وبمناسبة العمل والجزاء ، يعقب بالقاعدة العامة فيهما :
( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ، فلنحيينه حياة طيبة ، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) . . فيقرر بذلك القواعد التالية :
أن الجنسين : الذكر والأنثى . متساويان في قاعدة العمل والجزاء ، وفي صلتهما بالله ، وفي جزائهما عند الله . ومع أن لفظ( من )حين يطلق يشمل الذكر والأنثى إلا أن النص يفصل : ( من ذكر أو أنثى )لزيادة تقرير هذه الحقيقة . وذلك في السورة التي عرض فيها سوء رأي الجاهلية في الأنثى ، وضيق المجتمع بها ، واستياء من يبشر بمولدها ، وتواريه من القوم حزنا وغما وخجلا وعارا !
وأن العمل الصالح لا بد له من القاعدة الأصيلة يرتكز عليها . قاعدة الإيمان بالله ( وهو مؤمن ) فبغير هذه القاعدة لا يقوم بناء ، وبغير هذه الرابطة لا يتجمع شتاته ، إنما هو هباء كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف . والعقيدة هي المحور الذي تشد إليه الخيوط جميعا ، وإلا فهي أنكاث . فالعقيدة هي التي تجعل للعمل الصالح باعثا وغاية . فتجعل الخير أصيلا ثابتا يستند إلى أصل كبير . لا عارضا مزعزعا يميل مع الشهوات والأهواء حيث تميل .
وأن العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض . لا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال . فقد تكون به ، وقد لا يكون معها . وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية : فيها الاتصال بالله والثقة به والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه . وفيها الصحة والهدوء والرضى والبركة ، وسكن البيوت ومودات القلوب . وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير وآثاره في الحياة . . وليس المال إلا عنصرا واحدا يكفي منه القليل ، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله .
وأن الحياة الطيبة في الدنيا لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة .
وأن هذا الأجر يكون على أحسن ما عمل المؤمنون العاملون في الدنيا ، ويتضمن هذا تجاوز الله لهم عن السيئات . فما أكرمه من جزاء !
قوله تعالى : ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ( 97 ) } ، ذلك إعلان كذلك يبين الله فيه للعالمين أن من يعمل من الناس- ذكرا أو أنثى- ، عملا صالحا فيه الطاعة لله ، ( وهو مؤمن ) ، الجملة في موضع نصب على الحال{[2605]} ؛ أي : حال كونه مؤمنا بالله وكتبه ورسله وملائكته ، مصدقا بقضاء الله وقدره واليوم الآخر . وهذا دليل أبلج على شرط القبول للأعمال ، وهو الإيمان المستقيم الصحيح . وعلى هذا لا وزن ولا قيمة للعمل المقترن بالكفر أو النفاق أو الرياء ، فلا يقبل من الأعمال إلا ما كان منها خالصا لله .
قوله : ( فلنحيينه حياة طيبة ) ، لسوف يحيي الله المؤمن المخلص حياة طيبة . وقد اختلف العلماء في المراد بالحياة الطيبة . فقد قيل : الرزق الطيب الحلال ، وقيل : السعادة . وقيل : الجنة . وقيل : القناعة . والصواب من ذلك : أن الله جل وعلا يمتن على عبادة العاملين المخلصين بفيض الإحساس بالرضى والبهجة والاطمئنان . وهكذا يكون المؤمن العامل المخلص ؛ إذ يجد في نفسه من برْد الراحة والقناعة والطمأنينة ، ما يجعله مستديم الشعور بالأمن والسكينة والحبور ، سواء كان ذا يسار أو إعسار . وثمة حقيقة تضمنتها هذه الآية . وهي استواء الذكر والأنثى في تحصيل الحياة الطيبة ، وحسن الجزاء من الله إذ تحقق شرط القبول للأعمال ، وهو الإيمان الصحيح المستقيم . فأيما ذكر أو أنثى حسن عمله وهو مؤمن ؛ فإنه في زمرة السعداء والفائزين في الدارين ، بغض النظر في ذلك عن اعتبارات الذكورة والأنوثة ، أو اختلاف الأجناس والألوان .
قوله : ( ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) ، ذلك يوم القيامة ، فهم إذا صاروا إلى ربهم جزاهم الله الأجر بأحسن ما كانوا يعملون من الطاعة .
وقيل : إن هذه الآية نزلت بسبب قوم من أهل ملل شتى ، تفاخروا فقال أهل كل ملة منها : نحن أفضل ، فبيّن الله لهم أفضل أهل الملل . وقيل : جلس ناس من أهل الأوثان وأهل التوراة وأهل الإنجيل . فقال هؤلاء : نحن أفضل . وقال هؤلاء : نحن أفضل ، فأنزل الله تعالى : ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) الآية{[2606]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.