( قل : أغير الله أبغي ربا ، وهو رب كل شيء ، ولا تكسب كل نفس إلا عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ؟ ) . .
كلمة تتقصى السماوات والأرض وما فيهن ومن فيهن ؛ وتشتمل كل مخلوق مما يعلم الإنسان ومما يجهل ؛ وتجمع كل حادث وكل كائن في السر والعلانية . . ثم تظللها كلها بربوبية الله الشاملة لكل كائن في هذا الكون الهائل ؛ وتعبدها كلها لحاكمية الله المطلقة عقيدة وعبادة وشريعة
( أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ) ؟
أغير الله أبغي ربا يحكمني ويصرف أمري ويهيمن علي ويقومني ويوجهني ؟ وأنا مأخوذ بنيتي وعملي ، محاسب على ما أكسبه من طاعة ومعصية ؟
أغير الله أبغي ربا . وهذا الكون كله في قبضته ؛ وأنا وأنتم في ربوبيته ؟
أغير الله أبغي ربا وكل فرد مجزي بذنبه لا يحمله عنه غيره ؟ ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ؟ ) . .
أغير الله أبغي ربا وإليه مرجعكم جميعاً فيحاسبكم على ما كنتم تختلفون فيه ؟
أغير الله أبغي ربا ، وهو الذي استخلف الناس في الأرض ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات في العقل والجسم والرزق ؛ ليبتليهم أيشكرون أم يكفرون ؟
أغير الله أبغي ربا ، وهو سريع العقاب ، غفور رحيم لمن تاب ؟
أغير الله أبغي ربا ، فأجعل شرعه شرعاً ، وأمره أمراً ، وحكمه حكماً . وهذه الدلائل والموحيات كلها حاضرة ؛ وكلها شاهدة ؛ وكلها هادية إلى أن الله وحده هو الرب الواحد المتفرد ؟ ؟ ؟
إنها تسبيحة التوحيد الرخية الندية ؛ يتجلى من خلالها ذلك المشهد الباهر الرائع . مشهد الحقيقة الإيمانية ، كما هي في قلب رسول الله [ ص ] وهو مشهد لا يعبر عن روعته وبهائه إلا التعبير القرآني الفريد . .
إنه الإيقاع الأخير في السياق الذي استهدف قضية الحاكمية والشريعة ؛ يجيء متناسقاً مع الإيقاعات الأولى في السورة ، تلك التي استهدفت قضية العقيدة والإيمان ؛ من ذلك قوله تعالى : ( قل : أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض ، وهو يطعم ولا يطعم ؟ قل : إني أمرت أن أكون أول من أسلم ، ولا تكونن من المشركين . قل : إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه ، وذلك الفوز المبين ) . . . وغيرها في السورة كثير .
{ قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِى رَبّا } إنكار لبغية غيره تعالى رباً لا لبغية الرب ولهذا قدم المفعول ، وليس التقديم للاختصاص إذ المقصود أغير الله أطلب رباً وأجعله شريكاً له ، وعلى تقدير الاختصاص لا يكون إشراكاً للغير بل توحيد ، وقال بعض المحققين : لا يبعد أن يقال التقديم للاختصاص . وذكر في رد دعوته إلى الغير رد الاختصاص تنبيهاً على أن إشراك الغير بغية غير الله تعالى إذ لا بغية له سبحانه إلا بتوحيده عز وجل ، وما في النظم الكريم أبلغ من أغير الله أعبد ونحوه كما لا يخفى { وَهُوَ } سبحانه { رَبُّ كُلّ شَىْء } جملة حالية مؤكدة للإنكار أي والحال أن كل ما سواه مربوب ( له مثلي ) فكيف يتصور أن يكون شريكاً له ( في المعبودية ) ( 1 ) .
{ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } يروى أنهم كانوا يقولون للمسلمين : «اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم » فرد عليهم بما ذكر أي أن ما كسبته كل نفس من الخطايا محمولة عليها لا على غيرها حتى يصح قولكم ، وعلى هذا يكون قوله سبحانه : { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ } أي نفس آثمة { وِزْرَ أخرى } تأكيداً لما قبله ، وقيل : إن قولهم ذلك يحتمل معنيين . الأول : اتبعوا سبيلنا وليكتب علينا ما عملتم من الخطايا لا عليكم . والثاني : اتبعوا لنحمل يوم القيامة ما كتب عليكم من الخطايا .
وقوله تعالى : { وَلاَ تَكْسِبُ } الخ رد له بالمعنى الأول ؛ وقوله سبحانه : { وَلاَ تَزِرُ } الخ رد له بالمعنى الثاني ، وقيل : إن جواب قولهم هو الثاني ، وأن الأول من جملة الجواب عن دعواهم إلى عبادة آلهتهم يعني لو أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه لم أكن معذوراً بأنكم سبقتموني إليه وقد فعلته متابعة لكم ومطاوعة فلا يفيدني ذلك شيئاً ولا ينجيني من الله تعالى لأن كسب كل أحد وعمله عائد عليه ، ورجحه بعضهم على الأول بأن التأسيس خير من التأكيد { ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى الكل لتأكيد الوعد وتشديد الوعيد أي إلى مالك ( أموركم و ) رجوعكم يوم القيامة { فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } ببيان الرشد من الغي وتمييز الحي من اللي .
( ومن باب الإشارة ) :{ قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِى رَبّا } فأطلب مستحيلاً { وَهُوَ رَبُّ كُلّ شَىْء } أي وما سواه باعتبار تفاصيل صفاته سبحانه مربوب { وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } إذ كسب النفس شرك في أفعاله تعالى وكل من أشرك فوباله عليه . { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } [ الأنعام : 164 ] لعدم تجاوز الملائكة إلى غير صاحبها
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.