم أنثى ؛ فإن الله تعالى يكافئه أحسن مكافأة ، حيث يحيا حياة طيبة ، في رضا وقناعة وسعادة وعز في الدنيا وجزاء كريم في الآخرة ، مع الفضل العظيم من الله الذي يجازي الحسنة بعشر أمثالها ، ويضاعف سبحانه لمن يشاء وهو ذو الفضل العظيم .
وإن العمل الصالح مع الإيمان ؛ جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض ، لا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال ، فقد تكون به ، وقد لا يكون معها ، وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير ، تطيب بها الحياة في حدود الكفاية ، فيها الاتصال بالله ، والثقة به ، والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه ، وفيها الصحة والهدوء والرضا والبركة ، وسكن البيوت ، ومودات القلوب ، وفيها الفرح بالعمل الصالح ، وآثاره في الضمير في الحياة ، وليس المال إلا عنصرا واحدا ، يكفي منه القليل ، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله ، وإن الحياة الطيبة لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة ، وأن هذا الأجر يكون على أحسن ما عمل المؤمنون العاملون في الدنيا ، ويتضمن هذا تجاوز الله لهم عن السيئات ، فما أكرمه من جزاء ! 63 .
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول : ( اللهم ، قنعني بما رزقتني ، وبارك لي فيه ، واخلف عليّ كل غائبة لي بخير )64 .
وأخرج الترمذي والنسائي من حديث فضالة بن عبيد : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( قد أفلح من هدي إلى الإسلام ، وكان عيشه كفافا ، وقنع به )65 .
وعن عبد الله بن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( قد أفلح من أسلم ، ورزق كفافا ، وقنعه الله بما آتاه66 .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.