( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ، ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون . فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم . وإن قيل لكم : ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم ، والله بما تعملون عليم . ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم . والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ) . .
لقد جعل الله البيوت سكنا ، يفيء إليها الناس ؛ فتسكن أرواحهم ؛ وتطمئن نفوسهم ؛ ويأمنون على عوراتهم وحرماتهم ، ويلقون أعباء الحذر والحرص المرهقة للأعصاب !
والبيوت لا تكون كذلك إلا حين تكون حرما آمنا لا يستبيحه أحد إلا بعلم أهله وإذنهم . وفي الوقت الذي يريدون ، وعلى الحالة التي يحبون أن يلقوا عليها الناس .
ذلك إلى أن استباحة حرمة البيت من الداخلين دون استئذان ، يجعل أعينهم تقع على عورات ؛ وتلتقي بمفاتن تثير الشهوات ؛ وتهيى ء الفرصة للغواية ، الناشئة من اللقاءات العابرة والنظرات الطائرة ، التي قد تتكرر فتتحول إلى نظرات قاصدة ، تحركها الميول التي أيقظتها اللقاءات الأولى على غير قصد ولا انتظار ؛ وتحولها إلى علاقات آثمة بعد بضع خطوات أو إلى شهوات محرومة تنشأ عنها العقد النفسية والانحرافات .
ولقد كانوا في الجاهلية يهجمون هجوما ، فيدخل الزائر البيت ، ثم يقول : لقد دخلت ! وكان يقع أن يكون صاحب الدار مع أهله في الحالة التي لا يجوز أن يراهما عليها أحد . وكان يقع أن تكون المرأة عاريةأو مكشوفة العورة ، هي أو الرجل ، وكان ذلك يؤذي ويجرح ، ويحرم البيوت أمنها وسكينتها ؛ كما يعرض النفوس من هنا ومن هناك للفتنة ، حين تقع العين على ما يثير .
من أجل هذا وذلك أدب الله المسلمين بهذا الأدب العالي . أدب الاستئذان على البيوت ، والسلام على أهلها لإيناسهم . وإزالة الوحشة من نفوسهم ، قبل الدخول :
( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ) . .
ويعبر عن الاستئذان بالاستئناس - وهو تعبير يوحي بلطف الاستئذان ، ولطف الطريقة التي يجيء بها الطارق ، فتحدث في نفوس أهل البيت أنسا به ، واستعدادا لاستقباله . وهي لفتة دقيقة لطيفة ، لرعاية أحوال النفوس ، ولتقدير ظروف الناس في بيوتهم ، وما يلابسها من ضرورات لا يجوز أن يشقى بها أهلها ويحرجوا أمام الطارقين في ليل أو نهار .
قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون }
قيل : معنى قوله : { حتى تستأنسوا } أي : حتى تستأذنوا وكان ابن عباس يقرأ ( حتى تستأذنوا ) ويقول : تستأنسوا خطأ من الكاتب . وكذلك كان يقرأ أبي ابن كعب ، والقراءة المعروفة تستأنسوا وهو بمعنى الاستئذان . وقيل : الاستئناس طلب الأنس ، وهو أن ينظر هل في البيت ناس ، فيؤذنهم إني داخل . وقال الخليل : الاستئناس الاستبصار من قوله : آنست ناراً ، أي : أبصرتها . وقيل : هو أن يتكلم بتسبيحة أو تكبيرة أو يتنحنح ، يؤذن أهل البيت . وجملة حكم الآية : أنه لا يدخل بيت الغير إلا بعد السلام والاستئذان . واختلفوا في أنه يقدم الاستئذان أم السلام ؟ فقال قوم : يقدم الاستئذان فيقول : أأدخل سلام عليكم ، لقوله تعالى : { حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } والأكثرون على أنه يقدم السلام فيقول : سلام عليكم أأدخل . وفي الآية تقديم وتأخير ، تقديرها : حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا . وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود . وروي عن كلدة بن حنبل قال : " دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ولم أسلم ولم أستأذن ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ارجع فقل : السلام عليكم أأدخل " . وروي عن ابن عمر : " أن رجلاً استأذن عليه فقال : أأدخل ؟ فقال ابن عمر : لا ، فأمر بعضهم الرجل أن يسلم فسلم فأذن له " . وقال بعضهم : إن وقع بصره على إنسان قدم السلام ، وإلا قدم الاستئذان ، ثم سلم ، وقال أبو موسى الأشعري وحذيفة : يستأذن على ذوات المحارم ، ومثله عن الحسن ، وإن كانوا في دار واحدة يتنحنح ويتحرك حركة .
أخبرنا أحمد عبد الله الصالحي ، أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد عبد الله بن بشران ، أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار ، أنبأنا أحمد بن منصور الرمادي ، أنبأنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن سعيد الحريري ، عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال : " سلم عبد الله بن قيس على عمر بن الخطاب ثلاث مرات فلم يأذن له فرجع فأرسل عمر في أثره فقال : لم رجعت ؟ قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا سلم أحدكم ثلاثاً فلم يجب فليرجع . قال عمر : لتأتين على ما تقول ببينة وإلا لأفعلن بك كذا وكذا غير أنه قد أوعده ، قال : فجاء أبو موسى الأشعري منتقعاً لونه و أنا في حلقة جالس ، فقلنا : ما شأنك ؟ فقال : سلمت على عمر ، فأخبرنا خبره ، فهل سمع أحد منكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : نعم كلنا قد سمعه ، قال فأرسلوا معه رجلاً منهم حتى أتى عمر فأخبره بذلك " . ورواه بشر بن سعيد عن أبي سعيد الخدري ، وفيه : قال أبو موسى الأشعري : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع " . قال الحسن : الأول إعلام والثاني مؤامرة ، والثالث استئذان بالرجوع .
قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون ( 27 ) فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم ( 28 ) ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ( 29 ) } .
جاء في سبب نزول الآية ما رواه الطبري وغيره عن عدي بن ثابت قال : جاءت امرأة من الأنصار فقالت : يا رسول الله إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد لا والد ولا ولد ، فيأتي الأب فيدخل علي . وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال ، فكيف أصنع ؟ فنزلت هذه الآية . وقال المفسرون : لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر الصديق ( رضي الله عنه ) : يا رسول الله أفرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن ؟ فأنزل الله تعالى ( ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة ) {[3243]} .
ذلك بيان وجيز عن أدب السلوك الذي يتجلى في خلق المسلمين وهم يدخل بعضهم بيوت بعض . فما ينبغي لأحد أن يدخل بيتا غير بيته حتى يستأنس أي يستأذن . يقال : استأنس ، أي ذهب توحشه . واستأنس ، استأذن وتبصّر{[3244]} . وعلى هذا ينبغي أن يستأذن الداخل بيت غيره ثلاث مرات ، فإن أذن له ، وإلا رجع أو انصرف ، وقد ثبت في الصحيح أن أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثا فلم يؤذن له انصرف ثم قال عمر : ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن ؟ ائذنوا له ، فطلبوه فوجدوه قد ذهب . فلما جاء بعد ذلك ، قال : ما أرجعك ؟ قال : إني استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي ، وإني سمعت رسول الله ( ص ) يقول : " إن استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فلينصرف " فقال عمر : لتأتيني على هذا بينة وإلا أوجعتك ضربا . فذهب إلى ملأ من الأنصار فذكر لهم ما قال عمر . فقالوا : لا يشهد لك إلا أصغرنا . فقام معه أبو سعيد الخدري فأخبر عمر بذلك . فقال : ألهاني عنه الصفق{[3245]} بالأسواق .
ذلك من أدب الإسلام الذي يناط بالمسلمين أن يتعلموه ويعملوا بموجبه فيما بينهم . والمسلمون في ذلك يتعاملون فيما بينهم بخلق الإسلام الرفيع . الخلق المبني على حسن السريرة وطهارة القلب وبراءته من الزيغ والمرض والسوء . فليس من سجايا المسلمين الختل والمخادعة والتلصص بالبصر . فإنه لا يمكر أحد بأخيه إلا كان في عداد المراوغين والمنافقين والخائنين . والمسلمون الحقيقيون مبرأون من مثالب الخداع والتحيّل واستراق الأبصار . وعلى هذا فما يدخل المسلم بيت غيره إلا عقب استئذان صريح وواضح لكي يتهيأ صاحب البيت فيصلح شأن نفسه لاستقبال المستأذن فلا يقع بصره على المحارم والعورات أو على ما لا ينبغي النظر إليه . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ( ص ) قال : " من اطّلع في بيت قوم من غير إذنهم حل لهم أن يفقئوا عينه " وقد اختلفوا في تأويل هذا الخبر . فقال بعض العلماء : ليس هذا على ظاهره ؛ فإن فقأ عينه لزمه الضمان ، وهذا الخبر منسوخ . وقد قيل : خرج هذا الخبر على وجه الوعيد لا على وجه الحتم . والخبر إذا كان مخالفا للكتاب الحكيم لا يُعمل به . فما ينبغي العمل بظاهر هذا الخبر بل يجب تأويله على وجه لا يخالف كتاب الله ، ونظير ذلك ما جاء في الخبر أن عباس بن مرداس لما مدح النبي ( ص ) قال لبلال : " قم فاقطع لسانه " وإنما أراد بذلك أن يدفع إليه شيئا ، ولم يرد به القطع على الحقيقة .
وقيل : المراد بالفقء ههنا على الحقيقة وليس المجاز . وعلى هذا لا ضمان ولا قصاص على الذي يفقأ من يطلع على عورة البيت ولم يستأذن . ويعضد هذا القول ما رواه الصحيح عن سهل بن سعد أن رجلا اطلع في حُجْر في باب رسول الله ( ص ) ومع رسول الله ( ص ) مدْرىً{[3246]} يرجّل به رأسه . فقال له رسول لله ( ص ) : " لو أعلمُ أنك تنظر لطعنت به في عينك ؛ إنما جعل الله الإذن من أجل البصر " وكذلك روي عن أنس أن رسول الله ( ص ) قال : " لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة{[3247]} ففقأت عينه ؛ ما كان عليك من جناح " .
قوله : ( وتسلموا على أهلها ) والتسليم أن يقول : السلام عليكم . أأدخل ؟ ثلاث مرات . فإن أذن له ، وإلا رجع . وذلك للخبر : " إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع " .
وإنما خُص الاستئذان بثلاث ؛ لأن الغالب من الكلام إذا كُرر ثلاثا سُمع وفُهم . فإذا لم يأذن له صاحب البيت بعد ثلاث تبين أنه لا يريد الإذن له ، لعذرٍ عنده لا يعلمه المستأذن . فينبغي له أن ينصرف .
ومن صور الاستئذان : الدق على الباب على أن يكون ذلك خفيفا مسموعا ، في غير عنف ولا إزعاج . ومن صوره في عصرنا الراهن الضغط على جرس موصول بالباب ، موصل للصوت داخل البيت .
أما المرء يأتي بيته وفيه أهله من زوجة ومحارم كالأم والبنت والأخت ونحو هؤلاء ، فلا يجب أن يستأذن عليهم . لكنه إذا دخل فإنه يسلم على أهل بيته . وإن دخل بيته وليس فيه أحد قال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . وقيل : إن الملائكة ترد عليه . وقيل : لا داعي للتسليم ؛ إذ لم يكن في البيت أحد .
قوله : ( ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون ) الإشارة عائدة إلى الأمر بالاستئناس والتسليم ، فإن ذلك خير لكم من الدخول بغتة .
قوله : ( لعلكم تذكرون ) أي لكي تتذكروا هذا الأمر من الله في أدب السلوك والاستئذان فتتمسكوا به وتطيعوه .