واستجاب الله لنبيه . وقضى بالجزاء العدل على الفاسقين .
( قال : فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض . فلا تأس على القوم الفاسقين )
وهكذا أسلمهم الله - وهم على أبواب الأرض المقدسة - للتيه ؛ وحرم عليهم الأرض التي كتبها لهم . . والأرجح أنه حرمها على هذا الجيل منهم حتى تنبت نابتة جديدة ؛ وحتى ينشأ جيل غير هذا الجيل . جيل يعتبر بالدرس ، وينشأ في خشونة الصحراء وحريتها صلب العود . . جيل غير هذا الجيل الذي أفسدة الذل والاستعباد والطغيان في مصر ، فلم يعد يصلح لهذا الأمر الجليل ! والذل والاستعباد والطغيان يفسد فطرة الأفراد كما يفسد فطرة الشعوب .
ويتركهم السياق هنا - في التيه - لا يزيد على ذلك . . وهو موقف تجتمع فيه العبرة النفسية إلى الجمال الفني ، على طريقة القرآن في التعبير .
ولقد وعى المسلمون هذا الدرس - مما قصه الله عليهم من القصص - فحين واجهوا الشدة وهم قلة أمام نفير قريش في غزوة بدر ، قالوا لنبيهم [ ص ] إذن لا نقول لك يا رسول الله ما قاله بنو إسرائيل لنبيهم . ( فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون )لكن نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا فإننا معكما مقاتلون . .
وكانت هذه بعض آثار المنهج القرآني في التربية بالقصص عامة ؛ وبعض جوانب حكمة الله في تفصيل قصة بني إسرائيل . .
قوله : { قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين } حرم الله على بني إسرائيل الأرض المقدسة فلا يدخلوها ولا يملكونها . فإن قيل : كيف يمكن التوفيق بين هذا التحريم عليهم وبين قوله { التي كتب الله لكم } والجواب أن الله تعالى كتب لهم الأرض المقدسة شريطة أن يجاهدوا العمالقة الذين كانوا فيها . فلما نكلوا عن الجهاد ومقاتلة الجبارين لم يفوا بالشرط فلم يبق المشروط . فهي بذلك تبقى محرمة عليهم .
وقوله : { أربعين سنة } منصوبة بقوله بعدها { يتيهون } والتقدير أنهم بقوا يتيهون أربعين سنة . وقيل : منصوبة بالتحريم . وقوله : { يتيهون في الأرض } يقال تاه يتيه وتوها . والتيهاء المفازة التي لا يهتدي فيها . أي يسيرون فيها حيارى لا يهتدون طريقا . قال الحسن البصري في ذلك : كانوا يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا .
وفي أرض التيه حيث الحيرة والضياع والضلال حصلت لهم خوارق عجاب كتظليلهم بالغمام ، وإنزال المن والسلوى ، وإخراج الماء الجاري من الصخرة الصماء كان موسى يضربها بالعصا فتتفجر منها اثنتا عشرة عينا . وهناك نزلت التوراة وشرعت لهم الأحكام . إلى غير ذلك من الخوارق و لآلاء التي من الله بها على بني إسرائيل وهم ضائعون تائهون بالرغم من نكولهم عن أمر ربهم واجترائهم عليه بالمعاصي والفسق والتمرد . لا جرم أن ذلك امتنان من الله بالغ ، فاق ما حظيت به أمة من من الخير والرغد والبحبوحة . ولا غرو فلله الحجة البالغة على بني إسرائيل .
قوله : { فلا تأس على القوم الفاسقين } هذه تسلية لكليم الله موسى بما يسري عن نفسه ويكفكف عنها الندم والحزن لما أصاب قومه من بلاء التيه استجابة من الله لدعائه . فما ينبغي له أن يحزن عليهم فإنهم مستحقون لما حل بهم{[935]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.