في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ} (194)

180

وختام هذا الدعاء . توجه ورجاء . واعتماد واستمداد من الثقة بوفاء الله بالميعاد :

( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ، ولا تخزنا يوم القيامة ، إنك لا تخلف الميعاد )

فهو استنجاز لوعد الله ، الذي بلغته الرسل ، وثقة بوعد الله الذي لا يخلف الميعاد ، ورجاء في الإعفاء من الخزي يوم القيامة ، يتصل بالرجفة الأولى في هذا الدعاء ، ويدل على شدة الخوف من هذا الخزي ، وشدة تذكره واستحضاره في مطلع الدعاء وفي ختامه . مما يشي بحساسية هذه القلوب ورقتها وشفافيتها وتقواها وحيائها من الله .

والدعاء في مجموعة يمثل الاستجابة الصادقة العميقة ، لإيحاء هذا الكون وإيقاع الحق الكامن فيه ، في القلوب السليمة المفتوحة . .

ولا بد من وقفة أخرى أمام هذا الدعاء ، من جانب الجمال الفني والتناسق في الأداء . .

إن كل سورة من سور القرآن تغلب فيها قافية معينة لآياتها - والقوافي في القرآن غيرها في الشعر ، فيه ليست حرفا متحدا ، ولكنها إيقاع متشابه - مثل : " بصير . حكيم . مبين . مريب " . . " الألباب ، الأبصار ، النار . قرار " . . " خفيا . شقيا . شرقيا . شيئا . " . . . إلخ .

وتغلب القافية الأولى في مواضع التقرير . والثانية في مواضع الدعاء . والثالثة في مواضع الحكاية .

وسورة آل عمران تغلب فيها القافية الأولى . ولم تبعد عنها إلا في موضعين : أولهما في أوائل السورة وفيه دعاء . والثاني هنا عند هذا الدعاء الجديد . .

وذلك من بدائع التناسق الفني في التعبير القرآني . . فهذا المد يمنح الدعاء رنة رخية ، وعذوبة صوتية . تناسب جو الدعاء والتوجه والابتهال .

وهناك ظاهرة فنية أخرى . . إن عرض هذا المشهد : مشهد التفكر والتدبر في خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، يناسبه دعاء خاشع مرتل طويل النغم ، عميق النبرات . فيطول بذلك عرض المشهد وإيحاءاته ومؤثراته ، على الأعصاب والأسماع والخيال ، فيؤثر في الوجدان ، بما فيه من خشوع وتنغيم وتوجه وارتجاف . . وهنا طال المشهد بعباراته وطال بنغماته مما يؤدي غرضا أصيلا من أغراض التعبير القرآني ، ويحقق سمة فنية أصيلة من سماته .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ} (194)

قوله : ( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) ذلك دعاء المؤمنين لله بأن يجعلهم ممن آتاهم ما وعدهم من الثواب والكرامة على ألسنة رسله . ففي الكلام حذف وهو لفظ الألسن ، كقوله : ( واسأل القرية ) .

قوله : ( ولا تخزنا يوم القيامة ) والخزي معناه الذل والمهانة والفضيحة وذلك تضرع من المؤمنين لله العلي القدير أن يدرأ عنهم الخزي يوم القيامة فيبعثهم غير خزايا ولا مفضوحين .

وقوله : ( إنك لا تخلف الميعاد ) سألوا ربهم وهم يعلمون أنه لا يخلف الميعاد . وكان ذلك منهم على سبيل العبادة والدعاء . فإن الدعاء مستحب ، بل إنه مخ العبادة .