وبعد فالأمانة والعدل . . ما مقياسهما ؟ ما منهج تصورهما وتحديدهما وتنفيذهما ؟ في كل مجال في الحياة ، وفي كل نشاط للحياة ؟
أنترك مدلول الأمانة والعدل ؛ ووسائل تطبيقها وتحقيقهما إلى عرف الناس واصطلاحهم ؟ وإلى ما تحكم به عقولهم - أو أهواؤهم ؟
إن للعقل البشري وزنه وقيمته بوصفه أداة من أدوات المعرفة والهداية في الإنسان . . هذا حق . . ولكن هذا العقل البشري هو عقل الأفراد والجماعات في بيئة من البيئات ، متأثرا بشتى المؤثرات . . ليس هناك ما يسمى " العقل البشري " كمدلول مطلق ! إنما هناك عقلي وعقلك ، وعقل فلان وعلان ، وعقول هذه المجموعة من البشر ، في مكان ما وفي زمان ما . . وهذه كلها واقعة تحت مؤثرات شتى ؛ تميل بها من هنا وتميل بها من هناك . .
ولا بد من ميزان ثابت ، ترجع إليه هذه العقول الكثيرة ؛ فتعرف عنده مدى الخطأ والصواب في أحكامها وتصوراتها . ومدى الشطط والغلو ، أو التقصير والقصور في هذه الأحكام والتصورات . وقيمة العقل البشري هنا هو أنه الأداة المهيأة للإنسان ، ليعرف بها وزن أحكامه في هذا الميزان . . الميزان الثابت ، الذي لا يميل مع الهوى ، ولا يتأثر بشتى المؤثرات . .
ولا عبرة بما يضعه البشر أنفسهم من موازين . . فقد يكون الخلل في هذه الموازين ذاتها . فتختل جميع القيم . . ما لم يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت القويم .
والله يضع هذا الميزان للبشر ، للأمانة والعدل ، ولسائر القيم ، وسائر الأحكام ، وسائر أوجه النشاط ، في كل حقل من حقول الحياة :
( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ؛ وأطيعوا الرسول ، وأولي الأمر . . منكم . . فإن تنازعتم في شيء ، فردوه إلى الله والرسول . إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر . ذلك خير وأحسن تأويلا ) . .
وفي هذا النص القصير يبين الله - سبحانه - شرط الإيمان وحد الإسلام . في الوقت الذي يبين فيه قاعدة النظام الأساسي في الجماعة المسلمة ؛ وقاعدة الحكم ، ومصدر السلطان . . وكلها تبدأ وتنتهي عند التلقي من الله وحده ؛ والرجوع إليه فيما لم ينص عليه نصا ، من جزيئات الحياة التي تعرض في حياة الناس على مدى الأجيال ؛ مما تختلف فيه العقول والآراء والأفهام . . ليكون هنالك الميزان الثابت ، الذي ترجع إليه العقول والآراء والأفهام !
إن " الحاكمية " لله وحده في حياة البشر - ما جل منها وما دق ، وما كبر منها وما صغر - والله قد سن شريعة أودعها قرآنه . وأرسل بها رسولا يبينها للناس . ولا ينطق عن الهوى . فسنته [ ص ] من ثم شريعة من شريعة الله .
والله واجب الطاعة . ومن خصائص ألوهيته أن يسن الشريعة . فشريعته واجبة التنفيذ . وعلى الذين آمنوا أن يطيعوا الله - ابتداء - وأن يطيعوا الرسول - بما له من هذه الصفة . صفة الرسالة من الله - فطاعته إذن من طاعة الله ، الذي أرسله بهذه الشريعة ، وببيانها للناس في سنته . . وسنته وقضاؤه - على هذا - جزء من الشريعة واجب النفاذ . . والإيمان يتعلق - وجودا وعدما - بهذه الطاعة وهذا التنفيذ - بنص القرآن :
( إن كنم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) . .
فأما أولو الأمر ؛ فالنص يعين من هم .
أي من المؤمنين . . الذين يتحقق فيهم شرط الإيمان وحد الإسلام المبين في الآية . . من طاعة الله وطاعة الرسول ؛ وإفراد الله - سبحانه - بالحاكمية وحق التشريع للناس ابتداء ؛ والتلقي منه وحده - فيما نص عليه - والرجوع إليه أيضا فيما تختلف فيه العقول والأفهام والآراء ، مما لم يرد فيه نص ؛ لتطبيق المبادى ء العامة في النصوص عليه .
والنص يجعل طاعة الله أصلا ؛ وطاعة رسوله أصلا كذلك - بما أنه مرسل منه - ويجعل طاعة أولي الأمر . . منكم . . تبعا لطاعة الله وطاعة رسوله . فلا يكرر لفظ الطاعة عند ذكرهم ، كما كررها عند ذكر الرسول [ ص ] ليقرر أن طاعتهم مستمدة من طاعة الله وطاعة رسوله - بعد أن قرر أنهم( منكم )بقيد الإيمان وشرطه . .
وطاعة أولي الأمر . . منكم . . بعد هذه التقريرات كلها ، في حدود المعروف المشروع من الله ، والذي لم يرد نص بحرمته ؛ ولا يكون من المحرم عندما يرد إلى مبادى ء شريعته ، عند الاختلاف فيه . . والسنة تقرر حدود هذه الطاعة ، على وجه الجزم واليقين :
في الصحيحين من حديث الأعمش : " إنما الطاعة في المعروف " .
وفيهما من حديث يحيى القطان : " السمع والطاعة على المرء المسلم . فيما أحب أو كره . ما لم يؤمر بمعصية . فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " .
وأخرج مسلم من حديث أم الحصين : " ولو استعمل عليكم عبد . يقودكم بكتاب الله . اسمعوا له وأطيعوا " . . بهذا يجعل الإسلام كل فرد أمينا على شريعة الله وسنة رسوله . أمينا على إيمانه وهو ودينه . أمينا على نفسه وعقله . أمينا على مصيره في الدنيا والآخرة . . ولا يجعله بهيمة في القطيع ؛ تزجر من هنا أو من هنا فتسمع وتطيع ! فالمنهج واضح ، وحدود الطاعة واضحة . والشريعة التي تطاع والسنة التي تتبع واحدة لا تتعدد ، ولا تتفرق ، ولا يتوه فيها الفرد بين الظنون !
ذلك فيما ورد فيه نص صريح . فأما الذي لم يرد فيه نص . وأما الذي يعرض من المشكلات والأقضية ، على مدى الزمان وتطور الحاجات واختلاف البيئات - ولا يكون فيه نص قاطع ، أو لا يكون فيه نص على الإطلاق . . مما تختلف في تقديره العقول والآراء والأفهام - فإنه لم يترك كذلك تيها . ولم يترك بلا ميزان . ولم يترك بلا منهج للتشريع فيه والتفريع . . ووضع هذا النص القصير ، منهج الاجتهاد كله ، وحدده بحدوده ؛ وأقام " الأصل " الذي يحكم منهج الاجتهاد أيضا .
( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) . .
ردوه إلى النصوص التي تنطبق عليه ضمنا . فإن لم توجد النصوص التي تنطبق على هذا النحو ، فردوه إلى المبادى ء الكلية العامة في منهج الله وشريعته . . وهذه ليست عائمة ، ولا فوضى ، ولا هي من المجهلات التي تتيه فيها العقول كما يحاول بعض المخادعين أن يقول . وهناك - في هذا الدين - مبادى ء أساسية واضحة كل الوضوح ، تغطي كل جوانب الحياة الأساسية ، وتضع لها سياجا خرقه لا يخفى على الضمير المسلم المضبوطبميزان هذا الدين .
( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) . .
تلك الطاعة لله والطاعة للرسول ، ولأولي الأمر المؤمنين القائمين على شريعة الله وسنة الرسول . ورد ما يتنازع فيه إلى الله والرسول . . هذه وتلك شرط الإيمان بالله واليوم الآخر . كما أنها مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر . .
فلا يوجد الإيمان ابتداء وهذا الشرط مفقود . . ولا يوجد الإيمان ، ثم يتخلف عنه أثره الأكيد .
وبعد أن يضع النص المسألة في هذا الوضع الشرطي ، يقدمها مرة أخرى في صورة " العظة " والترغيب والتحبيب ؛ على نحو ما صنع في الأمر بالأمانة والعدل ثم التحبيب فيها والترغيب :
ذلك خير لكم وأحسن مآلا . خير في الدنيا وخير في الآخرة . وأحسن مآلا في الدنيا وأحسن مآلا في الآخرة كذلك . . فليست المسألة أن اتباع هذا المنهج يؤدي إلى رضاء الله وثواب الآخرة - وهو أمر هائل ، عظيم - ولكنه كذلك يحقق خير الدنيا وحسن مآل الفرد والجماعة في هذه الحياة القريبة .
أن هذا المنهج معناه : أن يستمتع " الإنسان " بمزايا منهج يضعه له الله . . الله الصانع الحكيم العليم البصير الخبير . . منهج بريء من جهل الإنسان ، وهوى الإنسان ، وضعف الإنسان . وشهوة الإنسان . . منهج لا محاباة فيه لفرد ، ولا لطبقة ، ولا لشعب ، ولا لجنس ، ولا لجيل من البشر على جيل . . لأن الله رب الجميع ، ولا تخالجه - سبحانه - وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - شهوة المحاباة لفرد ، أو طبقة ، أو شعب ، أو جنس ، أو جيل .
ومنهج من مزاياه ، أن صانعه هو صانع هذا الإنسان . . الذي يعلم حقيقة فطرته ، والحاجات الحقيقية لهذه الفطرة ، كما يعلم منحنيات نفسه ودروبها ؛ ووسائل خطابها وإصلاحها ، فلا يخبط - سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - في تيه التجارب بحثا عن منهج يوافق . ولا يكلف البشر ثمن هذه التجارب القاسية ، حين يخبطون هم في التيه بلا دليل ! وحسبهم أن يجربوا في ميدان الإبداع المادي ما يشاءون . فهو مجال فسيح جد فسيح للعقل البشري . وحسبهم كذلك أن يحاول هذا العقل تطبيق ذلك المنهج ؛ ويدرك مواضع القياس والاجتهاد فيما تتنازع فيه العقول .
ومنهج من مزاياه أن صانعه هو صانع هذا الكون ، الذي يعيش فيه الإنسان . فهو يضمن للإنسان منهجا تتلاءم قواعده مع نواميس الكون ؛ فلا يروح يعارك هذه النواميس . بل يروح يتعرف إليها ، ويصادقها ، وينتفع بها . . والمنهج يهديه في هذا كله ويحميه .
ومنهج من مزاياه أنه - في الوقت الذي يهدي فيه الإنسان ويحيميه - يكرمه ويحترمه ويجعل لعقله مكانا للعمل في المنهج . . مكان الاجتهاد في فهم النصوص الواردة . ثم الاجتهاد في رد ما لم يرد فيه نص إلى النصوص أو إلى المبادى ء العامة للدين . . ذلك إلى المجال الأصيل ، الذي يحكمه العقل البشري ، ويعلن فيه سيادته الكاملة : ميدان البحث العلمي في الكون ؛ والإبداع المادي فيه .
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) .
الطاعة هي الخضوع والامتثال للأمر ، والمعصية تعني المخالفة للأمر . والله سبحانه يأمر المؤمنين بطاعته هو جلّت قدرته . وطاعته تتحقق في الالتزام بتعاليم القرآن بما فيه من أوامر وزواجر أو حدود وقصاص أو نهي وتحذير . وكذلك يأمرهم بطاعة رسوله الكريم بالالتزام بسنته حال حياته أو بعد مماته . وكذلك فإن أولي الأمر طاعتهم واجبة . وقد قيل : إن المقصود بأولي الأمر هم الحكام والأمراء والقادة الذين يتسلمون مقاليد الحكم والرئاسة ليسوسوا الناس بالحق والعدل . وقيل : بل المقصود معاشر العلماء والفقهاء الذين يبينون للناس ما نزل إليهم في الكتاب وما ورد في سنة النبي ( ص ) ، وهذان القولان خير ما جاء في بيان ( وأولي الأمر ) ولا نركن لما ورد من أقوال أخرى بعيدة عن الصواب .
وفي طاعة الحكام والأمراء المسلمين الذين يسوسون الناس بشريعة الله يقول النبي ( ص ) فيما رواه البخاري : " واسمعوا وأطيعوا وإن أمّر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة " وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن النبي ( ص ) قال : " أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا حبشيا مجدوع الأطراف " . وأمثال ذلك كثير من السنة النبوية بما يدل على وجوب الطاعة من الرعية للراعي في المنشط والمكره . على أنه يجب التنبيه إلى شرطين ينبغي توفرهما لتكون طاعة المسؤول مشروعة وملزمة .
أحد هذين الشرطين : أن تكون الطاعة في غير معصية الله فإن كان شيء من معصية فلا مساغ عند ذلك للطاعة . فقد أخرج أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر عن رسول الله ( ص ) قال : " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " .
ثاني هذين الشرطين : أن يكون الحاكم أو المسؤول الذي تجب له الطاعة من المسلمين لا من غيرهم وذلك لقوله : ( منكم ) وكاف المخاطبين هنا تشير إلى المسلمين أي أطيعوا الحكام والولاة الذين منكم وعلى دينكم وملتكم . فإن كان هناك من غير المسلمين من يحكمهم فلا طاعة له على المسلمين البتة . ونحن إذ نتصور عدم الطاعة من المسلمين إذا حكم الحاكم بمعصية وهو من المسلمين ، فكيف إن كان الحاكم من غير المسلمين كأن يكون يهوديا أو نصرانيا أو وثنيا مشركا أو شيوعيا ملحدا فإن هؤلاء جميعا لا طاعة لهم على المسلمين . بل ينبغي قتالهم والخروج عليهم مهما كلف الثمن .
ومن ناحية أخرى فإن كل مسلم ومسلمة قد نيطت بهما بيعة فلا مساغ لأحدهما أن يتغاضى عن هذه البيعة أو يتنصل منها . فلا تبرأ له ذمة بالنسبة لهذه المسألة إلا أن يعقد مبايعة مع الإمام ، فالرجل يبايع مصافحة والمرأة تبايع بالخطاب ، فقد أخرج مسلم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ( ص ) قال : " من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " قوله : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) التنازع بمعنى التجاذب والمجادلة وهو من الانتزاع فكأن كل واحد من المتجادلين المتخاصمين يجهد في انتزاع حجة الآخر وطرحها . والآية تقضي برد جميع الخصومات والجهالات وما اختلف فيه المسلمون فيما بينهم من أمور الدين والدنيا إلى كتاب الله وسنة نبيه ( ص ) فإنهما بما فيهما قواعد وكليات ومبادئ وأصول أو ما انبثق عنهما من جزئيات وفروع واجتهادات . لحقيقان بفض كل ما يطرأ على البشرية من مشكلات وقضايا مهما امتد الزمن أو دارت عجلة الأيام أو تغيّرت صور الأعراف والبيئات والأوضاع أو تجددت حوائج الناس في شتى بقاع الأرض في مختلف الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغير ذلك .
ورد الأمر إلى الكتاب والسنة حال الخلاف والتنازع أمر واجب لا محيد عنه وهو بالنسبة للمسلمين معتبر من الفرائض الخطيرة التي يحذّر الإسلام من التفريط فيها . ولا يحيد عن الاحتكام إلى شرع الله إلا من خلع ربقة الإسلام من عنقه وارتضى أن يكون من غير المؤمنين لقوله تعالى : ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) .
قوله : ( ذلك خير وأحسن تأويلا ) الإشارة تعود إلى ردّ التنازع والخلاف إلى الكتاب والسنة . وهي في محل رفع مبتدأ . ( خير ) خبر مرفوع . ولا ريب في أن الرجوع إلى الله ورسوله خير للراجعين وهو كذلك ( وأحسن تأويلا ) أي عاقبة ومآلا . فإن الاحتكام إلى الله أبعد عن كل مواطن الضعف والزلل وأسلم من الوقوع في الضلالة والخطل وأنجى للبشرية لتعيش على الدوام سالمة آمنة مطمئنة بعيدة عن المفاسد والشرور وعن كيد الإنسان لأخيه الإنسان .