وإذا كانوا مؤخرين إلى أجل ، ممهلين لا مهملين ، فلا عليك - يا محمد - منهم ولا مما أوتوه من زينة الحياة الدنيا ليكون ابتلاء لهم ، فإنما هي الفتنة ، وما أعطاكه الله إنعاما فهو خير مما أعطاهم ابتلاء :
( فاصبر على ما يقولون ، وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى . ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لتفتنهم فيه ، ورزق ربك خير وأبقى . وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى . . )
فاصبر على ما يقولون من كفر واستهزاء وجحود وإعراض ، ولا يضق صدرك بهم ، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات . واتجه إلى ربك . سبح بحمده قبل طلوع الشمس وقبل غروبها . في هدأة الصبح وهو يتنفس ويتفتح بالحياة ؛ وفي هدأة الغروب والشمس تودع ، والكون يغمض أجفانه ، وسبح بحمده فترات منالليل والنهار . . كن موصولا بالله على مدار اليوم . . ( لعلك ترضى ) . .
إن التسبيح بالله اتصال . والنفس التي تتصل تطمئن وترضى . ترضى وهي في ذلك الجوار الرضي ؛ وتطمئن وهي في ذلك الحمى الآمن .
فالرضى ثمرة التسبيح والعبادة ، وهو وحده جزاء حاضر ينبت من داخل النفس ويترعرع في حنايا القلب .
{ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك } وصل وأنت حامد لربك على هدايته وتوفيقه ، أو نزهة عن الشرك وسائر ما يضيفون إليه من النقائص حامدا له على ما ميزك بالهدى معترفا بأنه المولى للنعم كلها . { قبل طلوع الشمس } يعني الفجر . { وقبل غروبها } يعني الظهر والعصر لأنهما في آخر النهار أو العصر وحده . { ومن آناء الليل } ومن ساعاته جمع أنا بالكسر والقصر ، أو أناء بالفتح والمد . { فسبح } يعني المغرب والعشاء وإنما قدم زمان الليل لاختصاصه بمزيد الفضل فإن القلب فيه أجمع والنفس أميل إلى الاستراحة فكانت العبادة فيه أحمس ولذلك قال سبحانه وتعالى : { إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا } { وأطراف النهار } تكرير لصلاتي الصبح والمغرب إرادة الاختصاص ، ومجيئه بلفظ الجمع لأمن الإلباس كقوله :
*** ظهراهما مثل ظهور الترسين ***
أو أمر بصلاة الظهر فإنه نهاية النصف الأول من النهار وبداية النصف الآخر وجمعه باعتبار النصفين أو لأن النهار جنس ، أو بالتطوع في أجزاء النهار . { لعلك ترضى } متعلق ب { سبح } أي سبح في هذه الأوقات طمعا أن تنال عند الله ما به ترضي نفسك : وقرأ الكسائي وأبو بكر بالبناء للمفعول أي يرضيك ربك .
فسبح بحمد ربك : اشتغل بتنزيه الله وتعظيمه .
130- { فاصبر على ما يقولون وسبّح بحمد ربّك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبّح وأطراف النهار لعلّك ترضى } .
أي : إذا كان إمهال الله للمشركين ليس إهمالا ؛ بل يؤجلهم إلى أجل مسمى ، فاصبر أيها الرسول الكريم على ما يقولون ، من كفر وتشيك في رسالتك ، وانشغل ذكر الله وتسبيحه وتحميده في أوقات متعددة ، خصوصا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، وفي أوقات وآناء الليل ، وفي أطراف النهار ، لعل الذكر والتسبيح يعمّق الإيمان ، ويمنحك الرضا واليقين والسعادة ، وهذه أعلى وأغلى من كلّ ما في الدنيا .
ونلاحظ أن بعض المفسرين فسّر كلمة { وسبّح بحمد ربّك } . على ظاهرها وهي التسبيح التحميد وذكر الله تعالى ، وبعضهم فسّرها بأن المراد بها : الصلاة .
فالمراد بذكر الله قبل طلوع الشمس : صلاة الصبح ، وقبل غروبها : صلاة العصر ، وآناء الليل هي : صلاة المغرب والعشاء ، وأطراف النهار : صلاة الظهر ؛ لأنه يجب عند نهاية الطرف الأول من النهار ، وابتداء الطرف الثاني عند الزوال .
وفي صحيح البخاري ومسلم ، عن جرير بن عبد الله البجلي قال : كنا جلوسا عند رسول اله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال : ( إنكم سترون ربّكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ؛ فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا )22 . ثم قرأ هذه الآية : { فاصبر على ما يقولون وسبّح بحمد ربّك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبّح وأطراف النهار لعلّك ترضى } .
وروى مسلم وأحمد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لن يلج النهار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ) . 23 .
قوله تعالى : { فاصبر على ما يقولون } نسختها آية القتال { وسبح بحمد ربك } أي صل بأمر ربك . وقيل : صل لله بالحمد له والثناء عليه { قبل طلوع الشمس } يعني صلاة الصبح { وقبل غروبها } صلاة العصر ، { ومن آناء الليل } ، ساعاته واحدها إنى { فسبح } يعني صلاة المغرب والعشاء . قال ابن عباس : يريد أول الليل { وأطراف النهار } يعني : صلاة الظهر وسمي وقت الظهر أطراف النهار لأن وقته عند الزوال ، وهو طرف النصف الأول انتهاء وطرف النصف الآخر ابتداء . وقيل : المراد من آناء الليل صلاة العشاء ، ومن أطراف النهار صلاة الظهر والمغرب ، لأن الظهر في آخر الطرف الأول من النهار ، وفي أول الطرف الآخر من النهار ، فهو في طرفين منه والطرف الثالث غروب الشمس ، وعند ذلك يصلى المغرب . { لعلك ترضى } أي ترضى ثوابه في المعاد ، وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم ( ترضى ) بضم التاء أي : تعطى ثوابه . وقيل : ترضى أي : يرضاك الله تعالى ، كما قال : ( وكان عند ربه مرضياً ) وقيل : معنى الآية لعلك ترضى بالشفاعة ، كما قال : ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) . أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الخطيب الحميدي ، أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني إملاء ، أنا إبراهيم بن عبد الله السعدي ، أنا يزيد بن هارون ، أنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن جرير بن عبد الله قال : " كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر ، فقال : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " ، ثم قرأ ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ) .
قوله : ( فاصبر على ما يقولون ) ذلك تكليف من الله لرسوله المصطفى ( ص ) ؛ إذ ابتلاه بهؤلاء المشركين المعاندين ، بأن يصبر على أذاهم وما يقولونه فيه من زور مكذوب وافتراء مستهجن ؛ إذ قالوا عنه ؛ إنه ساحر ، إنه كاهن ، إنه مجنون . وغير ذلك من الأقاويل الظالمة المفتراة التي كان المشركون يهذون بها على خير الأنام ، ومبدد الكابوس والطغيان وديجور الظلام وحامل لواء الهداية والنور والإسلام . لقد أمره الله أن يصبر على هؤلاء العتاة السفهاء وما يجترونه من سقط الكلام اجترارا .
قوله : ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنائي الليل فسبح وأطراف النهار ) ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد بهذه الآية الصلوات الخمس . فقبل طلوع الشمس ، إشارة إلى صلاة الفجر . وقبل غروبها ، إشارة إلى صلاة الظهر والعصر . ومن آناء ، إشارة إلى صلاة العشاء الآخرة . والآناء جمع ومفرده إني بكسر الهمزة وقصر الألف ، وهي الساعة ، والآناء الساعات .
وقوله : ( فسبح ) أي صل ( وأطراف النار ) إشارة إلى صلاة المغرب وقيل غير ذلك .
قوله : ( لعلك ترضى ) أي لعلك تجزى على ذلك بما ترضى به{[3009]} .