في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا} (24)

( واذكر ربك إذا نسيت ) . . إذا نسيت هذا التوجيه والاتجاه فاذكر ربك وارجع إليه .

( وقل : عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ) . . من هذا النهج الذي يصل القلب دائما بالله ، في كل ما يهم به وكل ما يتوجه إليه .

وتجيء كلمة ( عسى ) وكلمة ( لأقرب ) للدلالة على ارتفاع هذا المرتقى ، وضرورة المحاولة الدائمة للاستواء عليه في جميع الأحوال .

 
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا} (24)

{ إلا أن يشاء الله } نهي تأديب من الله تعالى لنبيه حين قالت اليهود لقريش : سلوه عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين ، فسألوه فقال : " ائتوني غدا أخبركم " ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي بشعة عشر يوما حتى شق عليه وكذبه قريش . والاستثناء من النهي أي ولا تقولن لأجل شيء تعزم عليه إني فاعله فيما يستقبل إلا ب { أن يشاء الله } ، أي إلا ملتبسا بمشيئته قائلا إن شاء الله أو إلا وقت أن يشاء الله أن تقوله بمعنى أن يأذن لك فيه ، ولا يجوز تعليقه بفاعل لأن استثناء اقتران المشيئة بالفعل غير سديد واستثناء اعتراضها دونه لا يناسب النهي { واذكر ربك } مشيئة ربك وقل إن شاء الله . كما روي أنه لما نزل قال عليه الصلاة والسلام : " إن شاء الله " . { إذا نسيت } إذا فرط منك نسيان لذلك ثم تذكرته . وعن ابن عباس ولو بعد سنة ما لم يحنث ، ولذلك جوز تأخير الاستثناء عنه . وعامة الفقهاء على خلافه لأنه لو صح ذلك لم يتقرر إقرارا ولا طلاق ولا عتاق ولم يعلم صدق ولا كذب ، وليس في الآية والخبر أن الاستثناء المتدارك به من القول السابق بل هو من مقدر مدلول به عليه ، ويجوز أن يكون المعنى واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء مبالغة في الحث عليه ، أو اذكر ربك وعقابه إذا تركت بعض ما أمرك به ليبعثك على التدارك ، أو اذكره إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسي . { وقل عسى أن يهدين ربي } يدلني . { لأقرب من هذا رَشداً } لأقرب رشدا وأظهر دلالة على أني نبي من نبأ أصحاب الكهف . وقد هداه لأعظم من ذلك كقصص الأنبياء المتباعدة عنه أيامهم ، والإخبار بالغيوب والحوادث النازلة في الأعصار المستقبلة إلى قيام الساعة ، أو لأقرب رشدا وأدنى خيرا من المنسي .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا} (24)

{ ولا تقولن لشيء إنّي فاعل ذلك غدا ( 23 ) إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربّي لأقرب منه هذا رشدا ( 24 ) }

تمهيد :

روى : أن الآيتين نزلتا حينما سألت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن يجيبهم عن ثلاثة أسئلة :

‍1- أصحاب الكهف .

‌2- ذو القرنين .

3- الروح .

فقال : غدا أجيبكم ، ونسي أن يقول : إن شاء الله ؛ فأبطأ عليه الوحي خمسة عشر يوما فشق عليه ذلك ، وقالت قريش : إن إله محمد ودعه وقلاه ، وقد رد عنه الله تعالى في سورة الضحى .

التفسير :

‌24 ، 23- { ولا تقولن لشيء إنّي فاعل ذلك غدا . إلا أن شاء الله . . . }

أي : لا تقولن أيها الرسول لشيء : إني سأفعل ذلك غدا : إلا أن تقول : إن شاء الله ؛ ذلك أنه ربما مات المرء قبل مجيء الغد ، أو ربما عاقه عائق عن فعله .

جاء في تفسير الظلال ما يأتي :

إن كل حركة وكل نفس من أنفس الحي ، مرهون بإرادة الله ، وسجف الغيب مسبل يحجب ما وراء اللحظة الحاضرة ، وعين الإنسان لا تمتد إلى ما وراء الستر المسدل ، وعقله مهما علم قاصر كليل ، فلا يقل إنسان : إني فاعل ذلك غدا ، وغدا في غيب الله .

وليس معنى هذا : أن يقعد الإنسان ، لا يفكر في أمر المستقبل ، ولا يدبر له ، وأن يعيش يوما بيوم ، ولحظة بلحظة ، وألا يصل ماضي حياته بحاضره وقابله . . . كلا ، ولكن معناه : أن يحسب حساب الغيب ، وحساب المشيئة التي تدبره ، وأن يعزم ما يعزم ، ويستعين بمشيئة الله على ما يعزم ، ويستشعر أن يد الله فوق يده ، فلا يستبعد أن يكون لله تدبير غير تدبيره ، فإن وفقه الله إلى ما اعتزم ؛ فبها ونعمت ، وإن جرت مشيئة الله بغير ما دبّر ؛ لم يحزن ولو ييأس ؛ لأن الأمر لله أولا وأخيرا28 .

وبهذه المناسبة نتمنى أن يلتفت كل من يقدر تقديرا ، أو يذكر محصولا للقمح أو الذرة أو القطن أو البترول في قادم الأيام ؛ أن يذكر المشيئة ؛ فيقول : سيكون عائد البترول كذا ألف برميل في العام إنشاء الله ، والمحصول القمح أو الذرة أو القطن كذا إنشاء الله ، وعدد الخريجين من المعاهد العليا والكليات النظرية أو العلمية كذا إنشاء الله .

فهذا التعليم والتوجيه للأفراد والجماعات والأمم ، وهو في صلب العقيدة ، ويترتب عليه اليقين الجازم ؛ بأن يد القدرة الإلهية فوق قدرتنا ، ولها الكلمة النافذة في حياة الأفراد والجماعات والأمم .

وأن الله تعالى يغير ولا يتغير ، وهو سبحانه يضع ويرفع ويعز ويذل ، قال تعالى : { قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعزّ من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير } . ( آل عمران : 26 ) .

ويقول سبحانه : { كل يوم هو في شأن } . ( الرحمان : 29 ) .

وفي التفسير : شؤون يبديها ولا يبتديها ؛ يشفي مريضا ، ويمرض سليما ، ويعافي مبتلي ، ويبتلي معافى ، ويعزّ ذليلا ، ويذل عزيزا ، ويغير ولا يتغير .

ونحن ينبغ عندما نقول : سنعمل كذا ، أو سنترك كذا ، أو سنفعل كذا ؛ نربطها بالمشيئة فنقول : ( إن شاء الله ) .

والمعنى : إذا أراد أن يتم ذلك فستتم بمشيئته هو وإرادته ؛ فأمره غالب ومشيئته نافذة ، ومعونته للعباد نعمة وبركة ، وهو القائل : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون } . ( يس : 83 ، 82 ) .

{ واذكر ربّك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا } .

أي : إذا نسيت أن تقول : إن شاء الله ، ثم ذكرت ؛ فقلها لتبقى نفسك مستشعرة عظمة الله ، وقال عكرمة : { واذكر ربك إذا نسيت } ، إذا غضبت .

وذهب الجمهور من المفسرين إلى أن هذه الفقرة من الآية مرتبطة بما قبله .

والمعنى : أنك إن قلت : سأفعل غدا كذا ، ونسيت أن تقول : إن شاء الله ، ثم تذكرت بعد ذلك ؛ فقل : إن شاء الله .

أي : اذكر ربك معلقا على مشيئته ما تقول إنك ستفعله غدا ؛ إذا ذكرت بعد النسيان .

وذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الفقرة مستقلة عما قبلها ، ولا تعلق لها بما قبلها ، ويكون المعنى : إذا نسيت ذكر ربك لأي سبب من الأسباب ، ثم عاد إليك ذهنك وصفاؤك ؛ فاشتغل بالتسبيح والاستغفار ؛ لأن ذكر الله شفاء ودواء .

قال تعالى : { والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعدّ الله لهم مغفرة وأجرا عظيما } . ( الأحزاب : 35 ) .

وقال سبحانه : { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون } . ( البقرة : 152 ) .

{ وقل عسى أن يهدين ربّي لأقرب من هذا رشدا } .

أي : لعل الله أن يوفقني ويرشدني إلى ما هو أصلح من أمر ديني ودنياي .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا} (24)

/خ23

{ واذكر ربك إذا نسيت } ، قال ابن عباس ومجاهد والحسن : معناه إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فاستثن . وجوز ابن عباس الاستثناء المنقطع ، وإن كان إلى سنة . وجوزه الحسن ما دام في المجلس ، وجوزه بعضهم إذا قرب الزمان ، فإن بعد فلا يصح . ولم يجوز باستثناء جماعة حتى يكون متصلاً بالكلام . وقال عكرمة : يعني الآية : واذكر ربك إذا غضبت . وقال وهب : مكتوب في الإنجيل : " ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب " . وقال الضحاك و السدي : هذا في الصلاة .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا الحسن بن أحمد المخلدي ، حدثنا عبد الواحد أبو العباس السراج ، حدثنا قتيبة ، حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها " . { وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشداً } ، أي : يثبتني على طريق هو أقرب إليه وأرشد . وقيل : أمر الله نبيه أن يذكره إذا نسي شيئاً ، ويسأله أن يهديه لما هو خير له من ذكر ما نسيه . ويقال : هو أن القوم لما سألوه عن قصة أصحاب الكهف على وجه العناد أمره الله عز وجل أن يخبرهم أن الله سيؤتيه من الحجج على صحة نبوته ما هو أدل لهم من قصة أصحاب الكهف ، وقد فعل ، حيث آتاه من علم الغيب المرسلين ما كان أوضح لهم في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف . وقال بعضهم : هذا شيء أمر أن يقوله مع قوله { إن شاء الله } إذا ذكر الاستثناء بعد النسيان ، وإذا نسي الإنسان { إن شاء الله } فتوبته من ذلك أن يقول : { عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشداً } .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا} (24)

وفيها تأديب من الله لرسوله ( ص ) . إذ أمره أن يعلق كل شيء بمشيئة الله ؛ فإن من الحقائق المسلمة في دين الله الاعتقاد بأن : ما يشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن . فإذا عزم المسلم على شيء ليفعله في المستقبل عليه أن يرد ذلك لمشيئة الله بقوله : إن شاء الله .

قوله : ( واذكر ربك إذا نسيت ) إذا نسيت كلمة الاستثناء وهي : إن شاء الله ، أو بمشيئة الله ، ثم ذكرتها فتداركها بالذكر وهو أن تقولها عقب زوال النسيان .

وروي عن ابن عباس قوله في الرجل يحلف : له أن يستثني ولو إلى سنة ، استنادا إلى إطلاق هذه الآية . لكن قول ابن عباس هذا قد حمل على تدارك التبرك بالاستثناء ؛ فإن من السنة أن يقول المرء إن شاء الله ولو بعد سنة ليكون آتيا بسنة الاستثناء حتى لو كان بعد الحنث . وليس المقصود أن يكون الاستثناء رافعا لحنث اليمين ومسقطا للكفارة ؛ أي أن الاستثناء الذي يتغير به الحكم من حنث وكفارة فلا يصح إلا متصلا ؛ فإن من شروط صحة الاستثناء في اليمين الاتصال . وهو كون الاستثناء متصلا باليمين فلا يفصل بينهما كلام من غير صيغة الحلف ، ولا أن يفصل بينهما سكون لغير ضرورة . فإن أقسم الحالف بالله ليفعلن كذا أو لا يفعل كذا ثم صمت صمتا طويلا يمكن الكلام فيه وكان ذلك لغير ضرورة أو حاجة ، أو تكلم عقب الحلف كلاما من غير جنس اليمين ثم قال بعد ذلك : إن شاء الله ؛ فمثل هذا الاستثناء غير متصل باليمين بل هو منفصل فلا يؤثر في الحلف .

أما السكوت بعد اليمين لضرورة : فإنه لا يؤثر في صحة الاستثناء ، ولا يكون الحالف بذلك حانثا . وذلك كما لو انقطع نفس الحالف عقيب الحلف ؛ أو انقطع صوته لعيّ أو عارض من عطش ، أو سكت سكتة خفيفة من أجل التذكر . وهو قول الجمهور من العلماء{[2797]} .

وثمة مسألة وهي : هل الاستثناء الذي يرفع اليمين المنعقدة بالله تعالى ، رخصة من الله في اليمين خاصة لا تتعداه إلى غير ذلك من الأيمان ؟

ثمة قولان للعلماء في ذلك :

القول الأول : إن الاستثناء نافع في كل يمين كالطلاق والعتاق ؛ لأنها يمين تنعقد مطلقة ، فإذا قرن بها ذكر الله على طريق الاستثناء كان ذاك مانعا من انعقادها كاليمين بالله . وهو قول الحنفية والشافعية . وقال به مالك وآخرون . ودليلهم في ذلك قول رسول الله ( ص ) : " من حلف فقال : إن شاء الله لم يحنث " ومثل هذه الأقسام يندرج في مفهوم اليمين . فلو قال الرجل : أنت طالق بمشيئة الله ، أو إلا أن يشاء الله ، أو ما شاء الله ، أو بإرادة الله ، أو بقضاء الله أو بقدرة الله ؛ فهذه كلها أيمان ويحلها الاستثناء .

القول الثاني : إن الاستثناء في الحلف بغير الله لا يؤثر ولا يفيد .

ودليل ذلك قوله تعالى : ( ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ) ولا يدخل في هذه الأيمان سوى اليمين الشرعية وهي الحلف بالله وأسمائه وصفاته فقط . فالاستثناء الذي يرفع اليمين المنعقدة بالله تعالى إنما هو رخصة وردت في اليمين خاصة ، ولا تنسحب على غيره من الأيمان كالطلاق والعتاق ، وذهب إلى ذلك بعض المالكية . وقال به الحسن البصري وقتادة وسعيد بن المسيب وآخرون{[2798]} .

قوله : ( وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ) وهذا دعاء يقوله للناس بعد الذكر ، وجملته : عسى ربي أن يهديني لغير ما نسيته مما هو أقرب رشدا وأقرب خيرا ونفعا .


[2797]:- بدائع الصنائع جـ3 ص 27 والأم للشافعي جـ7 ص 62 والمغني جـ8 ص 715 والمبسوط للسرخسي جـ8 ص 143.
[2798]:- سبل السلام جـ4 ص 104 وأعلام الموقعين جـ4 ص 57 وأحكام القرآن لابن العربي جـ3 ص 1224.