في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ} (47)

41

ويبقى التعليم الأخير :

( ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله ، والله بما يعملون محيط ) .

يبقى هذا التعليم ليحمي العصبة المؤمنة من أن تخرج للقتال متبطرة طاغية تتعاجب بقوتها ! وتستخدم نعمة القوة التي أعطاها الله لها في غير ما أرادها . . والعصبة المؤمنة إنما تخرج للقتال في سبيل الله ؛ تخرج لتقرير ألوهيته سبحانه في حياة البشر ، وتقرير عبودية العباد لله وحده . وتخرج لتحطيم الطواغيت التي تغتصب حق الله في تعبيد العباد له وحده ، والتي تزاول الألوهية في الأرض بمزاولتها للحاكمية - بغير إذن الله وشرعه - وتخرج لإعلان تحرير " الإنسان " في " الأرض " من كل عبودية لغير الله ، تستذل إنسانية الإنسان وكرامته . وتخرج لحماية حرمات الناس وكراماتهم وحرياتهم ، لا للاستعلاء على الناس واستعبادهم والتبطر بنعمة القوة باستخدامها هذا الإستخدام المنكر . وتخرج متجردة من حظ نفسها في المعركة جملة ، فلا يكون لها من النصر والغلب إلا تحقيق طاعة الله في تلبية أمره بالجهاد ؛ وفي إقامة منهجه في الحياة ؛ وفي إعلاء كلمته في الأرض ؛ وفي التماس فضله بعد ذلك ورضاه . . حتى الغنائم التي تخلفها المعركة فهي من فضل الله . .

ولقد كانت صورة الخروج بطراً ورئاء الناس وصدا عن سبيل الله حاضرة أمام العصبة المسلمة ؛ يرونها في خروج قريش بالصورة التي خرجت بها ؛ كما كانت صورة العاقبة لهذا الخروج حاضرة فيما أصاب قريشاً التي خرجت في ذلك اليوم بفخرها وعزها وكبريائها تحاد الله ورسوله : وعادت في آخر اليوم بالذل والخيبة والانكسار والهزيمة . . وكان الله سبحانه يذكر العصبة المسلمة بشيء حاضر له وقعه وله إيحاؤه :

( ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله . والله بما يعملون محيط ) .

والبطر والمراءاة والصد عن سبيل الله تتجلى كلها في قولة أبي جهل ، وقد جاءه رسول أبي سفيان - بعد أن ساحل بالعير فنجت من رصد المسلمين - يطلب إليه الرجوع بالنفير ، إذ لم تعد بهم حاجة لقتال محمد وأصحابه . وكانت قريش قد خرجت بالقيان والدفوف يغنون وينحرون الجزر على مراحل الطريق . فقال أبو جهل : " لا والله لا نرجع حتى نرد بدراً ، فنقيم ثلاثاً ، ننحر الجزر ، ونطعم الطعام ، ونشرب الخمر ،

وتعزف القيان علينا ، فلن تزال العرب تهابنا أبداً " . . فلما عاد الرسول إلى أبي سفيان برد أبي جهل قال : " واقوماه ! هذا عمل عمرو بن هشام [ يعني أبا جهل ] كره أن يرجع ، لأنه ترأس على الناس فبغى ، والبغي منقصة وشؤم ، إن أصاب محمد النفير ذللنا " . . وصحت فراسة أبي سفيان ، وأصاب محمد [ ص ] النفير ؛ وذل المشركون بالبطر والبغي والرياء والصد عن سبيل الله ؛ وكانت بدر قاصمة الظهر لهم :

( والله بما يعملون محيط ) . .

لا يفوته منهم شيء ، ولا يعجزه من قوتهم شيء ، وهو محيط بهم وبما يعملون .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ} (47)

قوله تعالى : { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً } ، فخراً وأشراً .

قوله تعالى : { ورئاء الناس } ، قال الزجاج : البطر : الطغيان في النعمة وترك شكرها ، والرياء : إظهار الجميل ليرى وإبطان القبيح .

قوله تعالى : { ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط } ، نزلت في المشركين حين أقبلوا إلى بدر ولهم بغي وفخر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها ، تجادلك وتكذب رسولك ، الله فنصرك الذي وعدتني ، قالوا : لما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش : أنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم فقد نجاها الله ، فارجعوا ، فقال أبو جهل : والله لا نرجع حتى نرد بدراً ، وكان بدر موسماً من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق كل عام ، فنقيم بها ثلاثاً ، فننحر الجزور ، ونطعم الطعام ، ونسقي الخمر ، وتعزف علينا القيان ، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبداً ، فوافوها ، فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر ، وناحت عليهم النوائح مكان القيان ، فنهى الله عباده المؤمنين أن يكونا مثلهم ، وأمرهم بإخلاص النية ، والحسبة في نصر دينه ، ومؤازرة نبيه صلى الله عليه وسلم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ} (47)

ولما ذكرهم سبحانه ما أوجب نصرهم آمراً لهم بالثبات عليه ، ذكر لهم حال أعدائهم الذي أوجب قهرهم ناهياً عنه تعريضاً بحال المنازعة في الأنفال وأنها حال من يريد الدنيا ، ويوشك - إن تمادت - أن تجر إلى مثل حال هؤلاء الذين محط نظرهم الدنيا فقال : { ولا تكونوا } أي يا معشر المؤمنين { كالذين } وصور قبح عملهم من أوله إلى آخره فقال : { خرجوا من ديارهم } أي كل واحد من داره وهم أهل مكة ، وكل من عمل مثل عملهم كان مثلهم ، ولذا عبر بالوصف ليعم { بطراً } أي طغياناً{[35081]} وتكبراً على الحق ، ومادة بطر - بأيّ ترتيب اتفق - تدور على اللين القابل للعمل حتى ربط ، فإنه لولا الضعف ما استوثق من المربوط ، ومنه بطر{[35082]} الجرح - وهو شقه - والبيطار ، وتارة يكون ذلك اللين عن دهش . ومنه أبطرت حلمه أي أدهشته عنه ، وذهب دمه بطراً أي باطلاً للضعف عنه للحيرة في الأمر{[35083]} الموصل إليه ، وتارة يكون{[35084]} عن مجاوزة الحد في الصلابة ، ومنه بطر النعمة - إذا لم يشكرها فتجاوز الحد في المرح ، فإن فاعل ذلك يمكنه الحكيم من مقاتله فيأخذه وهو يرجع إلى عدم احتمال القوى للشكر ، ففاعل ذلك ضعيف وإن ظهر منه خلاف ذلك كما قال عمر رضي الله عنه : العدل وإن رئي ليناً أكف عن الظلم من الجور وإن رئي شديداً - أو كما قال رضي الله عنه . وأقرب من ذلك أن تكون المادة دائرة على الخلطة{[35085]} الناقلة من حال إلى حال .

ولما ذكر الحامل لهم على الخروج من أنفسهم ، ذكر ما أوجبه لهم{[35086]} من غيرها فقال : { ورئاء الناس } أي خرجوا يرون الناس خروجهم وما يتأثر عنه ليروهم ما يقولون{[35087]} فيه ، فإنهم لما قيل{[35088]} لهم ؛ قد نجى الله عيركم فارجعوا ، بطروا النعمة تبعاً لأبي جهل حيث قال{[35089]} : والله لا نرجع حتى نرد بدراً فنشرب الخمور وننحر الجزور وتعزف علينا القيان فتسمع بنا العرب فلا تزال تهابنا أبداً ! فسقوا مكان الخمر كؤوس المنايا الحمر ، وناحت عليهم نوائح الزمان مكان العزف والقيان .

ولما ذكر نفس الخروج وما فيه من الفساد وذكر ثمرته الخبيثة الناشئة عن ذينك الخلقين ، وعبر عنهما بالاسم إشارة إلى الثبات كما هو شأن الأخلاق ، وعن الثمرة بالمضارع تنبيهاً على أنهم لا يزالون يجددونها فقال : { ويصدون } أي يوجدون الصد وهو المنع لأنفسهم وغيرهم { عن سبيل الله } أي الملك الأعظم في ذلك الوجه وهم عازمون على تجديد ذلك في كل وقت ، فلما كانت هذه مقاصدهم كان نسجهم هلهلاً وبنيانهم واهياً ، فإنها من عمل الشيطان ، وكل عمل لا يكون لله إذا صدم بما هو لله اضمحل ، بذلك سبحانه أجرى سنته ولن تجد لسنته تحويلاً ، فإن العاملين عبيد الله { والله } أي فعلوا ذلك والحال أن المحيط بكل شيء الذي عادوا{[35090]} أولياءه { بما } أو يكون ذلك معطوفاً على تقديره : فأبطل الله بجلاله وعظمته أعمالهم وهو بكل ما { يعملون محيط* } فهم في قبضته ، فأوردهم - إذ خرجوا يحادونه - بدراً فنحر مكان الجزور رقابهم وسقاهم مكان الخمور{[35091]} كؤوس المنايا ، وأصاح عليهم مكان القيان صوائح النوائح{[35092]} ، ولعله قدم الجار إشارة إلى أنه لشدة إحاطته بأعمالهم كأنه لا نظر له إلى غيرها فلا شاغل له عنها .


[35081]:من ظ، وفي الأصل: طعنا.
[35082]:من ظ، وفي الأصل: بطرح.
[35083]:في ظ: الأصل.
[35084]:في ظ: تكون.
[35085]:من ظ، وفي الأصل: الخليطة.
[35086]:زيد من ظ.
[35087]:من ظ، وفي الأصل: تقولون.
[35088]:في ظ: فيه.
[35089]:سقط من ظ.
[35090]:في ظ: عادى.
[35091]:في ظ: الخمر.
[35092]:زيد من ظ.