فأما مسألة التبني ، ودعوة الأبناء إلى غير آبائهم ، فقد كانت كذلك تنشأ من التخلخلفي بناء الأسرة ، وفي بناء المجتمع كله .
ومع ما هو مشهور من الاعتزاز بالعفة في المجتمع العربي ، والاعتزاز بالنسب ، فإنه كانت توجد إلى جانب هذا الاعتزاز ظواهر أخرى مناقضة في المجتمع ، في غير البيوت المعدودة ذات النسب المشهور .
كان يوجد في المجتمع أبناء لا يعرف لهن آباء ! وكان الرجل يعجبه أحد هؤلاء فيتبناه . يدعوه ابنه ، ويلحقه بنسبه ، فيتوارث وإياه توارث النسب .
وكان هناك أبناء لهم آباء معروفون . ولكن كان الرجل يعجب بأحد هؤلاء فيأخذه لنفسه ، ويتبناه ، ويلحقه بنسبه ، فيعرف بين الناس باسم الرجل الذي تبناه ، ويدخل في أسرته . وكان هذا يقع بخاصة في السبي ، حين يؤخذ الأطفال والفتيان في الحروب والغارات ؛ فمن شاء أن يلحق بنسبه واحدا من هؤلاء دعاه ابنه ، وأطلق عليه اسمه ، وعرف به ، وصارت له حقوق البنوة وواجباتها .
ومن هؤلاء زيد بن حارثة الكلبي . وهو من قبيلة عربية . سبي صغيرا في غارة أيام الجاهلية ؛ فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة - رضي الله عنها - فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له . ثم طلبه أبوه وعمه فخيره رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فاختار رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فأعتقه ، وتبناه ، وكانوا يقولون عنه : زيد بن محمد . وكان أول من آمن به من الموالي .
فلما شرع الإسلام ينظم علاقات الأسرة على الأساس الطبيعي لها ، ويحكم روابطها ، ويجعلها صريحة لا خلط فيها ولا تشويه . . أبطل عادة التبني هذه ؛ ورد علاقة النسب إلى أسبابها الحقيقية . . علاقات الدم والأبوة والبنوة الواقعية . وقال : ( وما جعل أدعياءكم أبناءكم ) . . ( ذلكم قولكم بأفواهكم ) . . والكلام لا يغير واقعا ، ولا ينشئ علاقة غير علاقة الدم ، وعلاقة الوراثة للخصائص التي تحملها النطفة ، وعلاقة المشاعر الطبيعية الناشئة من كون الولد بضعة حية من جسم والده الحي !
( والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ) . .
يقول الحق المطلق الذي لا يلابسه باطل . ومن الحق إقامة العلاقات على تلك الرابطة الحقة المستمدة من اللحم والدم ، لا على كلمة تقال بالفم . ( وهو يهدي السبيل )المستقيم ، المتصل بناموس الفطرة الأصيل ، الذي لا يغني غناءه سبيل آخر من صنع البشر ، يصنعونه بأفواههم . بكلمات لا مدلول لها من الواقع . فتغلبها كلمة الحق والفطرة التي يقولها الله ويهدي بها السبيل .
( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ) . .
وإنه لقسط وعدل أن يدعى الولد لأبيه . عدل للوالد الذي نشأ هذا الولد من بضعة منه حية . وعدل للولد الذي يحمل اسم أبيه ، ويرثه ويورثه ، ويتعاون معه ويكون امتدادا له بوراثاته الكامنة ، وتمثيله لخصائصه وخصائص آبائه وأجداده . وعدل للحق في ذاته الذي يضع كل شيء في مكانه ؛ ويقيم كل علاقة على أصلها الفطري ، ولا يضيع مزية على والد ولا ولد ؛ كما أنه لا يحمل غير الوالد الحقيقي تبعة البنوة ، ولا يعطيه مزاياها . ولا يحمل غير الولد الحقيقي تبعة البنوة ولا يحابيه بخيراتها !
وهذا هو النظام الذي يجعل التبعات في الأسرة متوازنة . ويقيم الأسرة على أساس ثابت دقيق مستمد من الواقع . وهو في الوقت ذاته يقيم بناء المجتمع على قاعدة حقيقية قوية بما فيها من الحق ومن مطابقة الواقع الفطري العميق . . وكل نظام يتجاهل حقيقة الأسرة الطبيعية هو نظام فاشل ، ضعيف ، مزور الأسس ، لا يمكن أن يعيش !
ونظرا للفوضى في علاقات الأسرة في الجاهلية والفوضى الجنسية كذلك ، التي تخلف عنها أن تختلط الأنساب ، وأن يجهل الآباء في بعض الأحيان ، فقد يسر الإسلام الأمر - وهو بصدد إعادة تنظيم الأسرة ، وإقامة النظام الاجتماعي على أساسها - فقرر في حالة عدم الاهتداء إلى معرفة الآباء الحقيقيين مكانا للأدعياء في الجماعة الإسلامية ، قائما على الأخوة في الدين والموالاة فيه :
( فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ) . .
وهي علاقة أدبية شعورية ؛ لا تترتب عليها التزامات محددة ، كالتزام التوارث والتكافل في دفع الديات - وهي التزامات النسب بالدم ، التي كانت تلتزم كذلك بالتبني - وذلك كي لا يترك هؤلاء الأدعياء بغير رابطة في الجماعة بعد إلغاء رابطة التبني .
وهذا النص : ( فإن لم تعلموا آباءهم ) . . يصور لنا حقيقة الخلخلة في المجتمع الجاهلي . وحقيقة الفوضى في العلاقات الجنسية . هذه الفوضى وتلك الخلخلة التي عالجها الإسلام بإقامة نظام الأسرة على أساس الأبوة . وإقامة نظام المجتمع على أساس الأسرة السليمة .
وبعد الاجتهاد في رد الأنساب إلى حقائقها فليس على المؤمنين من مؤاخذة في الحالات التي يعجزون عن الاهتداء فيها إلى النسب الصحيح :
( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ؛ ولكن ما تعمدت قلوبكم ) . .
وهذه السماحة مردها إلى أن الله سبحانه وتعالى يتصف بالغفران والرحمة ، فلا يعنت الناس بما لا يستطيعون :
ولقد شدد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] في التثبت والتأكد من النسب لتوكيد جدية التنظيم الجديد الذي يلغي كل أثر للتخلخل الاجتماعي الجاهلي . وتوعد الذين يكتمون الحقيقة في الأنساب بوصمة الكفر . قال ابن جرير : حدثنا يعقوب بن إبراهيم . حدثنا ابن علية . عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال : قال أبو بكر - رضي الله عنه - قال الله عز وجل : ( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ) . . فأنا ممن لا يعرف أبوه ، فأنا من إخوانكم في الدين . . قال أبي [ من كلام عيينة بن عبد الرحمن ] : والله إني لأظنه لو علم أن أباه كان حمارا لانتمى إليه . وقد جاء في الحديث : " من ادعى إلى غير أبيه - وهو يعلم - إلا كفر " . . وهذا التشديد يتمشى مع عناية الإسلام بصيانة الأسرة وروابطها من كل شبهة ومن كل دخل ؛ وحياطتها بكل أسباب السلامة والاستقامة والقوة والثبوت . ليقيم عليها بناء المجتمع المتماسك السليم النظيف العفيف .
{ ادعوهم لآِبَائِهِمْ } أي انسبوهم إليهم وخصوهم بهم ، أخرج الشيخان . والترمذي . والنسائي . وغيرهم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن { ادعوهم لآِبَائِهِمْ } الخ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنت زيد بن حارثة بن شراحيل ، وكان من أمره رضي الله تعالى عنه على ما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه كان في أخواله بني معن من بني ثعل من طي فأصيب في نهب من طي فقدم به سوق عكاظ وانطلق حكيم بن حزام بن خويلد إلى عكاظ يتسوق بها فأوصته عمته خديجة أو يبتاع لها غلاماً ظريفاً عربياً إن قدر عليه فلما قدم وجد زيداً يباع فيها فأعجبه ظرفه فابتاعه فقدم به عليها وقال لها : إني قد ابتعت لك غلاماً ظريفاً عربياً فإن أعجبك فخذيه وإلا فدعيه فإنه قد أعجبني فلما رأته خديجة فأخذته فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عندها فأعجب النبي عليه الصلاة والسلام ظرفه فاستوهبه منها . فقالت أهبه لك فإن أردت عتقه فالولاء لي فأبى عليهما عليه الصلاة والسلام فأوهبته له إن شاء أعتق وإن شاء أملك قال : فشب عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم إنه خرج في إبل لأبي طالب بأرض الشام فمر بأرض قومه فعرفه عمه فقام إليه فقال : من أنت يا غلام ؟ قال : غلام من أهل مكة قال : من أنفسهم ؟ قال : لا قال : فحر أنت أم مملوك قال : بل مملوك قال : لمن ؟ قال : لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب فقال له : أعرابي أنت أم عجمي ؟ قال : عربي قال : ممن أصلك ؟ قال : من كلب قال : من أي كلب ؟ قال : من بني عبد ود قال : ويحك ابن من أنت ؟ قال : ابن حارثة بن شراحيل قال : وأيت أصبت ؟ قال : في أخوالي قال : ومن أخوالك ؟ قال طي قال : ما اسم أمك ؟ قال : سعدى فالتزمه وقال : ابن حارثة ودعا أباه فقال : يا حارثة هذا ابنك فأتاه حارثة فلما نظر إليه عرفه قال : كيف صنع مولاك إليك ؟ قال : يؤثرني على أهله وولده فركب معه أبوه وعمه وأخوه حتى قدموا مكة فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له حارثة : يا محمد أنتم أهل حرم الله تعالى وجيرانه وعند بيته تفكون العاني وتطعمون الأسير ابني عندك فأمنن علينا وأحسنت إلينا في فدائه فإنك ابن سيد قومه وإنا سنرفع إليك في الفداء ما أحببت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطيكم خيراً من ذلك قالوا : وما هو ؟ قال أخيره فإن اختاركم فخذوه بغير فداء وإن اختارني فكفوا عنه فقال : جزاك الله تعالى خيراً فقد أحسنت فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا زيد أتعرف هؤلاء ؟ قال : نعم هذا أبي وعمي وأخي فقال عليه الصلاة والسلام : فهم من قد عرفتهم فإن اخترتهم فاذهب معهم وإن اخترتني فأنا من تعلم قال له زيد : ما أنا بمختار عليك أحداً أبداً أنت معي بمكان الوالد والعم قال أبوه وعمه : أيا زيد أتختار العبودية ؟ قال : ما أنا بمفارق هذا الرجل فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصه عليه قال : اشهدوا أنه حر وأنه ابني يرثني وأرثه فطابت نفس أبيه وعمه لما رأوا من كرامته عليه الصلاة والسلام فلم يزل في الجاهلية يدعى زيد بن محمد حتى نزل القرآن { ادعوهم لاِبَائِهِمْ } فدعى زيد بن حارثة ، وفي بعض الروايات أن أباه سمع أنه بمكة فأتاه هو وعمه وأخوه فكان ما كان { هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله } تعليل للأمر والضمير لمصدر ادعوا كما في قوله تعالى : { اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى } [ المائدة : 8 ] ، و { أَقْسَطُ } أفعل تفضيل قصد به الزيادة مطلقاً من القسط بمعنى العدل والمراد به البالغ في الصدق فاندفع ما يتوهم من أن المقام يقتضي ذلك الصدق لا العدل أي دعاؤكم إياهم لآبائهم بالغ في العدل والصدق وزائد فيه في حكم الله تعالى وقضائه عز وجل .
وجوز أن يكون أفعل على ما هو الشائع فيه ، والمعنى أعدل مما قالوه ويكون جعله ذا عدل مع أنه زور لا عدل فيه أصلاً على سبيل التهكم { فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ } أي تعرفوا { ءابَاءهُمُ } فتنسبوهم إليهم { فَإِخوَانُكُمْ } أي فهم إخوانكم { فِى الدين ومواليكم } أي وأولياؤكم فيه فادعوهم بالأخوة والمولوية بتأويلهما بالأخوة والولاية في الدين ، وبهذا المعنى قيل لسام بعد نزول الآية مولى حذيفة وكان قد تبناه قبل ، وقيل : { مواليكم } أي بنو أعمامكم ، وقيل : معتقوكم ومخروركم وكأن دعاءهم بذلك لتطييب قلوبهم ولذا لم يؤمر بدعائهم بأسمائهم فقط .
{ ومواليكم وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } أي إثم { فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } أي فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل النهي .
{ ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } أي ولكن الجناح والإثم فيما تعمدتموه بعد النهي على أن { مَا } في محل الجر عطفاً على ما من { فِيمَا أَخْطَأْتُمْ } وتعقب بأن المعطوف المجرور لا يفصل بينه وبين ما عطف عليه ، ولذا قال سيبويه في قولهم ما مثل عبد الله يقول ذلك ولا أخيه : إنه حذف المضاف من جهة المعطوف وأبقى المضاف إليه على إعرابه والأصل ولا مثل أخيه ليكون العطف على المرفوع . وأجيب بالفرق بين ما هنا والمثال وإن لا فصل فيه لأن المعطوف هو الموصول مع صلته أعني ما تعمدت على مثله أعني ما أخطأتم أو لوكن ما تعمدتم فيه الجناح على أن ما في موضع رفع على الابتداء وخبره جمل مقدرة ، ونسبة التعمد إلى القلوب على حد السنبة في قوله تعالى : { فإنه آثم قلبه } [ البقرة : 3 28 ] وكون المراد في الأول قبل النهي وفي الثاني بعده أخرجه الفريابي . وابن أبي شيبة . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن مجاهد ، وقيل : كلا الأمرين بعد النهي والخطأ مقابل العمد ، والمعنى لا إثم عليكم إذ قلتم لولد غيركم يا بني على سبيل الخطأ وعدم التعمد كأن سهوتهم أو سبق لسانكم ولكن الإثم عليكم إذا قلتم ذلك متعمدين . وأخرج ابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال في الآية : لو دعوت رجلاً لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه لم يكن عليك بأس ولكن ما تعمدت وقصدت دعاءه لغير أبيه .
وجوز أن يراد بقوله تعالى : { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } الخ العفو عن الخطأ دون العمد على طريق العموم لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لست أخاف عليكم الخطأ ولكن أخاف عليكم العمد " وحديث ابن عباس قال : " قال عليه الصلاة والسلام وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه " ثم تناول لعمومه خطأ التبني وعمده ، والجملة على تقديري الخصوص والعموم واردة على سبيل الاعتراض التذييلي تأكيداً لامتثال ما ندبوا إليه مع ادماج حكم مقصود في نفسه ، وجعلها بعضهم عطفاً مؤولاً بجملة طلبية على معنى ادعوهم لآبائهم وهو أقسط لكم ولا تدعوهم لأنفسكم متعمدين فتاثموا على تقدير الخصوص وجملة مستطردة على تقدير العموم وتعقب بأنه تكلف عنه مندوحة ، وظاهر الآية حرمة تعمد دعوة الإنسان لغير أبيه ، ولعل ذلك فيما إذا كانت الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية ، وأما إذا لم تكن كذلك كما يقول الكبير للصغير على سبيل التحنن والشفقة يا ابني وكثيراً ما يقع ذلك فالظاهر عدم الحرمة .
وفي «حواشي الخفاجي » على تفسير البيضاوي النبوة وإن صح فيها التأويل كالأخوة لكن نهى عنها بالتشهبية بالكفرة والنهي للتنزيه انتهى ، ولعله لم يرد بهذا النهي ما تدل عليه الآية المذكورة فإن ما تدل عليه نهي التحريم عن الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية ، والأولى أن يقال في تعليل النهي : سداً لباب التشبه بالكفرة بالكلية ، وهذا الذي ذكره الخفاجي من كراهة قول الشخص لولد غيره يا ابني حكاه لي من ارتضيه عن فتاوي ابن حجر الكبرى ، وحكم التبني بقوله : هو ابني إن كان عبداً للقائل العتق على كل حال ولا يثبت نسبه منه إلا إذا كان مجهول النسب وكان بحيث يولد مثله لمثله ولم يقر قبله بنسب من غيره ، وعند الشافعي لا عبر بالتنبي فلا يفيد العتق ولا ثبوت النسب ، وتحقيق ذلك في موضعه ، ثم الظاهر أنه لا فرق إذا لم يعرف الأب بين أن يقال يا أخي وأن يقال يا مولاي في أن كلاً منهما مباح مطلقاً حينئذ لكن صرح بعضهم بحرمة أن يقال للفاسق يا مولاي لخبر في ذلك ، وقيل : لما أن فيه تعظيمه وهو حرام ، ومقتضاه أن قول يا أخي إذا كان فيه تعظيم بأن كان من جليل الشأن حرام أيضاً ، فلعل الدعاء لغير معروف الأب بما ذكر مخصوص بما إذا لم يكن فاسقاً ودليل التخصيص هو دليل حرمة تعظيم الفاسق فتدبر ، وكذا الظاهر أنه لا فرق في أمر الدعوة بين كون المدعو ذكراً وكونه أنثى لكن لم نقف على وقوع التبني لإناث في الجاهلية والله تعالى أعلم { وَكَانَ الله غَفُوراً } فيغفر للعامد إذا تاب { رَّحِيماً } ولذا رفع سبحانه الجناح عن المخطئ ، ويعلم من الآية أنه لا يجوز انتساب الشخص إلى غير أبيه ، وعد ذلك بعضهم من الكبائر لما أخرج الشيخان .
وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام »
وأخرج الشيخان أيضاً «من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله تعالى والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله تعالى منه صرفاً ولا عدلاً » وأخرجا أيضاً «ليس منم رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلم إلا كفر »
وأخرج الطبراني في الصغير من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وحديثه حسن قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر من تبرأ من نسب وأن دق أو ادعى نسباً لا يعرف » إلى غير ذلك من الأخبار ، هذا ومناسبة قوله تعالى : { مَّا جَعَلَ الله } [ الأحزاب : 4 ] الخ لما قبله أنه شروع في ذلك شيء من الوحي الذي أمر صلى الله عليه وسلم في اتباعه كذا قيل ، وقيل : إنه تعالى لما أمر بالتقوى كان من حقها أن لا يكون في القلب تقوى غير الله تعالى فإن المرء ليس له قلبان يتقي بأحدهما الله تعالى وبالآخر غيره سبحانه إلا بصرف القلب عن جهة الله تعالى إلى غيره جل وعلا ولا يليق ذلك بمن يتقي الله تعالى حق تقاته ، وعن أبي مسلم أنه متصل بقوله تعالى : { وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين } [ الأحزاب : 1 ] حيث جيء به للرد عليهم ، والمعنى ليس لأحد قلبان يؤمن بأحدهما ويكفر بالآخر وإنما هو قلب واحد فأما أن يؤمن وإما أن يكفر ، وقيل هو متصل بلا تطع وابتع والمعنى أنه لا يمكن الجمع بين اتباعين متضادين اتباع الوحي والقرآن واتباع أهل الكفر والطغيان فكنى عن ذلك بذكر القلبين لأن الاتباع يصدر عن الاعتقاد وهو من أفعال القلوب فكما لا يجمع قلبان في جوف واحد لا يجمع اعتقادان متضادان في قلب واحد ، وقيل : هو متصل بقوله تعالى : { وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وكفى بالله وَكِيلاً } [ الأحزاب : 3 ] من حيث أنه مشعر بوحدته عز وجل فكأنه قيل : وتوكل على الله وكفى به تعالى وكيلاً فإنه سبحانه وتعالى وحده المدبر لأمور العالم ، ثم أشار سبحاه وتعالى إلى أن أمر الرجل الواحد لا ينتظم ومعه قلبان فكيف تنتظم أمور العالم وله إلهان ، وقيل : إن ذاك مسوق للتنفير عن إطاعة الكفرة والمنافقين بحكاية أباطيلهم ، وذكر أن قوله تعالى : { مَّا جَعَلَ } الخ ضرب مثلاً للظهار والتبني أي كما لا يكو لرجل قلبان لا تكون المظاهرة أما والمتبني ابناً ، وجعل المذكورات الثلاث بجملتها مثلاً فيما لا حقيقة له وارتضى ذلك غير واحد ، وقال الطيبي : إن هذا أنسب لنظم القرآن لأنه تعالى نسق المنفيات الثلاث عن ترتيب واحد ، وجعل سبحانه قوله جل وعلا : { ذلكم } فذلكة لها ثم حكم تعالى بأن ذلك قول لا حقيقة له ، ثم ذيل سبحانه وتعالى الكل بقوله تعالى : { والله يَقُولُ الحق وَهُوَ يَهْدِى السبيل } [ الأحزاب : 4 ] وتعقبه في «الكشف » بأن سبب النزول وقوله سبحانه بعد التذييل { ادعوهم لاِبَائِهِمْ } الآية شاهدا صدق بأن الأول مضروب للتبني ثم إنهم ما كانوا يجعلون الأزواج أمهات بل كانوا يجعلون اللفظ طلاقاً فإدخاله في قرن مسألة التبني استطراداً هو الوجه لا أنه قول لا حقيقة له كالأول .
وانتصر الخفاجي للجماعة فقال : لو كان مثلاً للتبني فقط لم يفصل منه ، وكون القلبين لرجل وجعل المتبني ابناً في جميع الأحكام مما لا حقيقة له في نفس الأمر ولا في شرع ظاهر ، وكذا جعل الأزواج كالأمهات في الحرمة المؤبدة مطلقاً من مخترعاتهم التي لم يستندوا فيها إلى مستند شرعي فلا حقيقة له أيضاً فما ادعاه غير وارد عليهم لاسيما مع مخالفته لما روى عنهم انتهى ، ويد الله تعالى مع الجماعة ، وبين الطيبي نظم الآيات من مفتتح السورة إلى هنا فقال : إن الاستهلال بقوله تعالى : { يا أيها النبي اتق الله } [ الأحزاب : 1 ] دال على أن الخطاب مشتمل على التبنية على أمر معتنى بشأنه لائح فيه معنى التعييج والإلهاب ، ومن ثم عطف عليه { وَلاَ تُطِعِ } كما يعطف الخاص على العام وأردف النهي بالأمر على نحو قولك لا تطع من يخذلك وابتع ناصرك ، ولا يبعد أن يسمى بالطرد والعكس ، ثم أمر بالتوكل تشجيعاً على مخالفة أعداء الدين والالتجاء إلى حريم جلال الله تعالى ليكفيه شرورهم ، ثم عقب سبحانه كلا من تلك الأوامر على سبيل التتميم والتذييل بما يطابقه ، وعلل قوله تعالى : { وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين } بقوله سبحانه وتعالى : { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً } [ الأحزاب : 1 ] تتميماً للارتداع أي اتق الله فيما تأتي وتذر في سرك وعلانيتك لأنه تعالى عليم بالأحوال كلها يجب أن يحذر من سخطه حكيم لا يحب متابعة حبيبه أعداءه ، وعلل قوله تعالى : { واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبّكَ } [ الأحزاب : 2 ] بقوله تعالى : { إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } [ الأحزاب : 2 ] تتميماً أيضاً أي اتبع الحق ولا تتبع أهواءهم الباطلة وآراءهم الرائغة لأن الله تعالى يعلم عملك وعملهم فيكافئ كلاماً يستحقه ، وذيل سبحانه وتعالى قوله تبارك وتعالى : { وَتَوَكَّلْ عَلَى الله } بقوله تعالى : { وكفى بالله وَكِيلاً } [ الأحزاب : 3 ] تقريراً وتوكيداً على منوال فلان ينطق والحق أبلج يعني من حق من يكون كافياً لكل الأمور أن تفوض الأمور إليه وتوكل عليه ، وفصل قوله تعالى : { مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ } [ الأحزاب : 4 ] على سبيل الاستئناف تنبيهاً على بعض من أباطيلهم وتمحلاتهم ، وقوله تعالى : { ذَلِكُمْ قَوْلُكُم } الخ فذلكة لتلك الأقوال آذنت بأنها جديرة بأن يحكم عليها بالبطلان وحقيق بأن يذم قائلها فضلاً عن أن يطاع ، ثم وصل تعالى : { والله يَقُولُ الحق } [ الأحزاب : 4 ] الخ على هذه الفذلكة بجامع التضاد على منوال ما سبق في { وَلاَ تُطِعِ } وفضل قوله تعالى : { ادعوهم لآبائهم هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله } وقوله تعالى : { النبي } الخ وهلم جرا إلى آخر السورة تفصيلاً لقول الحق والاهتداء إلى السبيل القويم انتهى فتأمل ولا تغفل .
ومن باب الإشارة : { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم } [ الأحزاب : 5 ] فيه إشارة إلى أن للدين نوعاً من الأبوة ولهذا قد يقع به التوارث
قوله تعالى :{ ادعوهم لآبائهم } الذين ولدوهم ، { هو أقسط } أعدل ، { عند الله } .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، أنبأنا محمد بن إسماعيل ، أنبأنا معلى بن أسد ، أنبأنا عبد العزيز المختار ، أنبأنا موسى بن عقبة ، حدثني سالم عن عبد الله بن عمر أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما كنا ندعو إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله } { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم } أي : فهم إخوانكم ، { في الدين ومواليكم } إن كانوا محررين وليسوا بنيكم ، أي : سموهم بأسماء إخوانكم في الدين . وقيل : مواليكم أي : أولياءكم في الدين ، { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } قبل النهي فنسبتموه إلى غير أبيه ، { ولكن ما تعمدت قلوبكم } من دعائهم إلى غير آبائهم بعد النبي . وقال قتادة : فيما أخطأتم به أن تدعوه لغير أبيه ، وهو يظن أنه كذلك . ومحل " ما " في قوله تعالى : ما تعمدت خفض رداً على ما التي في قوله فيما أخطأتم به مجازه : ولكن فيما تعمدت قلوبكم . { وكان الله غفوراً رحيماً } .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، أنبأنا محمد بن إسماعيل ، أنبأنا محمد بن بشار ، أنبأنا غندر ، أنبأنا شعبة عن عاصم ، قال : سمعت أبا عثمان قال : سمعت سعداً ، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله ، وأبا بكرة وكان قد تسور حصن الطائف في أناس ، فجاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالا : سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه ، فالجنة عليه حرام " .