في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ} (27)

18

وهذه القوامة على شؤون البشر ، وهذا التدبير لأمرهم بالخير ، ليس إلا طرفا من القوامة الكبرى على شؤون الكون والحياة على الإطلاق :

( تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ؛ وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ؛ وترزق من تشاء بغير حساب ) . .

والتعبير التصويري لهذه الحقيقة الكبيرة ، يملأ بها القلب والمشاعر والبصر والحواس : هذه الحركة الخفية المتداخلة . حركة إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل ؛ وإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي . . الحركة التي تدل على يد الله بلا شبهة ولا جدال ، متى القى القلب إليها انتباهه ، واستمع فيها إلى صوت الفطرة الصادق العميق .

وسواء كان معنى إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل هو أخذ هذا من ذاك وأخذ ذاك من هذا عند دورة الفصول . . أو كان هو دخول هذا في هذا عند دبيب الظلمة ودبيب الضياء في الأمساء والأصباح . . سواء كان هذا أو ذاك فإن القلب يكاد يبصر يد الله وهي تحرك الأفلاك ، وتلف هذه الكرة المعتمة أمام تلك الكرة المضيئة ، وتقلب مواضع الظلمة ومواضع الضياء . . شيئا فشيئا يتسرب غبش الليل إلى وضاءة النهار . وشيئا فشيئا يتنفس الصبح في غيابة الظلام . . شيئا فشيئا يطول الليل وهو يأكل من النهار في مقدم الشتاء . وشيئا فشيئا يطول النهار وهو يسحب من الليل في مقدم الصيف . . وهذه أو تلك حركة لا يدعي الإنسان أنه هو الذي يمسك بخيوطها الخفية الدقيقة ؛ ولا يدعي كذلك عاقل أنها تمضي هكذا مصادفة بلا تدبير !

كذلك الحياة والموت ، يدب أحدهما في الآخر في بطء وتدرج . كل لحظة تمر على الحي يدب فيه الموت إلى جانب الحياة ، ويأكل منه الموت وتبنى فيه الحياة ! خلايا حية منه تموت وتذهب ، وخلايا جديدة فيه تنشأ وتعمل . وما ذهب منه ميتا يعود في دورة أخرى إلى الحياة . وما نشأ فيه حيا يعود في دورة أخرى إلى الموت . . هذا في كيان الحي الواحد . . ثم تتسع الدائرة فيموت الحي كله ، ولكن خلاياه تتحول إلى ذرات تدخل في تركيب آخر ثم تدخل في جسم حي فتدب فيها الحياة . . وهكذا دورة دائبة في كل لحظة من لحظات الليل والنهار . . ولا يدعي الإنسان أنه هو الذي يصنع من هذا كله شيئا . ولا يزعم عاقل كذلك أنها تتم هكذا مصادفة بلا تدبير !

حركة في كيان الكون كله وفي كيان كل حي كذلك . حركة خفية عميقة لطيفة هائلة . تبرزها هذه الإشارة القرآنية القصيرة للقلب البشري والعقل البشري ؛ وهي تشي بيد القادر المبدع اللطيف المدبر . . فأنى يحاول البشر أن ينعزلوا بتدبير شأنهم عن اللطيف المدبر ؟ وأنى يختارون لأنفسهم أنظمة من صنع أهوائهم وهم قطاع من هذا الكون الذي ينظمه الحكيم الخبير

ثم أنى يتخذ بعضهم بعضا عبيدا ، ويتخذ بعضهم بعضا أربابا ، ورزق الجميع بيد الله وكلهم عليه عيال :

( وترزق من تشاء بغير حساب ) . .

إنها اللمسة التي ترد القلب البشري إلى الحقيقة الكبرى . حقيقة الألوهية الواحدة . حقيقة القوامة الواحدة . وحقيقة الفاعلية الواحدة وحقيقة التدبير الواحد . وحقيقة المالكية الواحدة وحقيقة العطاء الواحد . ثم حقيقة أن الدينونة لا تكون إلا لله القيوم ، مالك الملك ، المعز المذل ، المحيي المميت ، المانح المانع ، المدبر لأمر الكون والناس بالقسط والخير على كل حال .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ} (27)

قوله : ( تولج الليل في النهار ) الولوج بمعنى الدخول{[440]} والمراد في هذه الآية أن الله يأخذ من ساعات الليل فيجعلها في ساعات النهار فيكون الليل بذلك قصيرا ويجعل ذلك القدر الزائد داخلا في النهار . وتارة على العكس من ذلك . وهو أن الله يأخذ من ساعات النهار فيجعلها في ساعات الليل فيكون النهار بذلك قصيرا . أي أنه يزيد في ساعات الليل ما نقصه من ساعات النهار . وفي جملة ذلك يقول ابن عباس رضي الله عنهما : ما نقص من النهار يجعله في الليل وما نقص من الليل يجعله في النهار .

قوله : ( وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ) لمعرفة تأويل ذلك نقول : هل الحياة والموت في هذه الآية على الحقيقة أو من باب الاستعارة ؟

فإن كان ذلك على الحقيقة فمثاله : إخراج السنبلة من الحبة وبالعكس ، وكذا النخلة من النواة وبالعكس ، وكذا الحيوان من النطفة وبالعكس .

وإن كان ذلك من باب الاستعارة فمثاله : يخرج المؤمن من الكافر ، كإبراهيم من أبيه المشرك آزر . والكافر من المؤمن ، مثل كنعان المشرك من أبيه نوح عليه السلام . أو يخرج الطيب من الخبيث وبالعكس . فقد ذكر أن الكلمة محتملة للكل ، أما الكفر والإيمان فقال تعالى : ( أو من كان ميتا فأحييناه ) يريد أنه كان كافرا فهديناه فجعل الموت كفرا والحياة إيمانا ، وسمي إخراج النبات من الأرض إحياء بعد أن كانت قبل ذلك ميتة فقال : ( يحيي الأرض بعد موتها ) وقال : ( فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها ) .

وقوله : ( وترزق من تشاء بغير حساب ) جاء في تأويل ذلك : إن الله تعالى يعطي من يشاء من خلقه فيجود عليه بغير محاسبة منه لمن أعطاه ؛ لأنه لا يخاف دخول انتقاص في خزائنه ولا الفناء على ما بيده . وقيل : يعطي من يشاء ما يشاء لا يحاسبه على ذلك أحد ؛ إذ ليس فوقه ملك يحاسبه ، بل هو الملك يعطي من يشاء بغير حساب ، وقيل : ترزق من تشاء غير مقدور ولا محدود ، بل تبسطه له وتوسعه عليه ، كما يقال : فلان ينفق بغير حساب إذا وصف عطاؤه بالكثرة{[441]} .


[440]:- مختار الصحاح ص 735.
[441]:- تفسير الطبري جـ 3 ص 149-151 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 356 وتفسير الرازي جـ 8 ص 2- 10 وتفسير البيضاوي ص 71 والكشاف للزمخشري جـ 1 ص 421.