في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (25)

1

وفي مقابل ذلك المشهد المفزع يعرض المشهد المقابل . مشهد النعيم الذي ينتظر المؤمنين :

( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ، كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل ، وأتوا به متشابها ، ولهم فيها أزواج مطهرة ، وهم فيها خالدون ) . .

وهي ألوان من النعيم يستوقف النظر منها - إلى جانب الأزواج المطهرة - تلك الثمار المتشابهة ، التي يخيل إليهم أنهم رزقوها من قبل - أما ثمار الدنيا التي تشبهها بالاسم أو الشكل ، وأما ثمار الجنة التي رزقوها من قبل - فربما كان في هذا التشابه الظاهري والتنوع الداخلي مزية المفاجأة في كل مرة . . وهي ترسم جوا من الدعابة الحلوة ، والرضى السابغ ، والتفكه الجميل ، بتقديم المفاجأة بعد المفاجأة ، وفي كل مرة ينكشف التشابه الظاهري عن شيء جديد !

وهذا التشابه في الشكل ، والتنوع في المزية ، سمة واضحة في صنعة الباريء تعالى ، تجعل الوجود أكبر في حقيقته من مظهره . ولنأخذ الإنسان وحده نموذجا كاشفا لهذه الحقيقة الكبيرة . . الناس كلهم ناس ، من ناحية قاعدة التكوين : رأس وجسم وأطراف . لحم ودم وعظام وأعصاب . عينان وأذنان وفم ولسان . خلايا حية من نوع الخلايا الحية . تركيب متشابه في الشكل والمادة . . ولكن أين غاية المدى في السمات والشيات ؟ ثم أين غاية المدى في الطباع والاستعدادات ؟ إن فارق ما بين إنسان وإنسان - على هذا التشابه - ليبلغ أحيانا أبعد مما بين الأرض والسماء !

وهكذا يبدو التنوع في صنعة الباريء هائلا يدير الرؤوس : التنوع في الأنواع والأجناس ، والتنوع في الأشكال والسمات ، والتنوع في المزايا والصفات . . وكله . . كله مرده إلى الخلية الواحدة المتشابهة التكوين والتركيب .

فمن ذا الذي لا يعبد الله وحده ، وهذه آثار صنعته ، وآيات قدرته ؟ ومن ذا الذي يجعل لله اندادا ، ويد الإعجاز واضحة الآثار ، فيما تراه الأبصار ، وفيما لا تدركه الأبصار ؟

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (25)

قوله تعالى : { وبشر الذين آمنوا } . أي أخبر ، والبشارة : كل خبر صدق تتغير به بشرة الوجه ، ويستعمل في الخير والشر ، وفي الخير أغلب .

قوله تعالى : { وعملوا الصالحات } . أي الفعلات الصالحات ، يعني المؤمنين الذين من أهل الطاعات قال عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه : ( وعملوا الصالحات ) أي أخلصوا الأعمال ، كما قال : ( فليعمل عملاً صالحاً ) أي خالياً عن الرياء . قال معاذ : العمل الصالح الذي فيه أربعة أشياء : العلم ، والنية ، والصبر ، والإخلاص . قوله تعالى : { أن لهم جنات } . جمع الجنة ، والجنة البستان الذي فيه أشجار مثمرة ، سميت بها لاجتنانها وتسترها بالأشجار . وقال الفراء : الجنة ما فيه النخيل ، والفردوس ما فيه الكرم .

قوله تعالى : { تجري من تحتها } . أي من تحت أشجارها ومساكنها .

قوله تعالى : { الأنهار } . أي المياه في الأنهار لأن النهر لا يجري ، وقيل من تحتها أي بأمرهم ، لقوله تعالى حكاية عن فرعون ( وهذه الأنهار تجري من تحتي ) أي بأمري ، والأنهار جمع نهر ، سمي به لسعته وضيائه . ومنه النهار . وفي الحديث " أنهار الجنة في غير أخدود " .

قوله تعالى : { كلما } . متى ما .

قوله تعالى : { رزقوا } . أطعموا .

قوله تعالى : { منها } . أي من الجنة .

قوله تعالى : { من ثمرة } . أي ثمرة ومن صلة .

قوله تعالى : { رزقاً } . طعاماً .

قوله تعالى : { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } . وقبل رفع على الغاية . قال الله تعالى : ( لله الأمر من قبل ومن بعد ) قيل : من قبل في الدنيا وقيل : الثمار في الجنة متشابهة في اللون ، مختلفة في الطعم ، فإذا رزقوا ثمرة بعد أخرى ظنوا أنها الأولى .

قوله تعالى : { وأتوا به } . رزقا .

قوله تعالى : { متشابهاً } . قال ابن عباس ، ومجاهد ، والربيع : متشابهاً في الأوان ، مختلفاً في الطعوم . وقال الحسن وقتادة : متشابهاً . أي يشبه ثمر الدنيا غير أنها أطيب . وقيل متشابهاً في الاسم مختلفاً في الطعم . قال : ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسامي .

أخبرنا أبو حامد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الصفار ، أنا أحمد بن محمد بن عيسى البري ، أنا محمد ابن كثير ، أنا سفيان الثوري ، عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون ولا يبزقون ، يلهمون الحمد والتسبيح ، كما تلهمون النفس ، طعامهم الجشاء ، ورشحهم المسك " .

قوله تعالى : { ولهم فيها } . في الجنان .

قوله تعالى : { أزواج } . نساء وجواري يعني من الحور العين .

قوله تعالى : { مطهرة } . من الغائط ، والبول ، والحيض ، والنفاس ، والبصاق ، والمخاط والمني ، والولد ، وكل قذر . قال إبراهيم النخعي : في الجنة جماع ما شئت ولا ولد . وقال الحسن هن عجائزكم الغمص العمش طهرن من قذرات الدنيا . وقيل : مطهرة عن مساوئ الأخلاق .

قوله تعالى : { وهم فيها خالدون } . دائمون لا يموتون فيها ولا يخرجون منها . أنا أبو عمرو وعبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أبو حامد أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف العزيزي ، أنا محمد بن إسماعيل البخاري ، أنا قتيبة بن سعيد ، أنا جرير عن عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة ، لا يبولون ولا يتغوطون ، ولا يتفلون ولا يتمخطون ، أمشاطهم الذهب ، ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة وأزواجهم الحور العين ، على خلق رجل واحد ، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنا أبو القاسم البغوي ، أنا علي بن الجعد ، أنا فضيل هو ابن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول زمرة من يدخل الجنة يوم القيامة صورة وجوههم مثل صورة القمر ليلة البدر ، والزمرة الثانية على لون أحسن الكواكب في السماء لكل رجل منهم زوجتان ، على كل زوجة سبعون حلة ، يرى مخ سوقهن دون لحومها ودمائها وحللها " .

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي المروزي ، أنا أبو الحسن علي ابن عبد الله الطيسفوني ، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنا عبد الله بن عمر الجوهري ، أنا أحمد بن علي الكشميهني ، أنا علي بن حجر ، أنا إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الهمذاني ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : " لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على الأرض لأضاءت ما بينهما ولملئت ما بينهما ريحاً ، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها " . صحيح ، أخرجه محمد بن عبد الله بن محمد ، عن معاوية بن عمر ، عن أبي إسحاق ، عن حميد .

أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني ، أنا أبو محمد بن علي بن محمد ابن شريك الشافعي ، أنا عبد الله بن محمد بن مسلم ، أنا أبو بكر الجوريدي ، أنا أحمد بن الفرج الحمصي ، أنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار ، أنا محمد ابن المهاجر ، عن الضحاك المعافري ، عن سليمان بن موسى ، حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا هل من مشمر للجنة ، وإن الجنة لا خطر لها وهي ، ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز ، وقصر مشيد ونهر مطرد ، وثمرة نضيجة ، وزوجة حسناء جميلة ، وحلل كثيرة ، ومقام أبد في دار سليمة ، وفاكهة خضرة ، وحبرة ، ونعمة في محلة عالية بهية ، قالوا : نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها . قال : قولوا إن شاء الله . قال القوم : إن شاء الله " .

وروى عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أهل الجنة جرد مرد كحل ، لا يفنى شبابهم ، ولا تبلى ثيابهم " .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي ، أنا الحاكم أبو الفضل الحدادي ، أنا أبو يزيد محمد بن يحيى ، أنا إسحاق الحنظلي ، أنا أبو معاوية ، أنا عبد الرحمن بن إسحاق ، عن النعمان بن سعيد ، عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن في الجنة لسوقاً ليس فيه بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال والنساء ، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها ، إن فيها لمجتمع الحور العين ينادين ، بصوت لم يسمع الخلائق مثله : نحن الخالدات فلا نبيد أبداً ، ونحن الناعمات فلا نبأس أبداً ، ونحن الراضيات فلا نسخط أبداً ، فطوبى لمن كان لنا وكنا له ونحن له " ورواه أبو عيسى عن هناد و أحمد بن منيع عن أبي معاوية مرفوعاً وقال : هذا حديث غريب .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني ، أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ، أنا محمد بن عيسى الجلودي ، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أنا مسلم بن الحجاج ، أنا أبو عثمان سعيد بن عبد الجبار البصري أنا حماد بن مسلمة ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن في الجنة لسوقاً يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسناً وجمالاً ، فيرجعون إلى أهلهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً فيقول لهم أهلهم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً فيقولون وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (25)

ولما ذكر ما{[1277]} لهم ترهيباً اتبعه ما للمؤمنين ترغيباً فقال صارفاً وجه الخطاب بالرحمة إلى نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم عاطفاً على ما تقديره : فأنذرهم بذلك ، ولكنه طواه لأن السياق للاستعطاف{[1278]} { وبشر } والبشرى قال الحرالي إظهار غيب{[1279]} المسرة بالقول : { الذين آمنوا } أي صدقوا الرسل { وعملوا } قال الحرالي : من العمل وهو فعل بُني على علم{[1280]} أو زعمه { الصالحات } من الأقوال والأفعال ، قال الحرالي : جمع صالحة ، وهو العمل المتحفظ به من مداخل الخلل فيه ، وإذا كانت البشرى لهؤلاء{[1281]} فالمؤمنون أحق بما فوق البشرى ، وإنما يبشر من يكون على خطر ، والمؤمن مطمئن فكيف بما فوق ذلك من رتبة الإحسان إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، وما لا يناله{[1282]} علم نفس ولا خطر على قلب بشر .

ولما ذكر المبشر اتبعه المبشر{[1283]} به فقال{[1284]} : { أن لهم جنّات } أي متعددة ، قال الحرالي : لتعدد رتب أفعالهم التي يطابق الجزاء ترتبها وتعددها [ كما-{[1285]} ] قال عليه الصلاة والسلام للتي{[1286]} سألت عن ابنها : " إنها جنان وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى " وفي التعبير بلهم إشعار بأن{[1287]} ذلك الذي لهم ينبغي لحاقه{[1288]} بذواتهم ليحصل به من كمال أمرهم وصلاح حالهم نحو مما يحصل بكمال خلقهم وتسويتهم . والجنات{[1289]} مبتهجات للنفوس تجمع ملاذ جميع حواسها ، تُجن المتصرف فيها أي تخفيه{[1290]} وتجن وراء نعيمها مزيداً دائماً - انتهى .

ثم وصفها بأنها { تجري } {[1291]}قال الحرالي : من الجري وهو إسراع حركة الشيء ودوامها ، { من تحتها } أي من تحت غرفها ، والتحت ما دون المستوى ، { الأنهار } جمع نهر ، وهو المجرى الواسع للماء - انتهى . {[1292]}فإسناد الجري إليها مجاز ، والتعريف لما عهده السامع من الجنس{[1293]} ويحتمل أن يكون المعنى أن أرضها منبع الأنهار ، فَتَحتَ كل شجرة وغرفة منبع نهر ، فهي لا تزال غضّة يانعة متصلة الزهر والثمر لا كما يجلب إليه الماء وربما انقطع في وقت فاختلّ بعض أمره .

قال الحرالي : وإذا تعرف حال العامل من وصف جزائه علم أن أعمالهم كانت مبنية على الإخلاص الذي هو حظ العاملين من التوليد الذي الماء آيته - انتهى .

فلما كانت الجنان معروفة بالثمار ساق وصفها بذلك مساق ما لا شك{[1294]} فيه بخلاف جري الأنهار فقال : { كلما } وهي كلمة تفهم تكرر الأمر في عموم الأوقات { رزقوا منها من ثمرة } أيّ ثمرة كانت رزقاً { قالوا } لكونه على صورة ما في الدنيا { هذا } {[1295]}أي الجنس لاستحكام الشبه { الذي رزقنا من قبل } أي في الدنيا ، {[1296]}ولما كان الرزق{[1297]} معلوماً ولم يتعلق غرض{[1298]} بمعرفة{[1299]} الآتي بالرزق بُنيا للمجهول فقال تعالى عاطفاً على ما تقديره لأنا خلقناه على شكل ما كان ليكونوا به أغبط ولمزيته أعرف وله أقبل وإليه أميل موحداً للضمير إشارة إلى أنه لاستحكام الشبه كأنه واحد { وأتوا به } {[1300]}أي جيء لهم {[1301]}بهذا الجنس المرزوق لهم في الدارين في الجنة{[1302]} من غير تطلب وتشوق { متشابهاً } في مطلق اللون والجنس ليظن أنه متشابه في الطعم ، فيصير فضله في ذلك بالذوق نعمة أخرى{[1303]} والتشابه المراد هنا اشتراك في ظاهر الصورة ، {[1304]} والإتيان بأداة التكرار يدل على أن الشبه يزداد عظمة{[1305]} في كل مرة فيزداد العجب وجعل الحرالي{[1306]} هذا خاصاً بثمار الجنة فقال : من قبل إعلام بأن أشخاص ثمر الجنة وآحادها لا تتمايز{[1307]} لأنها على أعلى صورتها لا تتفاوت بأعلى وأدنى ولا يتراخى زمان عودها ، فهي تتخلف لآنِ قطفها ولا تتمايز{[1308]} صور المقطوف من الخالف حتى يظن القاطف أن المتخلف عين الأول ؛ فحال ثمر الجنة كحال الماء الذي هو أصله ، وبسرعة الخلف من ثمر الجنة وأنه متصل جرية{[1309]} الوجود قال عليه السلام في عنقود من ثمرها : " لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا " ويشعر ذلك عند اعتبار العمل به بأن نياتهم في الأعمال صالحة ثابتة مرابطة حتى جرُّوا{[1310]} بها هذا الاتصال وكمال الصورة في الرزق{[1311]} ومنه{[1312]} حديث مرفوع أخرجه الطبراني عن سهل بن سعد{[1313]} : " نية المؤمن خير من عمله " { وأتوا به متشابهاً{[1314]} } أظهر عذرهم في توهم اتحاد الثمر وعرف بأمنتهم من العنا ، لأنه لو تفاوت تبعه الكراهة للأدنى وتكلف {[1315]}للانتقاء للأعلى{[1316]} وذلك إنما هو لائق بكيد الدنيا لا بنعيم الجنة ، وقد ذكر بعض العلماء{[1317]} اطراد هذا التشابه في ثمر الجنة وإن اختلفت أصنافه{[1318]} ، ويضعفه ما يلزم منه كمال الدلالة في المعنى والصورة في نحو قوله تعالى :

{ فيهما فاكهة ونخل ورمان{[1319]} }[ الرحمن : 68 ] وما يجري مجراه - انتهى .

ولما{[1320]} ذكر المسكن الذي هو محل اللذة وأتبعه المطعم المقصود بالذات و{[1321]}كانت لذة الدار لا تكمل إلا بأنس الجار {[1322]}لا سيما المستمتع به{[1323]} قال : { ولهم فيها } أي مع ذلك { أزواج } {[1324]}ولما كن على خلق واحد لا نقص فيه أشار إليه بتوحيد الصفة ، وأكد ذلك بالتعبير بالتفعيل إلماماً بأنه عمل فيه عمل ما يبالغ فيه بحيث لا مطمع في الزيادة فقال : { مطهرة } .

قال الحرالي : والزوج ما لا يكمل المقصود من الشيء إلا معه على نحو من الاشتراك والتعاون{[1325]} ، والتطهير{[1326]} تكرار إذهاب مجتنب بعد مجتنب عن الشيء ؛ ولما ذكر تعالى الرزق المستثمر من أعمال الذين آمنوا وصل به ذكر الأزواج المستثمرة{[1327]} من حال نفوسهم من حسن أخلاقها وجمال صورتها الباطنة في الدنيا ، وكانت المرأة زوج الرجل لما كان لا يستقل أمره في النسل والسكن إلا بها - انتهى .

ولما كان {[1328]} خوف الزوال أو الانتقال إلى أدنى منغصاً فلا {[1329]} تروق {[1330]} اللذة {[1331]} إلا مع الاستقرار {[1332]} وكان هذا الوصف عاماً في جميع الجنان العلى وغيرها قال مقدماً للجار إشارة إلى أنهم لا يكونون في جنة إلا وهذه صفتها وأن نعيمهم لا آخر له{[1333]} { وهم فيها }{[1334]} ولما أفاد تقديم الظرف تخصيص الكون بها وعدم الكون في غيرها وكان ذلك معنى الخلود وكان قد يطلق على الإقامة بلا نهاية على طول الإقامة وإن كان له آخر صرح به بياناً بأن المراد ما لا آخر له وإلا لم يفد شيئاً جديداً فقال : { خالدون }{[1335]} والخلود{[1336]} طول الإقامة بالقرار ، وسياق الامتنان أغنى{[1337]} عن تقييده بالتأبيد والدوام .


[1277]:فظة "ما" زيدت من م ومد.
[1278]:يد في م ومد: على لسان نبي الرحمة.
[1279]:ي م: عيب – كذا بالعين المهملة.
[1280]:ي م: عمل.
[1281]:من م ومد وفي ظ: لهم، والأصل مطموس.
[1282]:ي م: يباله – كذا.
[1283]:يس في ظ فقط.
[1284]:قال النسفي: سنة الله في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب تنشيطا لاكتساب ما يزلف وتثبيطا عن اقتراف ما يتلف، فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب قفاه بذكر المؤمنين وأعمالهم وتبشيرهم بقوله: وبشر" الآية، والبشارة الإخبار بما يظهر سرور المخبر به، والمأمور بقوله "وبشر" الرسول عليه السلام أو كل أحد وهذا أحسن لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة – انتهى. والصالحة نحو الحسنة في جريها مجرى الاسم، والصالحات كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة – تفسير النسفي ج 1 ص 27.
[1285]:يد من م ومد وليس في ظ ولا يتضح في الأصل.
[1286]:وهي أم حارثة بن سراقة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة؟ وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب – فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء قال؛ يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى أخرجه البخاري عن أنس ابن مالك رضي الله عنه ج 1 ص 394
[1287]:في ظ: بأنه.
[1288]:في م: لحاقهم وفي ظ: لحاق.
[1289]:في تفسير النسفي: الجنة البستان من النخل والشجر المتكاثف والتركيب دائر على معنى الستر، وسميت دار الثواب كلها وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب بحسب أعمال العالمين، لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان.
[1290]:ي م: تحفيه – كذا.
[1291]:"تجري من تحتها الأنهار" المراد من تحت أشجارها كما ترى الأشجار النابتة على شواطئ الأنهار الجارية؛ وأنها الجنة تجري في غير أخدود ، وأنزه البساتين ما كانت أشجارها مظلة والأنهار في خلالها مطردة والجري الاطراد؛ والماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى ولذا قرن الله تعالى الجنات بذكر الأنهار الجارية وقدمه على سائر نعوتها – انتهى.
[1292]:ليست في ظ.
[1293]:يست في ظ.
[1294]:ي م: وصف.
[1295]:يست في ظ.
[1296]:يست العبارة من هنا إلى "كأنه واحد" في ظ.
[1297]:ن م وفي الأصل ومد: الرازق – كذا.
[1298]:يس في مد.
[1299]:ي مد: لعرفه.
[1300]:زيد في م ومد: و.
[1301]:كذا في الأصل وم ومد ولكن ضرب عليه في م، وفي ظ: به، وزيد بعدها في م ومد: وقد روى عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره، وزيد بعدها في مد: الجنس المرزوق لهم في الدارين في الجنة.
[1302]:كذا في الأصل وم ومد ولكن ضرب عليه في م، وفي ظ: به، وزيد بعدها في م ومد: وقد روى عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره، وزيد بعدها في مد: الجنس المرزوق لهم في الدارين في الجنة.
[1303]:وفي تفسير النسفي: كلما رزقوا من الجنات أي من أي ثمرة كانت من تفاحها أو رمانها أو غير ذلك رزقا قالوا ذلك. والمعنى هذا مثل الذي رزقنا من قبل وشبهه بدليل قوله "وآتوا به متشابها" كقولك: أبو يوسف أبو حنيفة – تريد أنه لاستحكام الشبه كأن ذاته وإنما كان ثمار الجنة مثل ثمار الدنيا ولم تكن أجناسا أخر لأن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل، ولأنه إذا شاهد ما سلف له به عهد ورأى فيه مزية ظاهرة وتفاوتا بينا كان استعجابه أكثروا استغرابه أوفر، والمعنى أن ما يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانسا في نفسه.
[1304]:يست العبارة من هنا إلى "العجب" في ظ.
[1305]:يد بعده في مد: مرة.
[1306]:يدت في م: الجنس المرزوق لهم في الدارين في الجنة أو ليس هذا موضعها.
[1307]:من مد وفي الأصل وم وظ: يتمايز.
[1308]:ن مد وفي الأصل وم وظ: يتمايز.
[1309]:ن م ومد وظ وفي الأصل: جزية.
[1310]:كذا في الأصل وفي م ومد: جزوا وفي ظ: خيروا.
[1311]:ي مد: الذوق.
[1312]:ن هامش ظ، وليست في م ومد وثبتت في الأصل بين السطرين بعد "عمله".
[1313]:ن هامش ظ، وليست في م ومد، وثبتت في الأصل بين السطرين بعد "عمله".
[1314]:وقال المهائمي في تفسيره المسمى تبصير الرحمان وتيسير المنان:"الأنهار" جمع نهر وهو المجرى الواسع مما أجروا من انهار الحكمة إلى ألسنتهم ثم إلى العالم و "كلما رزقوا منها" من تلك الجنات "من ثمرة رزقا" حقيقيا حسا أو عقليا أو خياليا "قالوا هذا" جزاء "الذي رزقنا من قبل" من المقامات والأحوال التي هي ثمرات الإيمان والأعمال "و" لما كانت لكل عمل ثمرات متشابهة يفضل بعضها بعضا "آتوا به متشابها" يشبه بعضه بعضا في الصورة مع التفاوت في اللذات – انتهى كلامه. وفي التفسير المظهري: "هذا" إشارة إلى نوع ما رزقوا المستمر بتعاقب أفراده "من قبل" أي من قبل هذا يعني في الدنيا جعلت متشابهة بثمار الدنيا كيلا يتنفر الطبع عن غير المألوف ويظهر المزية وقيل الثمار في الجنة متشابهة في اللون مختلفة في الطعم والداعي لهم على تكرار هذا القول كلما رزقوا تبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة والتشابه العظيم في الصورة "وآتوا به" بالرزق "متشابها" يعني ثمار الجنة كلها خيار لا رذالة فيها.
[1315]:في م: الانتقا لا على وفي مد: الانتفاء للأعلى – كذا.
[1316]:ي م: الانتقا لا على، وفي مد: الانتفاء للأعلى، كذا.
[1317]:وفي التفسير المظهري للقاضي محمد ثناء الله العثماني المظهري، روى البغوي بسنده عن جابر ابن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون ولا يبزقون يلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس طعامهم جشاء ورشحهم المسك – رواه مسلم؛ وللآية محمل آخر أن يكون المعنى هذا ثواب الذي رزقنا من قبل في الدنيا من المعارف والأعمال نظيره في الوعيد "ذوقوا ما كنتم تعلمون" روى الترمذي عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وإنها قيعان، وإن غراسها هذه – يعني التسبيح والتحميد والتكبير. قوله تعالى: "وآتوا به متشابها" أي مماثلا لمعارفهم وطاعاتهم في الشرف والمزية متفاوتا على حسب أعمالهم.
[1318]:في ظ فقط: أضافه – كذا.
[1319]:سورة 55 آية 68.
[1320]:يست في ظ.
[1321]:يست في ظ.
[1322]:يست في ظ.
[1323]:يست في ظ.
[1324]:لعبارة من هنا إلى "فقال" ليست في ظ.
[1325]:في التفسير المظهري: الزوج يقال للذكر والأنثى، وفي الأصل يقال لما له قرين من جنسه كزوج الخف.
[1326]:وفي تفسير النسفي: "مطهرة" من مساوئ الأخلاق، لا طمحات ولا مرحات، أو مما يختص بالنساء من الحيض والاستحاضة، وما لا يختص بهن من البول والغائط وسائر الأقذار والأدناس. ولم تجمع الصفة كالموصوف لأنهما لغتان فصيحتان، ولم يقل: طاهرة لأن مطهرة أبلغ، لأنها تكون للتكثير؛ وفيها إشعار بأن مطهرا طهرهن، وما ذلك إلا الله عز وجل.
[1327]:في م: المستمرة – كذا.
[1328]:في ظ: ذلك الأمر لا وفي م "جوف" مكان "خوف" و "و" مكان "أو" و "ولا" مكان "فلا".
[1329]:في ظ: ذلك الأمر لا وفي م "جوف" مكان "خوف" و "و" مكان "أو" و "ولا" مكان "فلا".
[1330]:ي م: تذوق.
[1331]:يس في ظ.
[1332]:يست في ظ.
[1333]:يست في ظ.
[1334]:لعبارة من هنا إلى "جديدا فقال " ليست في ظ وم، وقد ضرب عليها الأصل ولكن السياق يقتضيها فأثبتناها.
[1335]:قال البيضاوي: واعلم أنه لما كان معظم اللذات الحسية مقصورا على المساكن والمطاعم والمناكح على ما دل عليه الاستقراء وكان ملاك ذلك كله الثبات والدوام فإن كل نعم جليلة إذا قارنها خوف الزوال كانت منغصة غير صافية من شوائب الألم بشر المؤمنين بها ومثل ما أعد لهم في الآخرة بأبهى ما يستلذ به منها وأزال عنهم خوف الفوات بوعد الخلود ليدل على كمالهم في التنعم والسرور.
[1336]:والخلد والخلود في الأصل الثبات المديد دام أو لم يدم، ولذلك قيل للأثافي والأحجار: خوالد، لكن المراد به الدوام هاهنا عند الجمهور لما يشهد له من الآيات والسنن – انتهى. وقال علي المهائمي في تفسيره: "وهم فيها خالدون" لغلبة الروحانية على أجسامهم وبقاء هيئات الإيمان والأعمال على أرواحهم وقلوبهم – انتهى كلامه.
[1337]:في م: أعني – كذا.