في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞قَالُوٓاْ إِن يَسۡرِقۡ فَقَدۡ سَرَقَ أَخٞ لَّهُۥ مِن قَبۡلُۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ يُبۡدِهَا لَهُمۡۚ قَالَ أَنتُمۡ شَرّٞ مَّكَانٗاۖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} (77)

54

ثم نعود إلى إخوة يوسف بعد هذا التعقيب القصير . نعود إليهم وقد حرك الحرج الذي يلاقونه كوامن حقدهم على أخي يوسف ، وعلى يوسف من قبله ، فإذا هم يتنصلون من نقيصة السرقة ، وينفونها عنهم ، ويلقونها على هذا الفرع من أبناء يعقوب :

( قالوا : إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ) !

إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل . . وتنطلق الروايات والتفاسير تبحث عن مصداق قولهم هذا في تعلات وحكايات وأساطير . كأنهم لم يكذبوا قبل ذلك على أبيهم في يوسف ؛ وكأنهم لا يمكن أن يكذبوا على عزيز مصر دفعا للتهمة التي تحرجهم ، وتبرؤا من يوسف وأخيه السارق ، وإرواء لحقدهم القديم على يوسف وأخيه !

لقد قذفوا بها يوسف وأخاه !

( فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم ) . .

أسر هذه الفعلة وحفظها في نفسه ، ولم يبد تأثره منها . وهو يعلم براءته وبراءة أخيه . إنما قال لهم :

( أنتم شر مكانا ) . .

يعني أنكم بهذا القذف شر مكانا عند الله من المقذوف - وهي حقيقة لا شتمة .

( والله أعلم بما تصفون ) . . وبحقيقة ما تقولون . وأراد بذلك قطع الجدل في الاتهام الذي أطلقوه ، ولا دخل له بالموضوع ! . .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞قَالُوٓاْ إِن يَسۡرِقۡ فَقَدۡ سَرَقَ أَخٞ لَّهُۥ مِن قَبۡلُۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ يُبۡدِهَا لَهُمۡۚ قَالَ أَنتُمۡ شَرّٞ مَّكَانٗاۖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} (77)

قوله تعالى : { قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ } إن كان أخونا هذا قد سرق فهو يتأسى بمن سرق قلبه ، فقد سرق أخ له من قبله . وهم يقصدون بذلك يوسف عليه السلام ؛ فقد ذكر أن يوسف كان قد سرق صنما لجده فكسره ، فكأنهم بذلك يقولون ليسوف وهم لا يعرفونه : إن كان إخوة يوسف من قلبه قد سرق فليس بدعا من أخيه هذا أن يسرق ، فهم بذلك ينسبون السرقة إلى الأخوين الشقيقين كليهما إزالة للمعرة عنهم .

قوله : { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ } الضمير في { فأسرها } مفسر بسياق الكلام{[2272]} ؛ أي أسر في نفسه الحزازة والتألم والمضاضة من سوء ما سمعه من إخوته الذين كادوا له من قبل ، وما فتئوا حتى الساعة يفترون عليه الباطل ؛ فقد أخفى يوسف ذلك كله في نفسه ولم يظهره لهم ثم قال لهم : { أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ } ذلك قول يوسف موبخا إياهم بعد أن كره مقالتهم التي حزت في نفسه ؛ لأنها مقالة ظلم واتهام بالباطل . و { مكانا } ، تمييز منصوب ؛ أي أنتم شر منزلة من غيركم ؛ فقد سرقتم أخاكم من أبيكم وألقيتموه في المهلكة ورحتم تفترون الكذب والباطل على أبيكم { والله أعلم بما تصفون } أي أعلم بما تذكرون وتتقولون{[2273]} .


[2272]:الدر المصون جـ 6 ص 535.
[2273]:البحر المحيط جـ 5 ص 330.