البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ} (59)

ويروى : يراوح .

دس الشيء في الشيء أخفاه فيه .

يتوارى : يختفي من الناس ، ومن سوء للتعليل أي : الحال له على التواري هو سوء ما أخبر به ، وقد كان بعضهم في الجاهلية يتوارى حالة الطلق ، فإن أخبر بذكر ابتهج ، أو أنثى حزن .

وتوارى أياماً يدبر فيها ما يصنع .

أيمسكه قبله حال محذوفة دل عليها المعنى ، والتقدير : مفكراً أو مدبراً أيمسكه ؟ وذكر الضمير ملاحظة للفظ ما في قوله : من سوء ما بشر به .

وقرأ الجحدري : أيمسكها على هوان ، أم يدسها بالتأنيث عوداً على قوله : بالأنثى ، أو على معنى ما بشر به ، وافقه عيسى على قراءة هوان على وزن فعال .

وقرأت فرقة : أيمسكه بضمير التذكير ، أم يدسها بضمير التأنيث .

وقرأت فرقة : على هون بفتح الهاء .

وقرأ الأعمش : على سوء ، وهي عندي تفسير لا قراءة ، لمخالفتها السواد المجمع عليه .

ومعنى الإمساك حبسه وتربيته ، والهون الهوان كما قال : { عذاب الهون } والهون بالفتح الرفق واللبن ، { يمشون على الأرض هوناً } وفي قوله : على هون قولان : أحدهما : أنه حال من الفاعل ، وهو مروي عن ابن عباس .

قال ابن عباس : إنه صفة للأب ، والمعنى : أيمسكها مع رضاه بهوان نفسه ، وعلى رغم أنفه ؟ وقيل : حال من المفعول أي : أيمسكها مهانة ذليلة ، والظاهر من قوله : أم يدسه في التراب ، إنه يئدها وهو دفنها حية حتى تموت .

وقيل : دسها إخفاؤها عن الناس حتى لا تعرف كالمدسوس في التراب .

والظاهر من قوله : ألا ساء ما يحكمون ، رجوعه إلى قوله : ويجعلون لله البنات الآية أي : ساء ما يحكمون في نسبتهم إلى الله ما هو مستكره عندهم ، نافر عنهن طبعهم ، بحيث لا يحتملون نسبتهن إليهن ، ويئدونهن استنكافاً منهن ، وينسبون إليهم الذكر كما قال : { ألكم الذكر وله الأنثى } وقال ابن عطية : ومعنى الآية يدبر أيمسك هذه الأنثى على هوان يتجلد له ، أم يئدها فيدفنها حية فهو الدس في التراب ؟ ثم استقبح الله سوء فعلهم وحكمهم بهذا في بناتهم ورزق الجميع على الله انتهى .