والأنثى هبة الله له كالذكر ، وما يملك أن يصور في الرحم أنثى ولا ذكرا ، وما يملك أن ينفخ فيه حياة ، وما يملك أن يجعل من النطفة الساذجة إنسانا سويا . وإن مجرد تصور الحياة نامية متطورة من نطفة إلى بشر - بإذن الله - ليكفي لاستقبال المولود - أيا كان جنسه - بالفرح والترحيب وحسن الاستقبال ، لمعجزة الله التي تتكرر ، فلا يبلى جدتها التكرار ! فكيف يغتم من يبشر بالأنثى ويتواري من القوم من سوء ما بشر به وهو لم يخلق ولم يصور . إنما كان أداة القدرة في حدوث المعجزة الباهرة ؟ .
وحكمة الله ، وقاعدة الحياة ، اقتضت أن تنشأ الحياة من زوجين ذكر وأنثى . فالأنثى أصيلة في نظام الحياة أصالة الذكر ؛ بل ربما كانت أشد أصالة لأنها المستقر . فكيف يغتم من يبشر بالأنثى ، وكيف يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ونظام الحياة لا يقوم إلا على وجود الزوجين دائما ؟ .
إنه انحراف العقيدة ينشيء آثاره في انحراف المجتمع وتصوراته وتقاليده . . ( ألا ساء ما يحكمون ) وما أسوأه من حكم وتقدير .
وهكذا تبدو قيمة العقيدة الإسلامية في تصحيح التصورات والأوضاع الاجتماعية . وتتجلى النظرة الكريمة القويمة التي بثها في النفوس والمجتمعات تجاه المرأة ، بل تجاه الإنسان . فما كانت المرأة هي المغبونة وحدها في المجتمع الجاهلي الوثني إنما كانت " الإنسانية " في أخص معانيها . فالأنثى نفس إنسانية ، إهانتها إهانة للعنصر الإنساني الكريم ، ووأدها قتل للنفس البشرية ، وإهدار لشطر الحياة ؛ ومصادمة لحكمة الخلق الأصيلة ، التي اقتضت أن يكون الأحياء جميعا - لا الإنسان وحده - من ذكر وأنثى .
وكلما انحرفت المجتمعات عن العقيدة الصحيحة عادت تصورات الجاهلية تطل بقرونها . . وفي كثير من المجتمعات اليوم تعود تلك التصورات إلى الظهور . فالأنثى لا يرحب بمولدها كثير من الأوساط وكثير من الناس ، ولا تعامل معاملة الذكر من العناية والاحترام . وهذه وثنية جاهلية في إحدى صورها ، نشأت من الانحراف الذي أصاب العقيدة الإسلامية .
ومن عجب أن ينعق الناعقون بلمز العقيدة الإسلامية والشريعة الإسلامية - في مسألة المرأة - ، نتيجة لما يرونه في هذه المجتمعات المنحرفة ولا يكلف هؤلاء الناعقون اللامزون أنفسهم وأن يراجعوا نظرة الإسلام ، وما أحدثته من ثورة في التطورات والأوضاع . وفي المشاعر والضمائر . وهي بعد نظرة علوية لم تنشئها ضرورة واقعية ولا دعوة أرضية ولا مقتضيات اجتماعية أو اقتصادية . إنما أنشأتها العقيدة الإلهية الصادرة عن الله الذي كرم الإنسان ، فاستتبع تكريمه للجنس البشري تكريمه للأنثى ، ووصفها بأنها شطر النفس البشرية ، فلا تفاضل بين الشطرين الكريمين على الله .
قوله : ( يتوارى من القوم من سوء ما بشّر به ) ، كهذا الذي جاءه الإخبار بولادة الأنثى ، ( يتوارى من القوم ) ، أي : يختفي منهم ويستتر ، ( من سوء ما بشر به ) ، أي : من شديد ما أصابه ، من الغم والغيظ والإحساس بالعار من ولادة الأنثى .
قوله : ( أيمسكه على هون ) ، يمسكه من الإمساك ، وهو الحبس . والهون ، معناه الهوان أو المهانة . تهاون به ، أي : استحقره{[2547]} ، والضمير في ( أيمسكه ) ، يرجع إلى البنت ؛ أي : أيمسك هذه المولودة ، على رغم أنفه وإحساسه بهوان نفسه ؟ ! ( أم يدسه في التراب ) ، والدس معناه الإخفاء والدفن{[2548]} ؛ فالمولود له متردد بين إمساك الأنثى المولودة على إحساس منه بالمهانة والعار في نفسه بسبب ولادتها . أو دفنها حية في التراب . وذلك هو الوأد . وهو الفعلة المشؤومة النكراء ، الفعلة الشنيعة الفظيعة ، التي كانت العرب تفعلها في جاهليتهم الأولى . الجاهلية السخيفة العمياء ، التي تسوّل للإنسان عبادة الأحجار الصم ، ووأد ابنته حية في الثرى ، وذلك في غاية القسوة والفظاعة وكزازة القلب والطبع .
فإنه يروى أن العرب كانوا يحفرون حفيرة ، ويجعلونها فيها حتى تموت .
وروي عن قيس بن عاصم أنه قال : يا رسول الله إني واريت ثماني بنات في الجاهلية ، فقال عليه السلام : " أعتق عن كل واحدة منهم رقبة " . وروي أن رجلا قال : يا رسول الله ما أجد حلاوة الإسلام منذ أسلمت ؛ فقد كانت لي في الجاهلية ابنة ، فأمرت امرأتي أن تزينها ، فأخرجتها إلي ، فانتهيت بها إلى واد بعيد القعر فألقيتها فيه . فقالت : يا أبت قتلتني . فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء . فقال عليه الصلاة والسلام : " ما كان في الجاهلية فقد هدمه الإسلام . وما كان في الإسلام يهدمه الاستغفار " .
على أن العرب كانوا يقتلون البنات على صور مختلفة ؛ فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها فيها إلى أن تموت ، ومنهم من يرميها من شاهق جبل ، ومنهم من يغرقها ، ومنهم من يذبحها . وقد كانوا يفعلون ذلك ، تارة للغيرة والحمية ، وتارة خوفا من الفقر والفاقة ولزوم النفقة{[2549]} . لا جرم أن أسبابا ومعاذير كهذه ، لهي غاية في الباطل والنكر ، وغاية في الطغيان والجور وكزازة القلب . إن هذا الاجتراء المتفحش الأثيم على قتل البنات لكونهن إناثا ، قد ندد به الإسلام غاية التنديد ، وشدّد عليه التفظيع والنكير ؛ بل إن الإسلام قد أوجب للأنثى من ظواهر التكريم والكلاءة والصون ، ما ليس له في شرائع الأرض نظير .
لقد فرض الإسلام للأنثى من بالغ العناية والرعاية والاهتمام ما أحاطها بظلال من التقدير والرحمة . وأيما إهانة للأنثى أو انتقاص لها أو حيف يصيبها من الرجل ؛ فهو في دين الإسلام إثم غليظ ومخالفة عن أمر الله . ولقد حرض الإسلام على تكريم الإناث في كل مناحي الحياة ، لتكون على الدوام آمنة مبجلة مطمئنة . ومن جملة ذلك : ما رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن النبي ( ص ) قال : " من كان له ثلاث بنات ، أو ثلاث أخوات ، أو بنتان ، أو أختان ، فأحسن صحبتهن ، واتقى الله فيهن ؛ فله الجنة " . وكذلك أخرج أبو داود عن ابن عباس أن النبي ( ص ) قال : " من كانت له أنثى ، فلم يئدها ، ولم يهنها ، ولم يؤثر ولده عليها ؛ أدخله الله الجنة " . وأخرج الشيخان أن النبي ( ص ) قال : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره ، واستوصوا بالنساء خيرا " .
وعن أبي وائل عن عبد الله قال : قال رسول الله ( ص ) : " من كانت له بنت فأدبها فأحسن أدبها ، وعلمها فأحسن تعليمها ، وأسبغ عليها من نعم الله التي أسبغ عليه ، كانت له سترا أو حجابا من النار " .
والنساء شق البشرية الآخر ، المكمل للشق الأول وهو شق الرجال . وكلا الشقين يكمل أحدهما الآخر ، ليكونا مؤتلفين منسجمين في حياتهما الدنيا . وفي هذا يقول الرسول ( ص ) : فيما رواه أحمد وأبو داود والترمذي : " إنما النساء شقائق الرجال " .
وخير شاهد على حقيقة المساواة في التكريم بين المؤمنين والمؤمنات قوله تعالى : ( إن المسلمين والمسلمات ، والمؤمنين والمؤمنات ، والقانتين والقانتات ، والصادقين والصادقات ، والصابرين والصابرات ، والخاشعين والخاشعات ، والمتصدقين والمتصدقات ، والصائمين والصائمات ، والحافظين فروجهم والحافظات ، والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ، أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ) .
قوله : ( ألا ساء ما يحكمون ) ، أي : بئس ما قالوا وما فعلوا ، وساء ما ظنوا وما صنعوا ، من فظائع الوأد ونسبة الإناث إلى الله ، وهم أنفسهم يكرهون البنات وينفرون منهم ، وينسبون الذكور لأنفسهم . وكذلك اغتمامهم واكتئابهم ، واسوداد وجوههم عند التبشير بالأنثى ، ساء ذلك كله .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.