ثم هي العقيدة التي تعترف بالإنسان إنسانا ، لا حيوانا ولا حجرا ، ولا ملكا ولا شيطانا . تعترف به كما هو ، بما فيه من ضعف وما فيه من قوة ، وتأخذه وحدة شاملة مؤلفة من جسد ذي نوازع ، وعقل ذي تقدير ، وروح ذي أشواق . . وتفرض عليه من التكاليف ما يطيق ؛ وتراعي التنسيق بين التكليف والطاقة بلا مشقة ولا إعنات ؛ وتلبي كل حاجات الجسد والعقل والروح في تناسق يمثل الفطرة . . ثم تحمل الإنسان - بعد ذلك - تبعة اختياره للطريق الذي يختار :
( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها . لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) .
وهكذا يتصور المسلم رحمة ربه وعدله في التكاليف التي يفرضها الله عليه في خلافته للأرض ؛ وفي ابتلائه في أثناء الخلافة ؛ وفي جزائه على عمله في نهاية المطاف . ويطمئن إلى رحمة الله وعدله في هذا كله ؛ فلا يتبرم بتكاليفه ، ولا يضيق بها صدرا ، ولا يستثقلها كذلك ، وهو يؤمن أن الله الذي فرضها عليه أعلم بحقيقة طاقته ، ولو لم تكن في طاقته ما فرضها عليه . ومن شأن هذا التصور - فضلا عما يسكبه في القلب من راحة وطمأنينة وأنس - أن يستجيش عزيمة المؤمن للنهوض بتكاليفه ، وهو يحس أنها داخلة في طوقه ؛ ولو لم تكن داخلة في طوقه ما كتبها الله عليه ؛ فإذا ضعف مرة أو تعب مرة أو ثقل العبء عليه ، أدرك أنه الضعف لا فداحة العبء ! واستجاش عزيمته ونفض الضعف عن نفسه وهم همة جديدة للوفاء ، ما دام داخلا في مقدروه ! وهو إيحاء كريم لاستنهاض الهمة كلما ضعفت على طول الطريق ! فهي التربية كذلك لروح المؤمن وهمته وإرادته ؛ فوق تزويد تصوره بحقيقة إرادة الله به في كل ما يكلفه .
ثم الشطر الثاني من هذا التصور :
( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) .
فردية التبعة ، فلا تنال نفس إلا ما كسبت ؛ ولا تحمل نفس إلا ما اكتسبت . . فردية التبعة ، ورجعة كل إنسان إلى ربه بصحيفته الخاصة ، وما قيد فيها له أو عليه . فلا يحيل على أحد ، ولا ينتظر عون أحد . . ورجعة الناس إلى ربهم فرادى من شأنها - حين يستيقنها القلب - أن تجعل كل فرد وحدة إيجابية لا تنزل عن حق الله فيها لأحد من عباده إلا بالحق . وتقف كل إنسان مدافعا عن حق الله فيه تجاه كل إغراء ، وكل طغيان ، وكل إضلال ، وكل إفساد . فهو مسؤول عن نفسه هذه وعن حق الله فيها - وحق الله فيها هو طاعته في كل ما أمر به وفي كل ما نهى عنه ، وعبوديتها له وحده شعورا وسلوكا - فإذا فرط في هذا الحق لأحد من العبيد تحت الإغراء والإضلال ، أو تحت القهر والطغيان - إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان - فما أحد من تلك العبيد بدافع عنه يوم القيامة ولا شافع له ؛ وما أحد من تلك العبيد بحامل عنه شيئا من وزره ولا ناصر له من الله واليوم الآخر . . ومن ثم يستأسد كل إنسان في الدفع عن نفسه والدفاع عن حق الله فيها ، ما دام هو الذي سيلقى جزاءه مفردا وحيدا ! ولا خوف من هذه الفردية - في هذا المقام - فمن مقتضيات الإيمان أن ينهض كل فرد في الجماعة بحق الجماعة عليه ، بوصفه طرفا من حق الله في نفسه . فهو مأمور أن يتكافل مع الجماعة في ماله وكسبه ، وفي جهده ونصحه ، وفي إحقاق الحق في المجتمع وإزهاق الباطل ، وفي تثبيت الخير والبر وإزاحة الشر والنكر . . وكل أولئك يحسب له أو عليه في صحيفته يوم يلقى الله فردا فيتلقى هنالك جزاءه !
وكأنما سمع المؤمنون هذه الحقيقة وأدركوها . . فها هو ذا ينطلق من قلوبهم دعاء خافق واجف ، يذكره النص القرآني بطريقة القرآن التصويرية ؛ فكأنما نحن أمام مشهد الدعاء ، وصفوف المؤمنين قائمة تردده في خشوع ؛ عقب إعلان حقيقة التكاليف وحقيقة الجزاء :
( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا . ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا . ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به . واعف عنا ، واغفر لنا ، وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) . .
وهو دعاء يصور حال المؤمنين مع ربهم ؛ وإدراكهم لضعفهم وعجزهم ، وحاجتهم إلى رحمته وعفوه ، وإلى مدده وعونه ؛ وإلصاق ظهورهم إلى ركنه ، والتجائهم إلى كنفه ، وانتسابهم إليه وتجردهم من كل من عداه ؛ واستعدادهم للجهاد في سبيله واستمدادهم النصر منه . . كل أولئك في نغمة وادعة واجفة تصور بإيقاعاتها وجيب القلب ورفرفة الروح . .
( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) .
فدائرة الخطأ والنسيان هي التي تحكم تصرف المسلم حين ينتابه الضعف البشري الذي لا حيلة له فيه . وفي مجالها يتوجه إلى ربه يطلب العفو والسماح . وليس هو التبجح إذن بالخطيئة أو الإعراض ابتداء عن الأمر ، أو التعالي عن الطاعة والتسليم ؛ أو الزيغ عن عمد وقصد . . ليس في شيء من هذا يكون حال المؤمن مع ربه ؛ وليس في شيء من هذا يطمع في عفوه أو سماحته . . إلا أن يتوب ويرجع إلى الله وينيب . . وقد استجاب الله لدعاء عباده المؤمنين في هذا ، فقال رسول الله [ ص ] : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ومااستكرهوا عليه " .
( ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) . .
وهو دعاء ينبعث من وراثة الأمة المسلمة لتراث الرسالة كله ، ومعرفتهم - كما علمهم ربهم في هذا القرآن - بما كان من سلوك الأمم التي جاءتها الرسالات قبلهم ؛ وما حملهم الله من الآصار والأثقال عقوبة لهم على بعض ما كان منهم . فقد حرم على بني إسرائيل بعض الطيبات بعملهم . وفي آية الأنعام : ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ) . . وكتب عليهم قتل أنفسهم تكفيرا عن عبادتهم للعجل كما سبق في أول هذه السورة . وحرم عليهم( السبت )أن يبتغوا فيه تجارة أو صيدا . . وهكذا فالمؤمنون يدعون ربهم ألا يحمل عليهم أثقالا كالتي حملها على الذين من قبلهم ، وقد بعث الله النبي الأمي يضع عن المؤمنين به من البشر كافة : ( إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) . . فجاءت هذه العقيدة سمحة ميسرة ، هينة لينة ، تنبع من الفطرة وتتبع خط الفطرة ، وقيل للرسول [ ص ]( ونيسرك لليسرى ) .
على أن الإصر الأكبر الذي رفعه الله عن كاهل الأمة المسلمة ، والذي حمله الله على عاتق الأمم التي استخلفها في الأرض قبلهم فنقضت عهد الاستخلاف وحادت عنه . . هذا الإصر الأكبر هو إصر العبودية للبشر . عبودية العبد للعبد . ممثلة في تشريع العبد للعبد . وفي خضوع العبد للعبد لذاته أو لطبقته أو لجنسه . . فهذا هو الإصر الأكبر الذي أطلق الله عباده المؤمنين منه ، فردهم إلى عبادته وحده وطاعته وحده ، وتلقي الشريعة منه وحده . وحرر بهذه العبودية لله الواحد الأحد أرواحهم وعقولهم وحياتهم كلها من العبودية للعبيد !
إن العبودية لله وحده - متمثلة في تلقي الشرائع والقوانين والقيم والموازين منه وحده - هي نقطة الانطلاق والتحرر البشري . الانطلاق والتحرر من سلطان الجبارين والطغاة ، ومن سلطان السدنة والكهنة ، ومن سلطان الأوهام والخرافات ، ومن سلطان العرف والعادة ، ومن سلطان الهوى والشهوة . ومن كل سلطان زائف يمثل الإصر الذي يلوي اعناق البشر ويخفض جباههم لغير الواحد القهار .
ودعاء المؤمنون : ( ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) : يمثل شعورهم بنعمة الانطلاق والتحرر من العبودية للعبيد ؛ كما يمثل خوفهم من الارتداد إلى ذلك الدرك السحيق .
( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) . .
وهو دعاء يشي بحقيقة الاستسلام . فالمؤمنون لا ينوون نكولا عن تكليف الله أيا كان . ولكنهم فقط يتوجهون إليه راجين متطلعين أن يرحم ضعفهم فلا يكلفهم ما لا يطيقون . كي لا يعجزوا عنه ويقصروا فيه . . وإلا فهي الطاعة المطلقة والتسليم . . إنه طمع الصغير في رحمة الكبير . ورجاء العبد الضعيف في سماحة المالك المتصرف . وطلب ما هو من شأن الله في معاملته لعباده من كرم وبر وود وتيسير .
ثم الاعتراف بالضعف بعد ذلك والتوجس من التقصير ، الذي لا يمحو آثاره إلا فضل الله العفو الغفور :
( واعف عنا ، واغفر لنا وارحمنا ) .
فهذا هو الضمان الحقيقي لاجتياز الامتحان ، ونيل الرضوان . فالعبد مقصر مهما يحاول من الوفاء . ومنرحمة الله به أن يعامله بالعفو والمرحمة والغفران . . عن عائشة رضي الله عنها ، قال رسول الله [ ص ] : " لا يدخل أحدكم الجنة بعمله " . . قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : " ولا أنا . إلا أن يتغمدني الله برحمته " .
وهذا هو قوام الأمر في حس المؤمن : عمل بكل ما في الوسع . وشعور مع ذلك بالتقصير والعجز . . ورجاء - بعد ذلك - في الله لا ينقطع . وتطلع إلى العفو والمغفرة والسماح .
وأخيرا يلصق المؤمنون ظهورهم إلى ركن الله ، وهم يهمون بالجهاد في سبيله ، لإحقاق الحق الذي إراده ، وتمكين دينه في الأرض ومنهجه ، ( حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ) . يلصق المؤمنون ظهورهم إلى ركن الله الركين ؛ ويرفعون رايته على رؤوسهم فينتسبون إليه وحده . إذا انتسبت الجاهلية إلى شتى الشعارات والعنوانات ؛ ويطلبون نصره لأوليائه بما أنه هو مولاهم الوحيد ؛ وهم باسمه يقاتلون الكفار الخارجين :
( أنت مولانا ، فانصرنا على القوم الكافرين ) . .
إنه الختام الذي يلخص السورة . ويلخص العقيدة . ويلخص تصور المؤمنين ، وحالهم مع ربهم في كل حين . .
قوله : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) هذه الآية هي إحدى الأمهات الكبريات التي تقوم عليها شريعة الإسلام . وهي سبب من أسباب الصلاح الذي يتجل في هذه الشريعة القائمة على الحنيفية السمحة أو السهولة واليسر ؛ كيلا يكون في الإسلام ضيق أو إعنات أو حرج كالذي كانت عليه الشرائع قبل الإسلام .
وفي الآية بيان بأن الله جل وعلا غير مكلف أحدا من العباد بما لا يطيق ، والوسع معناه الطاقة أو حجم الاقتدار للإنسان . فما كان فوق طاقة الإنسان مما يفوق حجم قدرته فهو غير مكلف به . وقد يكون التكليف بما يتضمن مشقة على أن يكون ذلك محتملا أو في حدود المقدور للإنسان .
وإن كانت المشقة غير محتملة أو لا يطيقها الإنسان فقد بات المرء فير مكلف بها استنادا إلى قوله تعالى : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) . إن هذه الحقيقة من التيسير والتسهيل ورفع الحرج تتخلل كل جوانب هذا الدين الميسور . سواء في ذلك العقيدة بكل أركانها وأفرعها والأحكام من معاملات وجنايات وسلوك ، كل أولئك قد قرره الإسلام ليجيء منسجما مع طبيعة الإنسان وطاقته واقتداره . يدل على ذلك تشريع الإسلام للرخص في كل مناحي الشريعة لتكون للمسلمين مناصا ينفذون منه إلى حومة اليسر كلما حاق بهم ضيق أو حرج يصعب تجاوزه إلا بإعنات بالغ .
وقوله : ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) كسب واكتسب بمعنى واحد وهو التصرف سواء في ذلك عمل الخير أو الشر ، وعلى ذلك فالنفس لها ما أصابت من الخير وعليها ما أصابت من الشر من وجوه المحرمات والمحظورات . على أن اللفظين وهما الكسب والاكتساب من حيث المعنى والمدلول لا يفترقان ، لكن التكرار المتجانس هنا يراد منه التنويع في التصريف مراعاة لحسن الكلام وجودته بما يروق للنفس وهي تتملاه ، كشأن القرآن في هذه المسألة .
وقوله ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) ذلك تعليم من الله لعباده المؤمنين أن يدعوه بمثل هذا الدعاء وهو طلبهم إليه متوسلين ألا يؤاخذهم على النسيان والخطأ . ونفي المؤاخذة من الله في نسيان العبد وخطئه تعني رفع الإثم عنه في هذين الأمرين . وبذلك فإن العبد غير مؤاخذ في حال نسيانه وحال خطئه . وتلك رحمة من الله يفيضها على العباد . وفي هذا الصدد روى الطبراني في الكبير عن ثوبان أن رسول الله ( ص ) قال : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " .
وقوله : ( ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا )
الإصر في اللغة العهد . والمراد به هنا الذنب والثقل والضيق ، وجمعه الآصار{[378]} . وذلكم ترشيد آخر من الله للمؤمنين ليدعوه بأن لا يكلفهم من الأفعال الشاقة الصعبة التي لا تطاق ، وذلك كالذي أثقل به كواهل الأمم السالفة من التكليف القاهر العسير .
ومن قواعد هذا الدين أنه قائم على الحنيفية والتيسير ، وأنه ينفي الضيق والحرج والتعسير كما بيناه نفا ؛ لأنه دين الفطرة الإنسانية ، والذي يتلاءم وطبيعة الإنسان في غير ما إعنات أو إحراج . يقول الرسول ( ص ) في ذلك : " الدين يسر فيسروا ولا تعسروا " ويقول عليه الصلاة والسلام : " بُعثت بالحنيفية السمحة "
وقوله : ( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) وهو ترشيد ثالث للمؤمنين ليدعوا الله ألا يكلفهم من الواجبات والأعمال ما لا يطيقون . وقد استجاب الله لهذه الأمة دعاءها إذ أسقط عنها إثم النسيان والخطأ ، ولم يحملها من الآصار وثقيل التكاليف ما لا يطيقون كالذي أثقل به كواهل الأمم السالفة ، وبذلك قد أذهب عنها وطأة التكليف بما لا طاقة للإنسان به .
وأخيرا أفاض الله على المؤمنين بكريم العطاء وجزيل الخير إذا منّ عليهم بالعفو أولا وذلك عن الذنوب التي يقترفها العباد في حق الله ، ثم منّ عليهم بالغفر أي الستر فقد ستر الله للمؤمنين ذنوبهم التي اقترفوها في حق العباد .
وفوق ذلك كله تأتي الرحمة من الله يفيضها على عباده المؤمنين ليكونوا دائما في كلاءته وهم تحف بهم أجنحة الرحمة في حلهم وترحالهم وفي حياتهم الدنيوية هذه وما يتخللها من الأفعال والأقوال . وفي يقول سبحانه : ( واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ) .
ثم يأتي الإقرار الحاسم الأكبر من العباد المؤمنين بأن الله جلت قدرته هو وليهم وناصرهم ، وإنه الرب المستعان وعليه الاعتماد والتكلان ، وأنه ليس لهم دونه من ولي ولا ناصر يكتب لهم النصر عل الأعداء المتربصين الكافرين . وفي ذلك يقول سبحانه : ( أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) {[379]} .
نضرع إلى الله متوسلين متذللين ألا يؤاخذنا فيما كسبت أذهاننا من نسيان ، وما اكتسبت جوارحنا من أخطاء ، وأن يعفو عن زلاتنا ، ويغفر لنا الذنوب والآثام ، وأن يستر علينا العيوب والمعاصي ، وأن يفيض علينا برحمته التي وسعت كل شيء ، وأن يكتب النصر لدينه ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون . آمين .