( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ) . .
واليتيم ضعيف في الجماعة ، بفقده الوالد الحامي والمربي . ومن ثم يقع ضعفه على الجماعة المسلمة - على أساس التكافل الاجتماعي الذي يجعله الإسلام قاعدة نظامه الاجتماعي - وكان اليتيم ضائعاً في المجتمع العربي في الجاهلية . وكثرة التوجيهات الواردة في القرآن وتنوعها وعنفها أحيانا تشي بما كان فاشيا في ذلك المجتمع من ضيعة اليتيم فيه ؛ حتى انتدب الله يتيما كريماً فيه ؛ فعهد إليه بأشرف مهمة في الوجود . حين عهد إليه بالرسالة إلى الناس كافة ، وجعل من آداب هذا الدين الذي بعثه به رعاية اليتيم وكفالته على النحو الذي نرى منه هذا التوجيه :
( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ) .
فعلى من يتولى اليتيم ألا يقرب ماله إلا بالطريقة التي هي أحسن لليتيم . فيصونه وينميه ، حتى يسلمه له كاملاً ناميا عند بلوغه أشده . أي اشتداد قوته الجسمية والعقلية . ليحمي ماله ، ويحسن القيام عليه . وبذلك تكون الجماعة قد أضافت إليها عضواً نافعاً ؛ وسلمته حقه كاملا .
وهناك خلاف فقهي حول سن الرشد أو بلوغ الأشد . . عند عبد الرحمن بن زيد وعند مالك ، بلوغ الحلم . وعند أبي حنيفة خمسة وعشرون عاما . وعند السدي ثلاثون ، وعند أهل المدينة بلوغ الحلم وظهور الرشد معاً بدون تحديد .
( وأوفوا الكيل والميزان بالقسط - لا نكلف نفسا إلا وسعها - ) .
وهذه في المبادلات التجارية بين الناس في حدود طاقة التحري والإنصاف . والسياق يربطها بالعقيدة ؛ لأن المعاملات في هذا الدين وثيقة الارتباط بالعقيدة . والذي يوصي بها ويأمر هو الله . ومن هنا ترتبط بقضية الألوهية والعبودية ، وتذكر في هذا المعرض الذي يبرز فيه شأن العقيدة ، وعلاقتها بكل جوانب الحياة . .
ولقد كانت الجاهليات - كما هي اليوم - تفصل بين العقيدة والعبادات ، وبين الشرائع والمعاملات . . من ذلك ما حكاه القرآن الكريم عن قوم شعيب : ( قالوا : يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ) ؟ !
ومن ثم يربط السياق القرآني بين قواعد التعامل في المال والتجارة والبيع والشراء ، وبين هذا المعرض الخاص بالعقيدة ، للدلالة على طبيعة هذا الدين ، وتسويته بين العقيدة والشريعة ، وبين العبادة والمعاملة ، في أنها كلها من مقومات هذا الدين ، المرتبطة كلها في كيانه الأصيل .
( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) . .
وهنا يرتفع الإسلام بالضمير البشري - وقد ربطه بالله ابتداء - إلى مستوى سامق رفيع ، على هدى من العقيدة في الله ومراقبته . . فهنا مزلة من مزلات الضعف البشري . الضعف الذي يجعل شعور الفرد بالقرابة هو شعور التناصر والتكامل والامتداد ؛ بما أنه ضعيف ناقص محدود الأجل ؛ وفي قوة القرابة سند لضعفه ؛ وفي سعة رقعتها كمال لوجوده ، وفي امتدادها جيلاً بعد جيل ضمان لامتداده ! ومن ثم يجعله ضعيفاً تجاه قرابته حين يقف موقف الشهادة لهم أو عليهم ، أو القضاء بينهم وبين الناس . . وهنا في هذه المزلة يأخذ الإسلام بيد الضمير البشري ليقول كلمة الحق والعدل ، على هدى من الاعتصام بالله وحده ، ومراقبة الله وحده ، اكتفاء به من مناصرة ذوي القربى ، وتقوى له من الوفاء بحق القرابة دون حقه ؛ وهو - سبحانه - أقرب إلى المرء من حبل الوريد . .
لذلك يعقب على هذا الأمر - وعلى الوصايا التي قبله - مذكراً بعهد الله :
ومن عهد الله قولة الحق والعدل ولو كان ذا قربى . ومن عهد الله توفية الكيل والميزان بالقسط . ومن عهد الله ألا يقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن . ومن عهد الله حرمة النفس إلا بالحق . . وقبل ذلك كله . . من عهد الله ألا يشركوا به شيئاً . فهذا هو العهد الأكبر ، المأخوذ على فطرة البشر ، بحكم خلقتها متصلة بمبدعها ، شاعرة بوجوده في النواميس التي تحكمها من داخلها كما تحكم الكون من حولها .
ثم يجيء التعقيب القرآني في موضعه بعد التكاليف :
( ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ) . .
والذكر ضد الغفلة . والقلب الذاكر غير الغافل ، وهو يذكر عهد الله كله ، ويذكر وصاياه المرتبطة بهذا العهد ولا ينساها .
{ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم } أي لا تتعرضوا له بوجه من الوجوه { إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ } أي بالفعلة التي هي أحسن ما يفعل بماله كحفظه وتثميره ، وقيل : المراد لا تقربوا ماله إلا وأنتم متصفون بالخصلة التي هي أحسن الخصال في مصلحته فمن لم يجد نفسه على أحسن الخصال ينبغي أن لا يقربه وفيه بعد ؛ والخطاب للأولياء والأوصياء لقوله تعالى : { حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } فإنه غاية لما يفهم من الاستثناء لا للنهي كأنه قيل : احفظوه حتى يبلغ فإذا بلغ فسلموه إليه كما في قوله سبحانه : { فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا اليهم بأموالهم } [ النساء : 6 ] والأشد على ما قال الفراء جمع لا واحد له . وقال بعض البصريين : هو مفرد كآنك ولم يأت في المفردات على هذا الوزن غيرهما . وقيل : هو جمع شدة كنعمة وأنعم ، وقدر فيه زيادة الهاء لكثرة جمع فعل على أفعل كقدح وأقدح . وقال ابن الأنباري : إنه جمع شد بضم الشين كود واود . وقيل : جمع شد بفتحها . وأياً ما كان فهو من الشدة أي القوة أو الارتفاع من شد النهار إذا ارتفع . ومنه قول عنترة
: عهدي به شد النهار كأنما *** خضب البنان ورأسه بالعظلم
والمراد ببلوغ الأشد عند الشعبي وجماعة : بلوغ الحلم . وقيل : أن يبلغ ثماني عشرة سنة ، وقال السدي : أن يبلغ ثلاثين إلا أن الآية منسوخة بقوله تعالى : { حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ } [ النساء : 6 ] وقيل : غير ذلك . وقد تقدم الخلاف في زمن دفع مال اليتيم إليه وأشبعنا الكلام في تحقيق الحق في ذلك فتذكر .
{ وَأَوْفُوا } أي أتموا { الكيل } أي المكيل فهو مصدر بمعنى اسم المفعول { والميزان } كذلك كما قال أبو البقاء وجوز أن يكون هناك مضاف محذوف أي مكيل الكيل وموزون الميزان { بالقسط } أي بالعدل وهو في موضع الحال من ضمير { أَوْفُواْ } أي مقسطين . وقال أبو البقاء : يجوز أن يكون حالاً من المفعول أي تاماً . ولعل الإتيان بهذه الحال للتأكيد . وفي «التفسير الكبير » «فإن قيل : إيفاء الكيل والميزان هو عين القسط فما الفائدة من التكرير ؟ قلنا : أمر الله تعالى المعطي بإيفاء ذي الحق حقه من غير نقصان وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة » فتدبر .
{ لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } إلا ما يسعها ولا يعسر عليها . والجملة مستأنفة جيء بها عقيب الأمر بإيفاء الكيل والميزان بالعدل للترخيص فيما خرج عن الطاقة لما أن في مراعاة ذلك كما هو حرجاً مع كثرة وقوعه فكأنه قيل : عليكم بما في وسعكم في هذا الأمر وما وراءه معفو عنكم . وجوز أن يكون جىء بها لتهوين أمر ما تقدم من التكليفات ليقبلوا عليها كأنه قيل : جميع ما كلفناكم به ممكن غير شاق ونحن لا نكلف ما لا يطاق .
{ وَإِذَا قُلْتُمْ } قولاً في حكومة أو شهادة أو نحوهما { فاعدلوا } فيه وقولوا الحق { وَلَوْ كَانَ } المقول له أو عليه { ذَا قربى } أي صاحب قرابة منكم { وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ } أي ما عهد إليكم من الأمور المعدودة أو أي عهد كان فيدخل فيه ما ذكر دخولاً أولياً أو ما عاهدتم الله تعالى عليه من أيمانكم ونذوركم . والجار والمجرور متعلق بما بعده ، وتقديمه للاعتناء بشأنه { ذلكم } أي ما فصل من التكاليف الجليلة { وصاكم بِهِ } أمركم به أمرا مؤكدا { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ما في تضاعيفه وتعملون بمقتضاه . وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { تَذَكَّرُونَ } بتخفيف الذال والباقون بالتشديد في كل القرآن وهما بمعنى واحد .
وختمت الآية الأولى بقوله سبحانه : { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [ الأنعام : 151 ] وهذه بقوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } لأن القوم كانوا مستمرين على الشرك وقتل الأولاد وقربان الزنا وقتل النفس المحرمة بغير حق غير مستنكفين ولا عاقلين قبحها فنهاهم سبحانه لعلهم يعقلون قبحها فيستنكفوا عنها ويتركوها . وأما حفظ أموال اليتامى عليهم وإيفاء الكيل والعدل في القول والوفاء بالعهد فكانوا يفعلونه ويفتخرون بالاتصاف به فأمرهم الله تعالى بذلك لعلهم يذكرون إن عرض لهم نسيان ؛ قاله القطب الرازي ، ثم قال فإن قلت إحسان الوالدين من قبيل الثاني أيضاً فكيف ذكر من الأول ؟ قلت : أعظم النعم على الإنسان نعمة الله تعالى ويتلوها نعمة الوالدين لأنهما المؤثران في الظاهر ومنهما نعمة التربية والحفظ عن الهلاك في وقت الصغر فلما نهى عن الكفر بالله تعالى نهى بعده عن الكفران في نعمة الأبوين تنبيهاً على أن القوم لما لم يرتكبوا الكفران فبطريق الأولى أن لا يرتكبوا الكفر .
وقال الإمام : السبب في ختم كل آية بما ختمت «أن التكاليف الخمسة المذكورة في الآية الأولى ( أمور ) ظاهرة جلية فوجب تعقلها وتفهمها والتكاليف الأربعة المذكورة في هذه الآية أمور خفية غامضة لا بد فيها من الاجتهاد والفكر الكثير حتى يقف على موضع الاعتدال وهو التذكر » انتهى . ويمكن أن يقال : إن أكثر التكليفات الأول أُدِّي بصيغة النهي وهو في معنى المنع والمرء حريص على ما منع فناسب أن يعلل الإيصاء بذلك بما فيه إيماء إلى معنى المنع والحبس وهذا بخلاف التكليفات الأُخر فإن أكثرها قد أُدِّي بصيغة الأمر وليس المنع فيه ظاهراً كما في النهي فيكون تأكيد الطلب والمبالغة فيه ليستمر عليه ويتذكر إذا نسي فليتدبر .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم } أي ما أعد ليتيم القلب المنقطع عن علائق الدنيا والآخرة من المعارف التي هي وراء طور العقل { إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ } وهي التصديق بذلك إجمالاً وعدم إنكاره { حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } فيقوى على قبول أنواع التجليات ، وحينئذٍ يصح لكم أن تقربوا ما أعد الله تعالى له من هاتيك المعارف لقوة قلوبكم وتقدس أرواحكم . ومن الناس من جعل اليتيم إشارة إلى حضرة الرسالة عليه الصلاة والسلام وهو كما ترى { وَأَوْفُوا الكيل } أي كيل الشرع بمراعاة الحقوق الظاهرة { والميزان } أي ميزان الحقيقة بمراعاة الحقوق الباطنة { بالقسط } بالعدل { وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا } أي لا تقولوا إلا الحق { وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ } [ الأنعام : 152 ] وهو التوحيد