لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۚ يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ} (6)

قوله جل ذكره : { خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ } .

{ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } [ النساء : 1 ] يعني آدم وحواء .

{ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ } أي خلق لكم ، { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } فمن الإبل اثنين ، ومن البقر اثنين ، ومن الضأن اثنين ، ومن المواشي اثنين .

{ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ } : أي يصورِّكم ، ويُرَكِّب أحوالكم .

{ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ } : ظلمة البطن ، وظلمة الرَّحِم ، وظلمة المشيمة . ذَكَّرَهم نسبتهم لئلا يُعْجَبُوا بأحوالهم .

ويقال بَيَّنَ آثار أفعاله الحكيمة في كيفية خِلْقَتِك - من قطرتين - أمشاجاً متشاكلةَ الأجزاء ، مختلفة الصُّوَرِ في الأعضاء ، سَخَّرَ بعضَها مَحَالَّ للصفات الحميدة كالعلم والقدرة والحياة . . . وغير ذلك من أحوال القلوب ، وسَخَّرَ بعضها مَحَالَّ للحواش كالسمع والبصر والشَّمِّ وغيرها .

ويقال هذه كلها نِعَمٌ أنعم اللهُ بها علينا فَذَكَّرَنا بها - والنفوسُ مجبولةٌ ، وكذلك القلوبُ على حُبِّ مَنْ أحسن إليها - استجلاباً لمحبتنا له .

{ ذَالِكُمْ اللَّهُ رَبِّكُمْ . . . } أي إن الذي أحسن إليكم بجميع هذه الوجوه هو ربُّكم . أي : أنا خلقتكم وأنا رزقتكم وأنا صَوَّرتُكم فأحسنت صُورَكم ، وأنا الذين أسبَغْتُ عليكم إنعامي ، وخصصتكم بجميل إكرامي ، وأغرقتكم في بحار أفضالي ، وعرفتكم استحقاق جمالي وجلالي ، وهديتكم إلى توحيدي ، وألزمتكم رعايةَ حدودي . . . فما لكم لا تَنْقَطِعون بالكلية إليَّ ؟ ولا ترجون ما وَعَدْتُكم لديَّ ؟ وما لكم في الوقت بقلوبكم لا تنظرون إليَّ ؟

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۚ يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ} (6)

المفردات :

ثم جعل منها زوجها : حوّاء .

ثمانية أزواج : الإبل والبقر والغنم والمعز ، ولكل واحد من الأربعة ذكر وأنثى .

في ظلمات ثلاث : ظلمة البطن ، والرحم ، والمشيمة .

التفسير :

3- { خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذالكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون } .

خلقكم من نفس واحدة ، هي آدم عليه السلام ، وخلق من آدم حواء من قصيراه .

قال تعالى : { يا أبها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء . . . } ( النساء : 1 )

وخلق الله لنا من الأنعام ثمانية أزواج ، هي الإبل ، والبقر ، والغنم ، والماعز ، وخلق من كل صنف ذكرا وأنثى ، فالجمل والناقة ، والثور والبقرة ، والكبش والنعجة ، والتيس والمعزة .

{ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث . . . }

يخلق الإنسان والحيوان في بطن الأمهات ، خلقا متدرجا متطورا من حال إلى حال ، أي : نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم عظاما ، ثم يكسو العظام لحما ، فإذا هو إنسان كامل .

{ في ظلمات ثلاث . . . }

هي : ظلمة البطن ، وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة ، ثلاث أغشية يحفظ الله فيها الجنين ، حيث يكون في قرار مكين ، مستقرا في غشاء يحميه ويحافظ عليه ، حتى يتم الخلق وينزل وليدا إلى الحياة .

وبعد أن قدّم أدلة على الألوهية والوحدانية ، والقدرة البالغة ، والإدارة النافذة في خلق الكون وخلق الإنسان والحيوان ، أتبع ذلك بفذلكة أو نتيجة فقال : { ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون } .

هذا الإله القادر الخالق ، المبدع للكون والإنسان والحيوان ، هو الله ربكم وخالقكم ومالك الملك والمتصرف فيه ، خلقا وإيجادا ورعاية وحفظا ، لا إله سواه ، ولا شريك له ولا ندّ له ولا مثيل .

{ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } . ( الشورى : 11 ) .

فكيف تصرفون عن طاعته وعبادته إلى طاعة الشيطان ، أو الكفر وعبادة الأوثان .