في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ} (177)

158

وأخيرا وفي آية واحدة يضع قواعد التصور الإيماني الصحيح ، وقواعد السلوك الإيماني الصحيح ، ويحدد صفة الصادقين المتقين :

( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ؛ ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ؛ وآتى المال - على حبه - ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ، وأقام الصلاة وآتى الزكاة ؛ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس . أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) . .

والراجح أن هناك صلة بين هذا البيان وبين تحويل القبلة وما ثار حوله من جدل طويل . ولقد سبق الكلام عن حكمة تحويل القبلة . فالآن يصل السياق إلى تقرير الحقيقة الكبرى حول هذه القضية وحول سائر القضايا الجدلية التي يثيرها اليهود حول شكليات الشعائر والعبادات ، وكثيرا ما كانوا يثيرون الجدل حول هذه الأمور .

إنه ليس القصد من تحويل القبلة ، ولا من شعائر العبادة على الإطلاق ، أن يولي الناس وجوهم قبل المشرق والمغرب . . نحو بيت المقدس أو نحو المسجد الحرام . . وليست غاية البر - وهو الخير جملة - هي تلك الشعائر الظاهرة . فهي في ذاتها - مجردة عما يصاحبها في القلب من المشاعر وفي الحياة من السلوك - لا تحقق البر ، ولا تنشىء الخير : إنما البر تصور وشعور وأعمال وسلوك . تصور ينشىء ء أثره في ضمير الفرد والجماعة ؛ وعمل ينشىء أثره في حياة الفرد والجماعة . ولا يغني عن هذه الحقيقة العميقة تولية الوجوه قبل المشرق والمغرب . . سواء في التوجه إلى القبلة هذه أم تلك ؛ أو في التسليم من الصلاة يمينا وشمالا ، أو في سائر الحركات الظاهرة التي يزاولها الناس في الشعائر .

( ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين . . . ) الآية .

ذلك هو البر الذي هو جماع الخير . . فماذا في تلك الصفات من قيم تجعل لها هذا الوزن في ميزان الله ؟

ما قيمة الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ؟

إن الإيمان بالله هو نقطة التحول في حياة البشرية من العبودية لشتى القوى ، وشتى الأشياء ، وشتى الاعتبارات . . إلى عبودية واحدة لله تتحرر بها النفس من كل عبودية ، وترتفع بها إلى مقام المساواة مع سائر النفوس في الصف الواحد أمام المعبود الواحد ؛ ثم ترتفع بها فوق كل شيء وكل اعتبار . . وهي نقطة التحول كذلك من الفوضى إلى النظام ، ومن التيه إلى القصد ، ومن التفكك إلى وحدة الاتجاه . فهذه البشرية دون إيمان بالله الواحد ، لا تعرف لها قصدا مستقيما ولا غاية مطردة ، ولا تعرف لها نقطة ارتكاز تتجمع حولها في جد وفي مساواة ، كما يتجمع الوجود كله ، واضح النسب والارتباطات والأهداف والعلاقات . . والإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بالعدالة الإلهية المطلقة في الجزاء ؛ وبأن حياة الإنسان على هذه الأرض ليست سدى ولا فوضى بغير ميزان . وبأن الخير لا يعدم جزاءه ولو بدا أنه في هذه الأرض لا يلقى الجزاء . . والإيمان بالملائكة طرف من الإيمان بالغيب الذي هو مفرق الطريق بين إدراك الإنسان وإدراك الحيوان ، وتصور الإنسان لهذا الوجود وتصور الحيوان . الإنسان الذي يؤمن بما وراء الحس والحيوان المقيد بحسه لا يتعداه . . والإيمان بالكتاب والنبيين هو الإيمان بالرسالات جميعا وبالرسل أجمعين ، وهو الإيمان بوحدة البشرية ، ووحدة إلهها ، ووحدة دينها ، ووحدة منهجها الإلهي . . ولهذا الشعور قيمة في شعور المؤمن الوارث لتراث الرسل والرسالات .

وما قيمة إيتاء المال - على حبه والاعتزاز به - لذوي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ؟

إن قيمته هي الانعتاق من ربقة الحرص والشح والضعف والأثرة . انعتاق الروح من حب المال الذييقبض الأيدي عن الإنفاق ، ويقبض النفوس عن الأريحية ، ويقبض الأرواح عن الانطلاق . فهي قيمة روحية يشير إليها ذلك النص على حب المال . وقيمة شعورية أن يبسط الإنسان يده وروحه فيما يحب من مال . لا في الرخيص منه ولا الخبيث . فيتحرر من عبودية المال ، هذه العبودية التي تستذل النفوس ، وتنكس الرؤوس . ويتحرر من الحرص . والحرص يذل اعناق الرجال . وهي قيمة إنسانية كبرى في حساب الإسلام ، الذي يحاول دائما تحرير الإنسان من وساوس نفسه وحرصها وضعفها قبل أن يحاول تحريره من الخارج في محيط الجماعة وارتباطاتها ، يقينا منه بأن عبيد أنفسهم هم عبيد الناس ؛ وأن أحرار النفوس من الشهوات هم أحرار الرؤوس في المجتمعات ! . . ثم إنها بعد ذلك كله قيمة إنسانية في محيط الجماعة . . هذه الصلة لذوي القربى فيها تحقيق لمروءة النفس ، وكرامة الأسرة ، ووشائج القربى . والأسرة هي النواة الأولى للجماعة . ومن ثم هذه العناية بها وهذا التقديم . . وهي لليتامى تكافل بين الكبار والصغار في الجماعة ، وبين الأقوياء فيها والضعفاء ؛ وتعويض لهؤلاء الصغار عن فقدان الحماية والرعاية الأبويتين ؛ وحماية للأمة من تشرد صغارها ، وتعرضهم للفساد ، وللنقمة على المجتمع الذي لم يقدم لهم برا ولا رعاية . . وهي للمساكين الذين لا يجدون ما ينفقون - وهم مع ذلك ساكنون لا يسألون ضنا بماء وجوههم - احتفاظ لهم بكرامة نفوسهم ، وصيانة لهم من البوار ، وإشعار لهم بالتضامن والتكافل في محيط الجماعة المسلمة ، التي لا يهمل فيها فرد ، ولا يضيع فيها عضو . . وهي لابن السبيل - المنقطع عن ماله وأهله - واجب للنجدة في ساعة العسرة ، وانقطاع الطريق دون الأهل والمال والديار ؛ وإشعار له بأن الإنسانية كلها أهل ، وبأن الأرض كلها وطن ، يلقى فيها أهلا بأهل ، ومالا بمال ، وصلة بصلة ، وقرارا بقرار . . وهي للسائلين إسعاف لعوزهم ، وكف لهم عن المسألة التي يكرهها الإسلام . وفي الإسلام لا يسأل من يجد الكفاية أو من يجد عملا ، فهو مأمور من دينه أن يعمل ولا يسأل ، وأن يقنع ولا يسأل . فلا سائل إلا حيث يعييه العمل والمال . . وهي في الرقاب اعتاق وتحرير لمن أوقعه سوء عمله في الرق بحمل السيف في وجه الإسلام - حتى يسترد حريته وإنسانيته الكريمة . ويتحقق هذا النص إما بشراء الرقيق وعتقه ، وإما بإعطائه ما يؤدي به ما كاتب عليه سيده في نظير عتقه . والإسلام يعلن حرية الرقيق في اللحظة التي يطلب فيها الحرية ، ويطلب مكاتبته عليها - أي أداء مبلغ من المال في سبيلها ، ومنذ هذه اللحظة يصبح عمله بأجر يحسب له ، ويصبح مستحقا في مصارف الزكاة ، ويصبح من البر كذلك إعطاؤه من النفقات غير الزكاة . . كل أولئك ليسارع في فك رقبته ، واسترداد حريته . .

وإقامة الصلاة ؟ ما قيمتها في مجال البر الذي هو جماع الخير ؟

إن إقامة الصلاة شيء غير التولي قبل المشرق والمغرب . إنها توجه الإنسان بكليته إلى ربه ، ظاهرا وباطنا ، جسما وعقلا وروحا . إنها ليست مجرد حركات رياضية بالجسم ، وليست مجرد توجه صوفي بالروح . فالصلاة الإسلامية تلخص فكرة الإسلام الأساسية عن الحياة . إن الإسلام يعترف بالإنسان جسما وعقلا وروحا في كيان ؛ ولا يفترض أن هناك تعارضا بين نشاط هذه القوى المكونة في مجموعها للإنسان ، ولا يحاول أن يكبت الجسم لتنطلق الروح ، لأن هذا الكبت ليس ضروريا لانطلاق الروح . ومن ثم يجعل عبادته الكبرى . . الصلاة . مظهرا لنشاط قواه الثلاث وتوجهها إلى خالقها جميعا في ترابط واتساق . يجعلها قياما وركوعا وسجودا تحقيقا لحركة الجسد ، ويجعلها قراءة وتدبرا وتفكيرا في المعنى والمبنى تحقيقا لنشاط العقل ؛ ويجعلها توجها واستسلاما لله تحقيقا لنشاط الروح . . كلها في آن . . وإقامة الصلاة على هذا النحو تذكر بفكرة الإسلام كلها عن الحياة ، وتحقق فكرة الإسلام كلها عن الحياة . . في كل ركعة وفي كل صلاة . وإيتاء الزكاة ؟ . . إنه الوفاء بضريبة الإسلام الاجتماعية التي جعلها الله حقا في أموال الأغنياء للفقراء ، بحكم أنه هو صاحب المال ، وهو الذي ملكه للفرد بعقد منه ، من شروطه إيتاء الزكاة . وهي مذكورة هنا بعد الحديث عن إيتاء المال - على حبه - لمن ذكرتهم الآية من قبل على الإطلاق ؛ مما يشير إلى أن الإنفاق في تلك الوجوه ليس بديلا من الزكاة ، وليست الزكاة بديلة منه . . وإنما الزكاة ضريبة مفروضة ، والإنفاق تطوع طليق . . والبر لا يتم إلا بهذه وتلك . وكلتاهما من مقومات الإسلام . وما كان القرآن ليذكر الزكاة منفردة بعد الإنفاق إلا وهي فريضة خاصة لا يسقطها الإنفاق ، ولا تغني هي عن الإنفاق .

والوفاء بالعهد ؟ إنه سمة الإسلام التي يحرص عليها ، ويكررها القرآن كثيرا ؛ ويعدها آية الإيمان ، وآية الآدمية وآية الإحسان . وهي ضرورية لإيجاد جو من الثقة والطمأنينة في علاقات الأفراد وعلاقات الجماعات وعلاقات الأمم والدول . تقوم ابتداء على الوفاء بالعهد مع الله . وبغير هذه السمة يعيش كل فرد مفزعا قلقا لا يركن إلى وعد ، ولا يطمئن إلى عهد ، ولا يثق بإنسان ، ولقد بلغ الإسلام من الوفاء بالعهد لأصدقائه وخصومه على السواء قمة لم تصعد إليها البشرية في تاريخها كله ، ولم تصل إليها إلا على حداء الإسلام وهدي الإسلام .

والصبر في البأساء والضراء وحين البأس ؟ . . إنها تربية للنفوس وإعداد ، كي لا تطير شعاعا مع كل نازلة ، ولا تذهب حسرة مع كل فاجعة ، ولا تنهار جزعا أمام الشدة . إنه التجمل والتماسك والثبات حتى تنقشع الغاشية وترحل النازلة ويجعل الله بعد عسر يسرا . إنه الرجاء في الله والثقة بالله والاعتماد على الله . ولا بد لأمة تناط بها القوامة على البشرية ، والعدل في الأرض والصلاح ، أن تهيأ لمشاق الطريق ووعثائه بالصبر في البأساء والضراء وحين الشدة . الصبر في البؤس والفقر . والصبر في المرض والضعف . والصبر في القلة والنقص . والصبر في الجهاد والحصار ، والصبر على كل حال . كي تنهض بواجبها الضخم ، وتؤدي دورها المرسوم ، في ثبات وفي ثقة وفي طمأنينة وفي اعتدال .

ويبرز السياق هذه الصفة . . صفة الصبر في البأساء والضراء وحين البأس . . يبرزها بإعطاء كلمة( الصابرين )وصفا في العبارة يدل على الاختصاص . فما قبلها من الصفات مرفوع أما هي فمنصوبة على الاختصاص بتقدير : " وأخص الصابرين " . . وهي لفتة خاصة لها وزنها في معرض صفات البر . . لفتة خاصة تبرز الصابرين وتميزهم ، وتخصص هذه السمة من بين سمات الإيمان بالله والملائكة والكتاب والنبيين وإيتاء المال - على حبه - وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد . . وهو مقام للصابرين عظيم ، وتقدير لصفة الصبر في ميزان الله ، يلفت الأنظار . .

وهكذا تجمع آية واحدة بين أصول الاعتقاد ، وتكاليف النفس والمال ، وتجعلها كلا لا يتجزأ ، ووحدة لا تنفصم . وتضع على هذا كله عنوانا واحدا هو( البر )أو هو " جماع الخير " أو هو " الإيمان " كما ورد في بعض الأثر . والحق أنها خلاصة كاملة للتصور الإسلامي ولمبادىء المنهج الإسلامي المتكامل لا يستقيم بدونها إسلام .

ومن ثم تعقب الآية على من هذه صفاتهم بأنهم :

( أولئك الذين صدقوا ، وأولئك هم المتقون ) . .

أولئك الذين صدقوا ربهم في إسلامهم . صدقوا في إيمانهم واعتقادهم ، وصدقوا في ترجمة هذا الإيمان والاعتقاد إلى مدلولاته الواقعة في الحياة .

وأولئك هم المتقون الذين يخشون ربهم ويتصلون به ، ويؤدون واجبهم له في حساسية وفي إشفاق . .

وننظر نحن من خلال هذه الآية إلى تلك الآفاق العالية التي يريد الله أن يرفع الناس إليها ، بمنهجه الرفيع القويم . . ثم ننظر إلى الناس وهن ينأون عن هذا المنهج ويتجنبونه ، ويحاربونه ، ويرصدون له العداوة ، ولكل من يدعوهم إليه . . ونقلب أيادينا في أسف ، ونقول ما قال الله سبحانه : يا حسرة على العباد !

ثم ننظر نظرة أخرى فتنجلي هذه الحسرة ، على أمل في الله وثيق ، وعلى يقين في قوة هذا المنهج لا يتزعزع ، ونستشرف المستقبل فإذا على الأفق أمل . أمل وضيء منير . أن لا بد لهذه البشرية من أن تفيء - بعد العناء الطويل - إلى هذا المنهج الرفيع ، وأن تتطلع إلى هذا الأفق الوضيء . . والله المستعان .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ} (177)

{ لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب } . البر اسم جامع لأنواع الخير والطاعات المقربة إلى الله تعالى والخطاب لأهل الكتابين والمراد من { قِبَلَ المشرق والمغرب } السمتان المعينان ، فإن اليهود تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس من أفق مكة ، والنصارى قبل المشرق والآية/ نزلت رداً عليهم حيث أكثروا الخوض في أمر القبلة وادعى كل طائفة حصر البر على قبلته رداً على الآخر فرد الله تعالى عليهم جميعاً بنفي جنس البر عن قبلتهم لأنها منسوخة ، فتعريفه للجنس لإفادة عموم النفي لا للقصر إذ ليس المقصود نفي القصر أو قصر النفي . ويحتمل أن يكون الخطاب عاماً لهم وللمسلمين فيكون عوداً على بدء فإن الكلام في أمر القبلة وطعنهم في النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كان أساس الكلام إلى هذا القطع ، فجعل خاتمة كلية أجمل فيها ما فصل . والمراد من ذكر المشرق والمغرب التعميم لا تعيين السمتين وتعريف البر حينئذ إما للجنس فيفيد القصر ، والمقصود نفي اختصاص البر بشأن القبلة مطلقاً على ما يقتضيه الحال من كثرة الاشتغال والاهتمام بذلك والذهول عما سواه ، وإما لعهد أي ليس البر العظيم الذي أكثرتم الخوض فيه وذهلتم عما سواه ذلك ، وقدم المشرق على المغرب مع تأخر زمان الملة النصرانية رعاية لما بينهما من الترتيب المتفرع على ترتيب الشروق والغروب ، وقرأ حمزة وحفص البر بالنصب والباقون بالرفع ووجه الأول : أن يكون خبراً مقدما كما في قوله :

سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم *** فليس ( سواءاً ) عالم وجهول

وحسن ذلك أن المصدر المؤول أعرف من المحلى باللام ؛ لأنه يشبه الضمير من حيث إنه لا يوصف ولا يوصف به والأعرف أحق بالاسمية ولأن في الاسم طولاً فلو روعي الترتيب المعهود لفات تجاوب أطراف النظم الكريم . ووجه الثانية : أن كل فريق يدعي أن البر هذا فيجب أن يكون الرد موافقاً لدعواهم وما ذلك إلا بكون البر اسماً كما يفصح عنه جعله مخبراً عنه في الاستدراك . وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : { لَّيْسَ البر } بالنصب بأن تولوا بالباء

{ ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله } تحقيق للحق بعد بيان بطلان الباطل ، و( أل ) في البر إما للجنس فيكون القصر ادعائياً لكمال ذلك الجنس في هذا الفرد ، وإما للعهد أي ما ينبغي أن يهتم به ويعتني بشأنه ويجد في تحصيله ، والكلام على حذف مضاف أي برّ من آمن إذ لا يخبر بالجثة عن المعنى ويجوز أن لا يرتكب الحذف ويجعل المصدر بمعنى اسم الفاعل أو يقال باطلاق البر على البار مبالغة ، والأول أوفق لقوله : { لَّيْسَ البر } وأحسن في نفسه لأنه كنزع الخف عند الوصول إلى الماء ولأن المقصود من كون ذي البر من آمن إفادة أن البر إيمانه فيؤول إلى الأول .

والمراد بهذا الإيمان إيمان خال عن شائبة الإشراك لا كإيمان اليهود والنصارى القائلين عزيز ابن الله والمسيح ابن الله وقرأ نافع وابن عامر ( ولكن ) بالتخفيف ، وقرأ بعضهم البار بصيغة اسم الفاعل .

{ واليوم الأخر } أي المعاد الذي يقول به المسلمون وما يتبعه عندهم { والملائكة } أي وآمن بهم وصدق بأنهم عباد مكرمون لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة ومنهم المتوسطون بينه تعالى وبين أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام بإلقاء الوحي وإنزال الكتب { والكتاب } أي جنسه فيشمل جميع الكتب الإلهية لأن البر الإيمان بجميعها وهو الظاهر الموافق لقرينه ولما ورد في الحديث : «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله » أو القرآن لأنه المقصود بالدعوة والكامل الذي يستأهل أن يسمى كتاباً والإيمان به الإيمان بجميع الكتب لكونه مصدقاً لما بين يديه ، وقيل : التوراة ويبعده عدم ظهور القرينة المخصصة لها وأن الإيمان بها لا يستلزم الإيمان بالجميع إلا باعتبار استلزامه الإيمان بالقرآن ، والإيمان بالكتب أن يؤمن بأنها كلام الرب جل شأنه منزهة عن الحدوث منزلة على ذويها ظاهرة لديهم حسبما اقتضته الحكمة من اللغات { والنبين } أي جميعهم من غير تفرقة بين أحد منهم كما فعل أهل الكتابين والإيمان بهم أن يصدق بأنهم معصومون مطهرون وأنهم أشرف الناس/ حسباً ونسباً وأن ليس فيهم وصمة ولا عيب منفر ويعتقد أن سيدهم وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع والتمسك بها لازم لجميع المكلفين إلى يوم القيامة .

{ والنبيين وَءاتَى المال على حُبّهِ } حال من ضمير ( ءاتى ) ، والضمير المجرور للمال أي أعطى المال كائناً على حب المال والتقييد لبيان أفضل أنواع الصدقة فقد أخرج البخاري . ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح تأمل البقاء وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا لفلان كذا الا وقد كان لفلان » وفي هذا إيذان بأن درجات الثواب تتفاوت حسب تفاوت المراتب في الحب حتى إن صدقة الفقير والبخيل أفضل من صدقة الغني والكريم إلا أن يكونا أحب للمال منهما ، ويؤيد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : «أفضل الأعمال أحمزها » وجوز رجوع الضمير لله تعالى أو للمصدر المفهوم من الفعل ، والتقييد حينئذ للتكميل ، وبيان اعتبار الإخلاص أو طيب النفس في الصدقة ودفع كون إيتاء المال مطلقاً براً ، والأول : هو المأثور عن السلف الصالح ، ولعله المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

{ ذَوِي القربى } مفعول أول ل { أتى } قدم عليه مفعوله الثاني للاهتمام أو لأن فيه مع ( ما ) عطف عليه طولا لو روعي الترتيب لفات تجاوب الأطراف ، وهو الذي اقتضى تقديم الحال أيضاً ، وقيل : هو المفعول الثاني ، والمراد ب { ذَوِي القربى } ذوو قرابة المعطي لكن المحاويج منهم لا مطلقاً لدلالة سوق الكلام ، وعد مصارف الزكاة على أن المراد الخير والصدقة وإيتاء الأغنياء هبة لا صدقة ، وقدم هذا الصنف لأن إيتاءهم أهم فقد صح عن أم كلثوم بنت عقبة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح » وأخرج أحمد والترمذي وغيرهما عن سلمان بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة »

{ واليتامى } عطف على { ذَوِي القربى } وقيل : على { القربى } إذ لا يصح إيصال المال إلى من لا يعقل فالمعطي حينئذ كافلهم لأجلهم ، وفيه ما لا يخفى { والمساكين } جمع مسكين وهو الدائم السكون لما أن الحاجة أسكنته بحيث لا حراك به أو دائم السكون والالتجاء إلى الناس ، وتخصيصه بمن لا شيء له أو بمن لا يملك ما يقع موقعاً من حاجته خارج عن مفهومه { وابن السبيل } أي المسافر كما قاله مجاهد وسمي بذلك لملازمته الطريق في السفر أو لأن الطريق تبرزه فكأنها ولدته وكأن إفراده لانفراده عن أحبابه ووطنه وأصحابه فهو أبداً يتوق إلى الجمع ، ويشتاق إلى الربع ، والكريم يحن إلى وطنه حنين الشارف إلى عطنه ، أو لأنه لما لم يكن بين أبناء السبيل ، والمعطي تعارف غالباً يهون أمر الإعطاء ويرغب فيه أفردهم ليهون أمر إعطائهم وليشير إلى أنهم وإن كانوا جمعاً ينبغي أن يعتبروا كنفس واحدة فلا يضجر من إعطائهم لعدم معرفتهم وبعد منفعتهم فليفهم ، وروي عن ابن عباس وقتادة وابن جبير أنه الضيف الذي ينزل بالمسلمين { والسائلين } أي الطالبين للطعام سواء كانوا أغنياء إلا أن ما عندهم لا يكفي لحاجتهم أو فقراء كما يدل عليه ظاهر ما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن أبي حاتم عن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «للسائل حق وإن جاء على فرس » فإن الجائي على فرس يكون في الغالب غنياً ، وقيل : أرد المساكين/ الذين يسألون فتعرف حالهم بسؤالهم ، والمساكين السابق ذكرهم الذين لا يسألون وتعرف حاجتهم بحالهم وإن كان ظاهرهم الغنى وعليه يكون التقييد في الحديث لتأكيد رعاية حق السائل وتحقيق أن السؤال سبب للاستحقاق ، وإن فرض وجوده من الغني كالقرابة واليتم .

{ وَفِي الرقاب } متعلق ب { أتى } أي آتى المال في تخليص الرقاب وفكاكها بمعاونة المكاتبين ، أوفك الأسارى ، أو ابتياع الرقاب لعتقها ، والرقبة مجاز عن الشخص وإيراد كلمة في للإيذان بأن ما يعطى لهؤلاء مصروف في تخليصهم لا يملكونه كما في المصارف الأخر { وَأَقَامَ الصلاة } عطف على صلة ( من ) والمراد بالصلاة المفروضة كالزكاة في { وَءاتَى الزكواة } بناءاً على أن المراد بما مر من إيتاء المال نوافل الصدقات وقدمت على الفريضة مبالغة في الحث عليها ، أو حقوق كانت في المال غير مقدرة سوى الزكاة ، أخرج الترمذي والدارقطني وجماعة عن فاطمة بنت قيس قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " في المال حق سوى الزكاة ثم قرأ الآية " وأخرج البخاري في «تاريخه » عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه نحو ذلك ، واختلف هل بقي هذا الحق أم لا ؟ فذهب قوم إلى الثاني واستدلوا بما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً نسخ الأضحى كل ذبح ، ورمضان كل صوم ؛ وغسل الجنابة كل غسل ، والزكاة كل صدقة وقال جماعة بالأول لقوله تعالى : { وَفِى أموالهم حَقٌّ لَّلسَّائِلِ والمحروم } [ الذاريات : 9 1 ] ولقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعاً وجاره طاو إلى جنبه " وللإجماع على أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضرورة وجب على الناس أن يعطوا مقدار دفع الضرورة وإن لم تكن الزكاة واجبة عليهم ولو امتنعوا عن الأداء جاز الأخذ منهم وأجابوا عن الحديث بأنه غريب معارض ، وفي إسناده المسيب بن شريك ، وهو ليس بالقوي عندهم وبأن المراد أن الزكاة نسخت كل صدقة مقدرة ، وجوز أن يكون المراد بما مر الزكاة المفروضة أيضاً ولا تكرار ؛ لأن الغرض مما تقدم بيان مصارفها ، ومن هذا بيان أدائها والحث عليها وترك ذكر بعض المصارف لأن المقصود ههنا بيان أبواب الخير دون الحصر ، وقدم بيان المصرف اهتماماً بشأنه فإن الصدقة إنما تعتبر إذا كانت في مصرفها ومحلها كما يدل عليه قوله تعالى : { قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ فللوالدين والأقربين } [ البقرة : 5 21 ] وعلى هذا يتعين أن يراد بالسائلين الفقراء

{ والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا } عطف على { مَنْ ءامَنَ } ولم يقل وأوفى كما قبله إشارة إلى وجوب استقرار الوفاء ، وقيل : رمزاً إلى أنه أمر مقصود بالذات ، وقيل : إيذاناً بمغايرته لما سبق فإنه من حقوق الله تعالى والسابق من حقوق الناس ، وعلى هذا فالمراد بالعهد ما لا يحلل حراماً ولا يحرم حلالاً من العهود الجارية فيما بين الناس ، والظاهر حمل العهد على ما يشمل حقوق الحق وحقوق الخلق ، وحذف المعمول يؤذن بذلك ، والتقييد بالظرف للإشارة إلى أنه لا يتأخر إيفاؤهم بالعهد عن وقت المعاهدة ، وقيل : للإشارة إلى عدم كون العهد من ضروريات الدين وليس للتأكيد كما قيل : به { والصابرين في البأساء والضراء } نصب على المدح بتقدير أخص أو أمدح وغير سبكه عما قبله تنبيها على فضيلة الصبر ومزيته على سائر الأعمال حتى كأنه ليس من جنس الأول ، ومجي القطع في العطف مما أثبته الأئمة الأعلام ووقع في الكتاب أيضاً واستحسنه الأجلة وجعلوه أبلغ من الاتباع وقد جاء في النكرة أيضاً كقول الهذلي :

ويأوي إلى نسوة عطل *** وشعثا مراضيع مثل السعالى

/و البأساء البؤس والفقر ، والضراء السقم والوجع وهما مصدران بنيا على فعلاء وليس لهما أفعل لأن أفعل وفعلاء في الصفات والنعوت ولم يأتيا في الأسماء التي ليست بنعوت وقرئ ( والصابرون ) كما قرئ ( والموفين ) .

{ وَحِينَ البأس } أي وقت القتال وجهاد العدو وهذا من باب الترقي في الصبر من الشديد إلى الأشد لأن الصبر على المرض فوق الصبر على الفقر والصبر على القتال فوق الصبر على المرض ، وعدى الصبر على الأولين بفي ؛ لأنه لا يعد الإنسان من الممدوحين إذا صبر على شيء من ذلك إلا إذا صار الفقر والمرض كالظرف له ، وأما إذا أصاباه وقتاً مّا وصبر فليس فيه مدح كثير إذ أكثر الناس كذلك وأتى بحين في الأخير لأن القتال حالة لا تكاد تدوم في أغلب الأوقات .

{ أُولَئِكَ الذين صَدَقُوا } في إيمانهم أو طلب البر . { وَأُولَئِكَ هُمُ المتقون } عذاب الله تعالى بتجنب معاصيه وامتثال أوامره ، وأتى بخبر أولئك الأولى : موصولاً بفعل ماض إيذانا بتحقق اتصافهم به ، وإن ذلك قد وقع منهم واستقر ، وغاير في خبر الثانية : ليدل على أن ذلك ليس بمتجدد بل صار كالسجية لهم ، وأيضاً لو أتى به على طبق سابقه لما حسن وقوعه فاصلة ، هذا والآية كما ترى مشتملة على خمس عشرة خصلة وترجع إلى ثلاثة أقسام ، فالخمسة الأولى منها تتعلق بالكمالات الإنسانية التي هي من قبيل صحة الاعتقاد ، وآخرها قوله : { والنبيين } وافتتحها بالإيمان بالله واليوم الآخر لأنهما إشارة إلى المبدأ والمعاد اللذين هما المشرق والمغرب في الحقيقة فليلتئم مع ما نفاه أولاً غاية الالتئام ، والستة التي بعدها تتعلق بالكمالات النفسية التي هي من قبيل حسن معاشرة العباد وأولها { لَّيْسَ البر } وآخرها { وَفِي الرقاب } والأربعة الأخيرة تتعلق بالكمالات الإنسانية التي هي من قبيل تهذيب النفس وأولها { لَّيْسَ البر } وآخرها { وَحِينَ البأس } ولعمري من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان ونال أقصى مراتب الإيقان .

ومن باب التأويل : { لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ } مشرق عالم الأرواح ومغرب عالم الأجساد فإن ذلك تقيد واحتجاب { ولكن البر } بر الموحد الذي آمن بالله والمعاد في مقام الجمع وشاهد الجمع في تفاصيل الكثرة ولم يحتجب بالجمع عن التفصيل الذي هو باطن عالم الملائكة وظاهر عالم النبيين والكتاب الجامع بين الظاهر والباطن { وَءاتَى } العلم الذي هو مال القلب مع كونه محبوباً ذوي قربى القوى الروحانية القريبة منه ، ويتامى القوى النفسانية المنقطعة عن الأب الحقيقي وهو نور الروح ، ومساكين القوى الطبيعية التي لم تزل دائمة السكون إلى تراب البدن وأبناء السبيل السالكين إلى منزل الحق ، والسائلين الطالبين بلسان استعدادهم ما يكون غذاء لأرواحهم ، وفي فك رقاب عبدة الدنيا وأسراء الشهوات بالوعظ والإرشاد ، وأقام صلاة الحضور ، وآتى ما يزكي نفسه بنفي الخواطر ومحو الصفات ، والموفون بعهد الأزل بترك المعارضة في العبودية والإعراض عما سوى الحق في مقام المعرفة ، والصابرين في بأساء الافتقار إلى الله تعالى دائماً ، وضراء كسر النفس ، وحين بأس محاربة العدو الأعظم { أُولَئِكَ الذين صَدَقُوا } الله تعالى في السير إليه وبذل الوجود { وَأُولَئِكَ هُمُ المتقون } عن الشرك المنزهون عن سائر الرذائل .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ} (177)

قوله تعالى : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } . قرأ حمزة و حفص : ليس البر بنصب الراء ، والباقون برفعها ، فمن رفعها جعل البر اسم ليس ، وخبره قوله : أن تولوا ، تقديره : ليس البر توليتكم وجوهكم . ومن نصب جعل أن تولوا في موضع الرفع على اسم ليس ، تقديره : ليس توليتكم وجوهكم البر كله ، كقوله تعالى : ( ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا ) . والبر كل عمل خير يفضي بصاحبه إلى الجنة . واختلفوا في المخاطبين بهذه الآية ، فقال قوم : عنى بها اليهود والنصارى ، وذلك أن اليهود كانت تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس والنصارى قبل المشرق ، وزعم كل فريق منهم : أن البر في ذلك ، فأخبر الله تعالى أن البر غير دينهم وعملهم ولكنه ما بينه في هذه الآية ، وعلى هذا القول قتادة ومقاتل بن حيان . وقال الآخرون : المراد بها المؤمنون . وذلك أن الرجل كان في ابتداء الإسلام قبل نزول الفرائض إذا أتى بالشهادتين وصلى الصلاة إلى أي جهة كانت ثم مات على ذلك وجبت له الجنة . ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت الفرائض ، وحددت الحدود ، وصرفت القبلة إلى الكعبة ، أنزل الله هذه الآية فقال : ( ليس البر ) أي كله أن تصلوا قبل المشرق والمغرب ولا تعملوا على غير ذلك .

قوله تعالى : { ولكن البر } . ما ذكر في هذه الآية وعلى هذا القول ابن عباس ومجاهد ، وعطاء والضحاك . ولكن البر رفع ، وقرأ الباقون بتشديد النون ونصب البر .

قوله تعالى : { من آمن بالله } . جعل من وهي اسم خبر للبر وهو فعل ولا يقال البر زيد . واختلفوا في وجهه قيل لما وقع من في موقع المصدر جعله خبراً للبر ، كأنه قال ولكن البر الإيمان بالله ، والعرب تجعل الاسم خبراً للفعل وأنشد الفراء :

لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى *** ولكنما الفتيان كل فتى ندى

فجعل نبات اللحية خبر للفتى . وقيل فيه إضمار معناه ولكن البر بر من آمن بالله ، فاستغنى بذكر الأول عن الثاني . كقولهم الجود حاتم أي الجود جود حاتم . وقيل معناه ولكن ذا البر من آمن بالله . كقوله تعالى : ( هم درجات عند الله ) أي ذو درجات . وقيل معناه ولكن البر من آمن بالله كقوله تعالى ( والعاقبة للتقوى ) أي للمتقي ، والمراد من البر هاهنا الإيمان والتقوى .

قوله تعالى : { واليوم الآخر والملائكة } . كلهم .

قوله تعالى : { والكتاب } . يعني الكتب المنزلة .

قوله تعالى : { والنبيين } . أجمع .

قوله تعالى : { وآتى المال } . أعطى المال .

قوله تعالى : { على حبه } . اختلفوا في هذه الكناية ، فقال أكثر أهل التفسير : إنها راجعة إلى المال أي أعطى المال في حال صحته ومحبته المال . قال ابن مسعود : أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا موسى بن إسماعيل ، أخبرنا عبد الواحد ، ثنا عمارة بن القعقاع ، أنا أبو زرعة ، أخبرنا أبو هريرة قال : " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً ؟ قال : أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ، ولا تمهل ، حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان " . وقيل هي عائدة على الله عز وجل أي على حب الله تعالى .

قوله تعالى : { ذوي القربى } . أهل القرابة . أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، أخبرنا أبو العباس المحبوبي ، أخبرنا أبو عيسى الترمذي ، أخبرنا قتيبة ، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عاصم الأحول عن حفصة بنت سيرين عن الرباب عن عمها سليمان ابن عامر يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان ، صدقة وصلة " .

قوله تعالى : { واليتامى والمساكين وابن السبيل } . قال مجاهد : يعني المسافر المنقطع عن أهله يمر عليك ، ويقال للمسافر ابن السبيل لملازمته الطريق ، وقيل : هو الضيف ينزل بالرجل قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " .

قوله تعالى : { والسائلين } . يعني الطالبين . أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبي بجيد الأنصاري وهو عبد الرحمن بن نجيد عن جدته وهي أم نجيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ردوا السائل ولو بظلف محرق " وفي رواية قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لم تجدي شيئاً إلا ظلفاً محرقاً فادفعيه إليه " .

قوله تعالى : { وفي الرقاب } . يعني المكاتبين قاله أكثر المفسرين ، وقيل : عتق النسمة وفك الرقبة وقيل : الأسارى .

قوله تعالى : { وأقام الصلاة وآتى الزكاة } . وأعطى الزكاة .

قوله تعالى : { والموفون بعهدهم } . فيما بينهم وبين الله عز وجل وفيما بينهم وبين الناس .

قوله تعالى : { إذا عاهدوا } . يعني إذا وعدوا أنجزوا ، وإذا حلفوا ونذروا أوفوا ، وإذا عاهدوا وفوا ، وإذا قالوا صدقوا ، وإذا ائتمنوا أدوا ، واختلفوا في رفع قوله والموفون قيل : هو عطف على خبر معناه ولكن ذا البر المؤمنون والموفون بعهدهم وقيل : تقديرهم الموفون كأنه عد أصنافاً ثم قال : هم الموفون كذا ، وقيل رفع على الابتداء والخبر يعني وهم الموفون ثم قال :

قوله تعالى : { والصابرين } . وفي نصبها أربعة أوجه . قال أبو عبيدة : نصبها على تطاول الكلام ومن شأن العرب أن تغير الإعراب إذا طال الكلام والنسق ، ومثله في سورة النساء والمقيمين الصلاة ، وفي سورة المائدة والصابئون والنصارى ، وقيل معناه أعني الصابرين ، وقيل نصبه نسقاً على قوله ذوي القربى أي وآتي الصابرين . وقال الخليل : نصب على المدح والعرب تنصب على المدح والذم . كأنهم يريدون إفراد الممدوح والمذموم ، فلا يتبعونه أول الكلام وينصبونه ، فالمدح كقوله تعالى : ( والمقيمين الصلاة ) . والذم كقوله تعالى ( ملعونين أينما ثقفوا ) .

قوله تعالى : { في البأساء } . أي الشدة والفقر .

قوله تعالى : { والضراء } . المرض والزمانة .

قوله تعالى : { وحين البأس } . أي القتال والحرب . أخبرنا المطهر بن علي بن عبد الله الفارسي ، أخبرنا أبو ذر محمد بن إبراهيم الصالحاني ، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان ، أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي ، أخبرنا علي بن الجعد ، أخبرنا زهير عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن مضرب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : " كنا إذا احمر البأس ولقي القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه " ، يعني إذا اشتد الحرب .

قوله تعالى : { أولئك الذين صدقوا } . في إيمانهم .

قوله تعالى : { وأولئك هم المتقون } . محارم الله .