لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ} (32)

يقف المؤمنُ على تعيين شعائر الله وتفصيلها بشهادة العلم جهراً ، وبخواطر الإلهام سِرَّاً . وكما لا تجوز مخالفةُ شهادة الشرع لا تجوز مخالفة شهادة خواطر الحق فإِنّ خاطر الحقِّ لا يكذِبُ ، عزيزٌ مَنْ له عليه وقوف . وكما أَنّ النَّفْسَ لا تصدق فالقلب لا يكذب ، وإذا خولف القلبُ عَمِيَ في المستقبل ، وانقطعت عنه تعريفاتُ الحقيقة ، والعبارة والشرح يتقاصران عن ذكر هذا التعيين والتفسير . ويقوي القلبُ بتحقيق المنازلة ؛ فإذا خرست النفوسُ ، وزالت هواجسها ، فالقلوب تنِطق بما تُكاشَفُ به من الأمور .

ومنَ الفَرْقِ بين ما يكون طريقه العلم وما طريقه من الحق أن الذي طريقه العلم يعلم صاحبُه أولاً ثم يعمل مختاراً ، وما كان من الحق يجري ويحصل ثم بعده يعلم مَنْ جرى عليه ذلك معناه ، ولا يكون الذي يجْرِي عليه ما يُجْرَى مضطراً إلى ما يُجْرَى . وليس يمكن أن يقال إنه ليس له اختيار ، بل يكون مختاراً ولكنَّ سببَه عليه مشكلٌ ، والعجب من هذا أن العبارة عنه كالبعيد .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ} (32)

ثم أمر - سبحانه - بتعظيم شعائره بعد أن أمر بتعظيم حرماته فقال : { ذلك وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب } .

قال القرطبى : والشعائر : جمع شعيرة ، وهى كل شىء لله - تعالى - فيه أمر أشعر به وأعلم . ومنه شعار القوم فى الحرب ، أى : علامتهم التى يتعارفون بها . ومنه إشعار البدنة وهو الطعن فى جانبها الأيمن حتى يسيل الدم فيكون علامة لها . . فشعائر الله : إعلان دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك . و قال قوم : المراد هنا تسمين البدن . والاهتمام بأمرها . . .

والمعنى : ذلك الذى أمرناكم به أو نهنياكم عنه عليكم امتثاله وطاعته ، والحال أن من يعظم شعائر الله ، التى من بينها الذبائح التى يتقرب بها إليه - تعالى - يكون تعظيمه إياها عن طريق تسمينها ، وحسن اختيارها يكون دليلا على تقوى القلوب ، وحسن صلتها بالله - سبحانه - وخشيتها منه ، وحرصها على رضاه - عز وجل - .

قال الآلوسى : وتعظيمها أن تهتار حسانا سمانا غالية الأثمان . روى أنه - صلى الله عليه وسلم - أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبى جهل فى أنفه برة - أى حلقه - من ذهب . وعن عمر أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار ، فسأل النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعها ويشترى بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك ، وقال له : بل أهدها . . .

وفى إضافة هذه الشعائر إلى الله - تعالى - : حض على الاهتمام بها وفعل ما يرضى الله - تعالى - بالنسبة لها .

والضمير المؤنث فى قوله { فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب } يعود على الفعلة التى يتضمنها الكلام ، أو إلى الشعائر بحذف المضاف ، أى : فإن تعظيمها أى الشعائر من تقوى القلوب ، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه .